السودان: إيقاعات "ربيع" لم ينضج

الجمعة 2013/10/11

لا يختلفُ المشهد السوداني الراهن عن المشاهد التي عهدناها منذ انفجرت المنطقة من الشرارة التونسية، كما لا تختلف الوسائل والأسباب والمحفّزات التي قادت العباد إلى التمرد على من يسوق العباد. ولا تختلف العبارات التي تستخدمها السلطة هنا وهناك، كما لا تختلف طرق القمع والتخوين التي تُمارس ضدّ من إضطرتهم الحاجة ودفعهم العوز للخروج إلى الشارع غاضبين ساخطين.

نعم هي الضائقة الاقتصادية، قبل أي شيء آخر، هي التي دفعت السودانيين اليوم، كما التونسيين بالأمس، على تسيير المظاهرات وتنشيط الاحتجاجات، قبل أن يتحوّل المطلبي إلى سياسي يطالب برحيل النظام. ولاشك أن مطلب اسقاط النظام في السودان، يصبح من عاديات الأمور ومنطق الأشياء هذه المرة، على خلفية سقوط وتهاوي أنظمة المنطقة، على نحو قد لا يوفر نظام الخرطوم.

وإذا كان من حق الساخطين أن يقلّدوا سخط من سبقهم، فمن واجب الساخطين ربما التنبه لانزلاقات الدول التي بدأ فيها الحراك متفائلا وانحدر من حيث لا يدرون نحو درك مجهول النهايات. والعبرة في قطف الثمار التي أينعت، وتجنب حرق المحصول برمته.

ولا يتحمل الساخطون عدمية النهايات. ذلك أن منطق الصدام المرتجل مع الأنظمة يؤدي آلياً إلى تمترسها وتصلّبها والذهاب بعيداً في منطق «من بعدي الطوفان» في سبيل سلطة أَنِسَت لها على مدى عقود. وإذا ما كانت قوة الخارج حسمت أمر ذلك الرهان بالنسبة لنظام القذافي في ليبيا، فإن تعقّد الأمر في المثال السوري، على ما نشهد، يتيح للنظام تقديم روايات متتالية تحول ما يراد له أن يكون تحولا تاريخيا إلى كارثة كبرى.

ولا يمكن للنظام في الخرطوم أن تهدده بشكل عاجل مظاهرات عفوية تتفجر ارتجاليا كرد فعل على قرارات الحكومة في شؤون الاقتصاد. الأزمة الحالية تربك أهل الحكم في السودان، لكن شكل وحجم الاحتجاجات توحي بإمكانية تدارك الأمر حاليا، دون إهمال أن تكون حركة الشارع هي مجرد «تسخين» أولي على حدّ تعبير الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة ورئيس الوزراء السابق، أو هي علامة فارقة من علامات تغيير يحتاج للتراكم والوقت، كمثل أي تغيير عرفه تاريخ هذا البلد.

على أن الإشارات الأولى التي أرسلها نظام الرئيس عمر حسن البشير في فهم وردّ حركة الاعتراض، لا تختلف، على نحو مخجل، عن تلك التي تفتقت عنها عبقرية الأنظمة التي واجهت «ربيعها»، من تخوين للساخطين، ووصفهم بالجرذان في ليبيا، وبالمندسين في سوريا، والمغرر بهم في مصر.. الخ. فأمرهم في السودان لا يتعدى عن كونه تخريباً يقوم به المخربين، قبل أن يتدارك البشير الأمر ويصف ضحايا الاحتجاجات، على النقيض من معاونيه، بالشهداء.

في عالم الجنون الذي نعيشه، سيكون من السذاجة عقلنة الأشياء بمنطق الأرقام. السودان يعاني من ضائقة مالية تجبره على تطبيق وصفات المؤسسات المالية الدولية، التي بالمناسبة، هي وصفات قلاقل لم تنجُ منها هذه الدولة أو تلك. وإذا ما كانت الأعراض الجانبية لتلك العلاجات يتم ضبطها في مواسم الركود، فإنها في منطقتنا، لاشك خريطة طريق لانفجار كبير على إيقاعات الانفجار الأكبر في المنطقة برمّتها.

