السودان.. ثقافة المقاومة لأجل الحرية

المثقفون السودانيون لم يقودوا الحراك الاجتماعي لكنهم جزء فاعل فيه، فقد ساهموا في نشر الوعي الثوري والإنساني الذي صاحب هموم الناس وتطلعاتهم إلى المستقبل الآتي.
الأحد 2019/04/21
الروائي مهند الدابي مع الكاتب حسام بشير

حضر المشهد الثقافي السوداني داخل الثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس عمر البشير وأركان نظامه، حضر مثقفوه في الداخل والخارج سواء داخل الحراك المجتمعي الثائر واعتصاماته، أو على صفحات الجرائد والمجلات ومواقع التواصل الاجتماعي على اختلافها، هؤلاء المثقفون الذين عانوا الأمرين سجنا ونفيا وتشريدا ومصادرة على مدار سنوات طويلة من مواجهة نظام فاشي بصبغة دينية إسلاموية، من خلال أعمالهم الابداعية شعرا وقصا ورواية وفنا تشكيليا ومقالات. في هذا التحقيق نتعرف على السبل التي سلكوها لخدمة مستقبل وطنهم السودان، وفي هذا السياق يتبادر إلى الذهن فورا السؤال عما إذا كان يمكن للحراك السوداني أن ينجح في إنجاز ما أنجزه وصولا إلى إسقاط دكتاتورية البشير، من دون أدوار المثقفين.

الروائي منصور الصويم أكد بداية أن دور كتاب ومثقفي السودان في المقاومة لم يكن وليد هذه اللحظة التاريخية الفارقة من عمر الدولة السودانية، وإنما كان دورا نضاليا تراكميا مستمرا لثلاثين عاما هي عمر هذا النظام البائد؛ دور مستمد من قيم الوعي والإيمان بالإنسان وأحقيته في حياة كريمة، ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة إذا ما توقفنا عند العدد المهول من المثقفين والكتاب السودانيين الذين نفيوا وتشردوا جراء السياسات الغاشمة للنظام المخلوع.

وقد لعب هؤلاء بشكل خاص ودقيق جدا دورا محوريا في هذه الثورة العظيمة التي أطاحت بالبشير وهي في سبيلها إلى الإطاحة بأذيال نظامه والتي ما فتئت تحاول سرقة جهد الثوار وتزييف مكتسبات الثورة، فقد كان للمثقفين والكتاب المهجريين – إضافة إلى الموجودين بالداخل – الدور الأكبر في تحريك وتفعيل الوعي الشبابي الجمعي؛ وللوسائط الحديثة ومواقع التواصل الإشراق الأكبر في وصل هؤلاء المثقفين والكتاب بالجيل الشاب الثائر والمصادم. وفي اعتقادي الشخصي أن الشعار المشرق لهذه الثورة المبني على “السلمية”، لم يكن ليتحقق لو لم يلعب هؤلاء الكتاب والمثقفون دورا تصبيريا حقيقيا روض الغضب الثوري المنفلت بجرعات الوعي المطلوبة.

هذا بشكل عام أما على الأرض وبين الثوار، فالمثفون والكتاب موجودون ممثلين عن كياناتهم النقابية التي أعلنت منذ البدء انضمامها إلى “تجمع المهنيين السودانيين” المحرك الفعلي لهذه الثورة العظيمة. ومعروف أن سجون ومعتقلات البشير استقبلت المئات من الكتاب والمثففين ضمن الألوف من السودانيين الثوار الذين حاولت قمعهم وتحييدهم، وربما ستدهش إن علمت أن آخر أيام النظام البائد شهدت ابتكارا أمنيا قمعيا فريدا أُطلق عليه “الأمن الثقافي”، وهو فرعية أمنية قصد منها إرهاب وقمع المثقف السوداني بشكل خاص. إذن، يا صديقي، لم يكن المثقفون السودانيون خارج الحراك، بل كانوا في قلبه، ثائرين بين الثوار لأنهم جزء منهم لا ينفصل أو ينقطع أبدا.

