السودان أمام عبء طي صفحة تركة التشدد

السلطة الانتقالية تواجه عقبة التبرؤ من الدول الراعية للتنظيمات المتشددة.
الثلاثاء 2019/09/17
السودان الجديد يتطلب القطع مع إرث البشير

تعد مكافحة التشدد في السودان من أوكد الرهانات التي تحاصر السلطة الانتقالية في البلاد والتي تعي بدورها أنها أمام اختبار هام وصعب أملته الأعباء المتراكمة التي تركها نظام عمر حسن البشير، وهو ما يتطلب إدراكا كبيرا بكل تشابكات التطرف المحلية والإقليمية، فمواجهة التطرف والسودان يجري مفاوضات هامة مع واشنطن لإخراج البلد من لوائح الإرهاب، تستدعي أيضا من السلطة الانتقالية أن تعلن صراحة عن إبعاد الخرطوم عن الدول المتورطة في دعم تنظيمات متشددة.

القاهرة – يحفل السودان بقضايا عديدة بحاجة إلى حلول عاجلة على الصعيدين الداخلي والخارجي. وهناك ملفات تتطلب رؤية مشتركة، يرسل التقدم في إحداها إشارات إيجابية للأخرى. أبرزها ملف الإرهابيين ومعالجته بطريقة محكمة تنهي حضور المتشدّدين في المشهد السوداني، بعد فترة طويلة من تمتعهم بمرونة عالية بسبب قربهم من دواليب الحكم خلال عهد الرئيس المعزول عمر حسن البشير، وهو ما يتطلب طمأنة دول توترت علاقاتها مع الخرطوم جراء احتضانها لقيادات إسلامية كبيرة.

تعي السلطة الانتقالية الأهمية التي تنطوي عليها هذه المسألة. غير أن التخلص من عبء المتطرفين في السودان، تركة دقيقة خلّفها نظام البشير وراءه، يحتاج علاجها إلى دراية بتشابكاتها المحلية والإقليمية، لأنها متجذّرة في شريحة مهمة شاركت في الحكم. وهي عريضة وتنخر في جسد المجتمع، ولديها من وسائل الدعم المالي والعسكري كميات كبيرة تساعدها على التأثير في العملية السياسية برمتها.

مواجهة التطرف

يفرض كل ذلك المزيد من الحذر عند التعامل معها، كي لا تؤدي إلى أزمات أشد ضراوة، وتجعل السودان فضاء لتصفية الحسابات بدلا من تجربة ناجحة تمتد تأثيراتها إلى ما حولها.

بدأت المواجهة تظهر ملامحها مبكرا عندما تواترت معلومات خلال الأيام الماضية بشأن عزم الخرطوم ترحيل مدين إبراهيم محمد حسنين، القيادي في تنظيم أنصار الشريعة، وأحد القادة الإرهابيين المطلوبين للأمن المصري، والمدان في قضية اغتيال عدد من أفراد الشرطة والحكم عليه بالحبس 15 عاما، وهرب إلى السودان عقب عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي في 3 يوليو 2013.

كان مدين حسنين ضمن الهاربين مع قيادات إخوانية من سجن وادي النطرون في غرب مصر، وسافر إلى إسطنبول ومنها إلى سوريا، وعاد إلى القاهرة بعد وصول الإخوان للحكم، ومهمته الرئيسية كانت تجنيد الشباب المصري ثم إرسالهم إلى الأراضي السورية للمشاركة في القتال بجوار المتطرفين، وأثار وجوده في السودان علامات استفهام كبيرة حول علاقة الخرطوم الوطيدة بدول وتنظيمات تتكفل برعاية الإرهاب وتوسيع أطره في المنطقة.

مواجهة التطرف تتطلب إعلانا صريحا للدخول في الحرب على الإرهاب، وابتعاد السودان عن الدول المتورطة في دعم تنظيمات متشددة

يمثل تسليم الإرهابي المصري حلقة مهمّة في التعاون الأمني مع السلطة الانتقالية في السودان، ويشير إلى تمتين العلاقات المشتركة بين البلدين، لأن هذا الملف أرّق القاهرة فترة طويلة، وناقشته أكثر من مرة صراحة إبان عهد البشير، ولم تجد استجابة أو حتى آذانا صاغية منه، بل مراوغات ومناورات أفقدت الثقة فيه تماما، واستخدمه الرجل للتنغيص على مصر أحيانا، ليؤكد ولاءه للحركة الإسلامية التي اعتمد عليها في تثبيت دعائم نظامه في الشارع السوداني.

تضررت مصر من الأسلحة التي كان يتم تهريبها عبر الحدود مع السودان إلى متطرفين في سيناء، وشعرت بالانزعاج من التمادي في تحويل أرض بلد مجاور إلى ساحة لاستقبال وتدريب إرهابيين، وتعاملت مع الأمر بإحكام سد المنافذ الحدودية وزيادة انتشار الدوريات المسلحة، لأنها وجدت صدا وممانعة في الوصول إلى تعاون أمني كبير مع الخرطوم وقتها.