وعليه فإن الكلام السوداني عن إجراءات ضرورية لإصلاح الاقتصاد تجنبا لانهياره (على حدّ ما أوضح وزير الاستثمار الدكتور مصطفى إسماعيل)، يشي بأن البلاد قادمة على انهيار، وهو أمر يؤدي إلى توجّس وقلق جماعيين، كما يسلط المجهر على ماهية تلك السُبل التي يدير بها النظام اقتصاده، كما يقزم المعضلة السودانية إلى شأن مالي تقني تدفع ثمن إصلاحه الطبقات الفقيرة.

وحديث الأزمة الاقتصادية يتناقض مع خطاب نظام «الإنقاذ» عن البحبوحة الموعودة والاستثمارات الأجنبية الزاحفة والمشاريع الطموحة لجعل السودان أيقونة أفريقيا ومركزها الاقتصادي. وحديث الأزمة يتناقض مع ما كانت التقارير الرسمية تعِدُ به من استعادة لدور البلد كسلّة غذاء المنطقة، أو تقديم النزاعات الداخلية بصفتها تآمراً خارجياً طمعاً بثروات السودان الكبرى.

لقد سبق للرئيس السوداني أن تحدث لأحد الوفود البريطانية التي زارته عن جبل اليورانيوم الموجود في إقليم دارفور كواحد من علامات الثروة التي يسيل لها لعاب الخارج، فيما تحدث دبلوماسيون سودانيون عن استخراج أسطوري من الذهب ينتج تارة من قبل الأهالي بوسائل بدائية، وتارة من خلال مؤسسات حرفية بوسائل العصر، والتي تَعِدُ بمداخيل إضافية عالية لخزينة السودان.

ولسنا هنا بمعرض تشريح الهيكل الاقتصادي والانتاجي لواحد من أكبر الدول العربية في المساحة والثروات، بل هو تمرين لفهم التباين بين النظري والمعلن، بين الوقائع والخطب. لسان حال المعارضة السودانية يقول أليس حرياً بالحكومة، وقبل أن تجبر العامة على دفع ثمن الأزمة المالية أن تقترب من منافع النخب؟ ثم ألا يجب وقف المال السياسي الذي يُنفق لشراء الولاءات وتأجيل الاعتراض عبر المال؟ ولماذا لا يتوقف تمويل الحروب التي لا تتوقف؟ ولماذا تُغدق الثروات على أجهزة الأمن والمؤسسات الداعمة للنظام؟

تستمر المعارضة التقليدية في رفع خطاب تقليدي مضجر يفسّر إقصاءها الكامل أو الجزئي عن السلطة. الصادق المهدي يبشر بأن سقوط النظام مسألة وقت، فيما زعيم المؤتمر الشعبي حسن الترابي، شريك البشير في الانقلاب، يُنذر بحرب أهلية في حال عدم رحيل النظام، والنظام بالنسبة له شخصيا هو شخص البشير، فيما لم تصح إشاعات انسحاب وزراء حزب، المعارض السابق، محمد عثمان الميرغني (الحزب الاتحادي الديمقراطي) من الحكومة. في تلك المواقف تشفي وشماتة أكثر منه تأسيس صلب لبدائل كامنة. يستغرب السودانيون الكلام عن حرب أهلية والبلد ما فتئ يعيشها منذ عقود. وهي إن انتهت عملياً مع الجنوب، من خلال الانفصال، فإن شراراتها مستمرة مهددة مع كل توتر بين نظامي الشمال والجنوب، ناهيك عن تلك الأخرى في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان وغيرها (ياسر عرمان، الأمين العام للحركة الشعبية شمال السودان أعلن انتهاء «الهدنة» من جانب واحد، فيما قدمت الجبهة الثورية المعارضة بمقترح لترتيب المرحلة الانتقالية التي تلي إسقاط نظام البشير). وعليه فإن السودان بلداً وشعباً، نظاماً ومعارضة، لا يحتمل انعطاف النزاعات التقليدية المسلحة على حراك جماهيري عام من المستحيل ضبط انفعالاته. وربما هذا الوعي العام هو ما قد يؤجل الانهيار الكامل، ويسمح باجتراح سبل خلاقة لا تمر بامتحانات دول «الربيع» الأخرى.

