السودان: الوعود لا تكفي للخروج من الأزمات الخانقة

الصادق المهدي يعيد إنتاج خطاب العقد الاجتماعي على طريقة الرئيس عمر البشير وجماعة الإخوان.
الجمعة 2018/12/21
المهدي يحصر أصوات المعارضة في شخصه، وهو ما يريده النظام السوداني

أصبح السائد في المنطقة العربية أن الذي يريد الخروج من مأزق خانق أو الذي يروم دغدغة مشاعر المواطنين، يكثف الحديث عن عقد اجتماعي ويعيد إنتاج أفكار سبق اختبارها وفشلت. جاءت آخر تجليات هذا الخطاب في السودان، مساء الأربعاء، عندما وصل الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي إلى الخرطوم، وتحدث أمام مريديه مطالبا بعقد جديد كوسيلة للخلاص الوطني.

يشير كلام المهدي وغيره من قيادات المعارضة الرافضة لأنظمتها الحاكمة، إلى أن هناك عقدا قديما بحاجة إلى إصلاح أو تطوير أو تغيير، ويتجاهل هؤلاء أن جان جاك روسو عندما وضع كتابه الشهير “العقد الاجتماعي” في منتصف القرن الثامن عشر، تضمن الكثير من المفاهيم والأدبيات، التي تضع محددات معينة للمفاهيم التي أرادها، بما يتماشى مع كل حالة، لأن تطبيق العقد يتطلب بيئة بمواصفات معينة.

يبدو أن الصادق المهدي يملك أفكارا سياسية متقدمة على المستوى النظري، مع أنه اختبر في الحكم (مرتين) وقضى جزءا كبيرا من عمره (82 سنة) في صفوف المعارضة، ولم يستطع أن يترك علامة واضحة في السلطة، ولا بصمة مؤثرة في المعارضة التي لا يزال أحد رموزها في الشارع.

استهلك المهدي غالبية سنواته في إعادة إنتاج أفكاره، والدخول في مواءمات سياسية مختلفة، جعلت الأضواء مسلطة عليه طوال الوقت، وحاول تجاوز محاولات عديدة لإضعافه من قبل السلطة، بعضها قبل بها طواعية، وغالبيتها جاءت على مضض.

في الحالتين فقد، هو وأتباعه، شريحة كبيرة من قواعدهم، لذلك لم يعد النظام الحاكم الذي يتلقى منذ فترة تصريحات نارية منه، عابئا بما يقوله، وحوله إلى أحد المهدئات التي يُرضي بها غرور قطاع في الشارع، أو يربك بها تصورات وممارسات المعارضة.

من يعولون على قدرة المهدي على الإمساك بزمام الأمور وقيادة انتفاضة جديدة شبيهة بما حصل في أبريل 1985، لا يدركون حجم التغيرات التي حدثت في الهياكل السودانية

عاد المهدي إلى بلاده واستقبل بصورة رسمية لافتة في مطار الخرطوم، بعد أن وجهت إليه نيابة أمن الدولة، في أبريل الماضي، 10 اتهامات تصل عقوبة بعضها إلى الإعدام، استجابة لشكوى تقدم بها جهاز الأمن، واتهمه فيها بـ”التعامل والتنسيق مع حركات مسلحة متمردة لإسقاط النظام بالقوة”.

تؤكد حفاوة الاستقبال الرسمي وبرودة قوى المعارضة، أن الحكومة بحاجة إلى شخص الآن في الخرطوم، مثل الصادق المهدي، أكثر من حاجته إلى ذلك، فالرجل يميل دائما إلى استخدام الأدوات السلمية، ويعرف التركيبة المجتمعية لبلاده، ويدرك المخاطر التي يحملها التغيير بالعنف والتظاهر، ويملك قاموسا حافلا بالعبارات الطنانة التي تستقطب الناس، من دون حضهم مباشرة على الاحتجاج والخروج إلى الشارع وإسقاط النظام عنوة.

أدت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد إلى وضع النظام السوداني في اختبار قاس، فهو يمضي في زيادة أسعار عدد كبير من السلع الأساسية، مثل المحروقات والكهرباء، وقطاع كبير من المواطنين يضجر منها، ولا تعرف الحكومة وسيلة لإخماد المظاهرات التي بدأت تتزايد معالمها، ولن تكون قاصرة على مدينة عطبرة، التي فرضت عليها حالة الطوارئ مؤخرا، ومرشحة لأن تنتقل إلى مدن أخرى، وسط غضب عارم من تصرفات النظام.

أخفقت الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها الحكومة في إطفاء الغليان في الشارع، ولم تفض التحركات الأمنية التي اتخذت إلى تأمين الحكم وإنهاء الصراعات الخفية بين عدد من الأجهزة الأمنية، كما أن التغييرات السياسية التي جرت في حقائب الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، لم تكن كافية لطمأنة المواطنين على أن استمرار الرئيس عمر البشير خيار صائب.

لم تعد التوترات في الشارع السوداني ترتبط طرديا بالأسعار، بل أصبح ترمومتر الأحداث على صلة بما يجري في أروقة السلطة ذاتها، من خلافات بين بعض المسؤولين والراغبين في الهيمنة الشخصية، وتوجهات متسارعة نحو تعديل الدستور لضمان بقاء الرئيس البشير لفترة رئاسية جديدة في الانتخابات المتوقعة عام 2020.

تنطوي عودة الصادق المهدي في هذه الأجواء، على محاولة النظام السوداني قطع الطريق على رفاقه أو من تسول لهم أنفسهم التحرك للقبض على زمام السلطة، وإرغامه على التنحي، كمدخل لوقف الحرائق التي تشتعل في البلاد، عبر التلميح إلى أن الصادق المهدي يتربص بالجميع، باعتباره الشخصية الأكثر حضورا.