مثل عزل البشير فرصة للقاهرة للتخلص من ميراث ماضوي، أصبح جرحا غائرا عند التباحث في بعض القضايا الحيوية، وتم توظيفه سياسيا من وقت لآخر، ووجد النظام المصري في المجلس العسكري الانتقالي فرصة للتفاهم وتقليص مساحات الاختلاف في موضوعات عدة، بينها ملف المتطرفين وتوابعه السياسية والذي حظي بأولوية بعد عزل البشير، لأن طريقة التعامل معه تحمل إشارة إلى حجم التغير والوعي بمتطلبات المرحلة في الإقليم والعالم.

تعهد الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة حاليا في أول زيارة له للقاهرة في مايو الماضي، للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بعدم بقاء “مطلوب واحد في السودان للأمن المصري”، الأمر الذي وجد ارتياحا في حينه، وتضاعف مع تولي السلطة الانتقالية الحكم، ووضعها ملف المتشددين ومكافحة الإرهاب ضمن اهتماماتها، لأنه الوحيد الذي يعبّد الطريق لتطوير العلاقات بين الخرطوم ودول عديدة في العالم، ويعدّ مدخلا للحصول على مساعدات اقتصادية كبيرة وخلق فرص استثمارية واعدة، ومن علامات الأمن والاستقرار في البلاد.

حكومة القطع مع الماضي
حكومة القطع مع الماضي

يجري عبداللـه حمدوك رئيس الحكومة السودانية لقاءات مكثفة مع مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تنطلق في 19 سبتمبر الجاري، ومتوقع أن تنصب على رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب على لائحة وزارة الخارجية الأميركية.

المطلوب من السودان

تلقت الخرطوم رسائل إيجابية من واشنطن على هذا المستوى في الفترة الماضية، وبادلها حمدوك ومعاونوه بردود فعل على قدر المسؤولية السياسية العالية التي جعلت من الحديث عن رفع اسم السودان مسألة وقت لا أكثر.

وربما تكون النوايا الحسنة تساعد على التعجيل بهذه الخطوة كنوع من التشجيع للإقدام على تنفيذ مطالب جوهرية في ملف الإرهاب، تتعلق في معظمها بالتخلص من رواسب البشير، لتضاف إلى الثقة التي بنتها سريعا الحكومة المدنية في السودان.

يحتاج التعاطي مع المتطرفين إعلانا صريحا للدخول في الحرب على الإرهاب، وابتعاد السودان عن الدول المتورطة في دعم تنظيمات متشددة، ولن يكفي تسليم إرهابي لمصر أو أكثر، فالمطلوب وضع تصورات عملية ممنهجة تقنع واشنطن والقاهرة والدول التي تتصدّى للمتطرفين في المنطقة، مثل السعودية والإمارات، وتترتب عليها خطوات تؤكد محاصرة كل ما له علاقة بالإرهاب في السودان.

يحتاج الأمر أيضا إلى تحركات حثيثة لمواجهة العناصر التي لا تزال تمرح في السودان، وتلك التي هربت إلى تركيا ووجدت احتضانا وقيادات تأويها وتحميها هناك. وهو ما تدركه الخرطوم.

سودان جديد
سودان جديد

وتعلم السودان مدى التعقيدات الداخلية التي تحيط بها إذا أدارت ملف الإرهابيين بصورة عشوائية أو لمجرد إرضاء بعض الدوائر الإقليمية والدولية.

وبدأت الحركة الإسلامية في السودان تستنفر قواها، وأيقنت أن الرياح السياسية عاتية وقد تعصف برؤوس كبيرة فيها.

تستمد الحركة ما يبدو عليها من ثقة مؤقتة مما لديها من يقين بأن السلطة الانتقالية لن تستعجل الدخول في مواجهة حامية معها في ظل احتفاظها بعدد من كتائب الظل المسلحة، وبالتالي سوف تكون السلطة مضطرة إلى التريث كثيرا ولن تستطيع التوسع في تسليم المطلوبين، أو الإعلان صراحة عن الدخول في حرب مفتوحة مع المتطرفين، فلديها استحقاقات أمنية واقتصادية وسياسية عاجلة، وتحقيق سلام شامل في ربوع السودان خلال ستة أشهر.

تثبيت أقدام السلطة الانتقالية يتطلب الوفاء بشعارات الثورة، وفي مقدمتها الشروع في طي صفحة المتطرفين التي عكّرت علاقات الخرطوم بدول كثيرة، وليكون للسودان دور معتبر في المنطقة عليه التماهي مع التطورات الإقليمية التي تضع مكافحة الإرهاب هدفا محوريا لها.

ولذلك لن يستطيع هذا البلد التخلّف كثيرا عن الدوران مع الركب في المنطقة. وكل ما يحتاجه بعض الوقت لترتيب أوراقه، لأن التخلص من المتشددين لن يتم دون إجراء عملية قيصرية مدعومة بمشارط حادة من المواطنين، ومساعدات وفيرة ومتنوعة من الدول التي تتصدى لهم.

6