صفعة صادمة تلقاها النظام في الخرطوم. والارتجاج أصاب البنيان الداخلي للحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) من خلال خروج التيار الإصلاحي داخل الحزب إلى العلن، على نحو هدد، وما زال يهدد، بانشقاق الحزب (وهو اهتزاز يضاف إلى محاولة الانقلاب الشهيرة التي خططت لها قيادات عسكرية وأمنية محسوبة على «الإنقاذ»). ولئن نفى الدكتور غازي صلاح الدين (الوزير السابق والمستشار السابق للرئيس البشير)، صاحب المذكرة الإصلاحية التي رفعت للبشير، ذهاب سعيه نحو الانشقاق، إلا أنه يحذّر من هذا الاحتمال في حال واصل الحزب التعامل بسلبية (رفض المثول أمام لجنة محاسبة شكلها الحزب) واعتمد مقاربات أمنية لمواجهة حركة الاعتراض الداخلي. من جهته، يسخر المتحدث باسم التيار الإصلاحي فضل الله أحمد عبد الله من ذلك، و يذكّر أن «مذكرة العشرة» (قدمتها قيادات سابقة قبل 14 عام) والتي أزاحت حسن الترابي لم يقدم أصحابها للمحاسبة. على أن مقاربة أخرى تقدمت بها التيارات الإسلامية تعطي الأزمة بعداً يقترب مما يحدث من مصر. فقد حذّر «تحالف القوى الإسلامية والوطنية» (أسسه إسلاميون أخيرا في مواجهة المعارضة) من أن «المشهد السياسي في البلاد بات صراعا بين مشروع علماني جاهز للانقضاض على السلطة ومشروع سلطوي يسفك دم مواطنيه للبقاء في السلطة». ورغم أن البيان يضع نفسه في موقع محايد، بيد أن تفصيلاً آخر منح المقاربة بعداً حقيقيا. فالأنظار مشدودة إلى تلك الزيارة شبه السرية التي قام بها وزير الخارجية القطري خالد العطية إلى الخرطوم. لم تغطّ وسائل الإعلام الرسمي الحدث إلا باقتضاب ممل، عن محادثات حول سبل التعاون السياسي والاقتصادي. لكن المناسبة تعكس قلق الدوحة من احتمال انهيار نظام إخواني آخر، وتراجع حساباتها الإقليمية بعد الحدثين المصري والتونسي، وتقدم خيارات خليجية إقليمية أخرى نقيضة (الخرطوم أغلقت مكاتب قناتي العربية وسكاي نيوز، ووزير الإعلام السوداني اتهم قناة العربية بمحاولة صنع ربيع عربي في السودان).

يجري الحدث السوداني متواكباً مع بلادة دولية صارت تخشى من «الربيع» وكوارثه. المعارضة السودانية لم تقنعها إدانات الإدارة الأميركية، على نحو يشي أن الخارج غير متحمس لدفع الأمور في السودان إلى نهايات غير متوقعة. لكن دروس المنطقة أثبتت أن الوقائع والتحوّلات الراهنة، غالباً ما تكون صنيعة محلية يتم تبنيها بشكل انتهازي من عواصم الخارج. فأي سجال حالي بين المحليّ والخارجي؟


صحافي وكاتب سياسي لبناني

9