البشير يراهن على ضعف المعارضة وليس على قوة مؤسساته وصلابة توجهاته
البشير يراهن على ضعف المعارضة وليس على قوة مؤسساته وصلابة توجهاته

كما أن الرئيس عمر البشير يريد المزيد من التوظيف السياسي للتناقضات التي تختمر داخل المعارضة، ومكنته طوال السنوات الماضية من الصمود، ومواجهة عواصف لا تقل حدة عما هو موجود الآن.

يراهن البشير على ضعف المعارضة، وليس على قوة مؤسساته وصلابة توجهاته، وعزف عن التفاوض في مسألة النقل التدريجي للسلطة، وبالتالي فخطاب المهدي عن العقد الاجتماعي، أو تقديم مذكرة إلى رئيس الجمهورية، أو المطالبة بحكومة انتقالية، كل ذلك حمل قراءة متعسفة لواقع سوداني معقد، لا يستطيع مقاومة إغراءات انتفاضة كبيرة حاليا، في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية والجهوية.

من يعولون على قدرة المهدي على الإمساك بزمام الأمور وقيادة انتفاضة جديدة شبيهة بما حصل في أبريل 1985، لا يدركون حجم التغيرات التي حدثت في الهياكل السودانية، ولا الجهات التي حركت هذه الانتفاضة أو غيرها (انتفاضة أكتوبر 1964).

توافرت في النموذجين مقومات محلية، جعلت المهدي نفسه فاعلا فيهما، لكن في النهاية جرفته التطورات بعيدا عن السلطة، والتصريح -أو التلميح- بإمكانية تكرار النموذج مرة ثالثة فيه قدر من المبالغة، فعلى مدار قيادة المهدي للمعارضة، بمسمياتها المختلفة، بدءا من “التجمع الوطني الديمقراطي للمعارضة” حتى “نداء السودان” (بعد تركه السلطة عام 1989) لم ينجح في التأثير على جسد النظام السوداني، وتحول أحيانا إلى وسيط أو عرّاب، ما أفقده جانبا من بريقه السياسي، فقد استخدمه النظام على طريقته ليقلّص أجنحته.

يؤدي العزف على وتر العقد الاجتماعي في طبعته الجديدة، إلى تسويف وترحيل آخر للأزمات التي يعاني منها السودان، وربما يمد حبل إنقاذ خفي للحركة الإسلامية، التي تتعرض لمشكلات متفاقمة.

يصبّ خطاب المهدي الخيالي، من حيث يدري أو لا يدري، في خانة التفكير التي يتبناها التيار الإسلامي بأطيافه المختلفة، والذي يدمن القفز على المشكلات، ومحاولة ترحيلها من خلال ترديد مصطلحات ضخمة من هذا النوع، لأن أفكاره تحتاج إلى مجتمع منسجم، أنهى أزماته وحسم مسألة الهوية والاندماج والمشاركة فعلا، بينما الواقع السوداني يعاني من كل هذه الأمراض.

التوترات في الشارع السوداني ترمومتر الأحداث على صلة بما يجري في أروقة السلطة
التوترات في الشارع السوداني ترمومتر الأحداث على صلة بما يجري في أروقة السلطة

يصطدم التفاؤل القائم على فكرة الحل قادم لا ريب فيه، ويبشر بها المهدي دوما، ويتبعها البشير في غالبية خطاباته، بواقع قاتم يئن من الأزمات، لا تكفي معه الشعارات الفضفاضة، فالمشكلة ليست في الشخصية التي تقود الحكم ولا المكونات السياسية التي يضمها، لأن النظام السوداني يحرص في كل مرة يعلن فيها حكومة وطنية، على إعلانه عن التوصل إلى تفاهمات مع قوى أخرى، ويدرج أسماء توحي بالمعارضة، بينها عبدالرحمن الصادق المهدي الذي يعمل مساعدا لرئيس الجمهورية، فهل يتقبل الناس أن يكون المهدي الأب في مواجهة الابن؟

لا يقلق النظام السوداني من المعارضة المفككة في الداخل أو الخارج، لكنه يستشعر الحرج أمام تحالف مثل “نداء السودان” يقوده الصادق المهدي، ويضم قوى أبرزها حزب “الأمة القومي”، وحزب “المؤتمر السوداني”، و”الحركة الشعبية/ شمال”، و”حركة تحرير السودان”، “العدل والمساواة” ومبادرة “المجتمع المدني”.

يؤدي الخطاب الذي يحمله المهدي على عاتقه إلى تفريغ “نداء السودان” من مضامينه الجماعية، ويحصر المعارضة في شخصه، وهو ما يريده النظام السوداني، الذي يجد ملاذا للصمود في تفسخ معارضيه، وليس في قدرته على مواجهة وحل الأزمات المتراكمة، ما يجعله يتمادى في تصرفاته الغامضة، ويصمت على توفير الفرص اللازمة للحل، أو يهرب منها إلى الانخراط في أزمات إقليمية، للإيحاء بالمساهمة في تسويتها (جنوب السودان)، أو إثارة ضجيج عبر خطوات فجئية (زيارة سوريا).

يتصور النظام السوداني أن هذه النوعية من التحركات، مهما بلغت حصيلتها والتباساتها، كافية للخروج من المأزق الحالي، الذي يتطلب ما هو أكبر من إعادة إنتاج أفكار قديمة، ويستلزم مواجهة صريحة مع النفس وقدرة فائقة على المعالجة الحقيقية والتخلي عن استخدام المسكنات السياسية.

7