بدوره، أكد الشاعر والكاتب محمد نجيب محمد علي أن “خلف كل ثورة تقوم فى أي بقعة من العالم يوجد إبداع وثقافة يمهدان لها الإشتعال، إذ أن الثورة فى ذاتها هى حالة ثقافية وإبداعية، وثورة السودان التي انطلقت في أغسطس من العام الماضي ولا تزال ترسم خارطتها الكاملة سبقتها محاولات كثيرة. بدأت بعد فترة ليست طويلة من الانقلاب الذي حدث في عام 1989، وإذا ما حاولنا أن نرصد الدور الذي قام به المبدعون طيلة تلك الفترات التي سبقت اكتمال جنينها نجد أن أغلبهم دفعوا مهرا غاليا بين السجون والمنافي، ومن أشهر الشعراء الذين عانوا الكثير من عذابات السجون جراء قصائدهم وأغنياتهم التي لعبت ولا تزال دورا في إشعال الثورة والتبشير والتنوير بها هو الشاعر محجوب محمد شريف الذي رحل عن عالمنا قبل سنوات قليلة جراء معاناته في السجون لفترات تجاوزت الـ13 عاما. كانت نتيجتها إصابته بداء في الرئتين لم يمنعه من أن يكتب آخر قصيدة له قبل ساعات من رحيله في المستشفى يقول فيها:

أقول دون رهبة

أقول دون زيف

أموت لا أخاف

أين أو متى وكيف

بغتة مستمتعا بأنجم السماء ليل صيف

رصاصة في القلب

أو طعنة من سيف

أموت لا أخاف

أين أو متى وكيف

الروائي محمد الطيب في الاعتصام
الروائي محمد الطيب في الاعتصام

ويختم القصيدة بقوله:

أموت لا أخاف

كيفما يشاء لي مصيري

أموت لا أخاف

قدر ما أخاف

أن يموت لحظة ضميري

من أين أتى هؤلاء؟

وأضاف الكاتب، “غير محجوب هناك الكثير من الشعراء الذين ذاقوا ويلات السجن بل بينهم من اختفوا عن الحياة، ولا يعرف لهم حتى اليوم أثر مثل الشاعر أبوذر الغفاري والذي كتب الكثير من قصائد النضال والثورة، وبجانب الشعراء هنالك الروائيون والكتاب والمثقفون ولعل أشهرهم الطيب صالح صاحب موسم الهجرة للشمال والذي تساءل يوما بقولة مشهورة “من أين أتى هؤلاء” وأيضا نجد الكثير من كتابات الأجيال المتعاقبة مثل كتابات الشاعر والمسرحي الراحل محمد محي الدين وكتابات فضيلي جماع ومحمد المكي إبراهيم وعالم عباس وحافظ محمد نور وعماد البليك وحمور زيادة صاحب رواية شوق الدرويش الفائزة بجائزة نجيب محفوظ والكاتبة الروائية سارة عبدالمنعم صاحبة رواية الملكة وصبي الأفيون وبجانبهم شعراء العامية الذين فعلوا الكثير في تنوير الشعب وتحريضه على الثورة أمثال الراحل محمد الحسن حميد والشاعر محمد طه القدال وأزهري محمد علي وغيرهم كثيرون يصعب دون شك ذكرهم كلهم في إجابة مختصرة.

ولفت إلى أن لأدباء وكتاب وشعراء السودان أدوارا كبيرة في نشر الوعي الثوري والإنساني والذي صاحب هموم الناس وتطلعاتهم إلى المستقبل الآتي، ونتيجة كل ذلك الثورة التي تحدث الآن لترسم خارطة سودان الأعماق بعيدا عن الهيمنة السياسية التي عذبت الناس وعانوا منها ماعانوا في شتى زوايا الحياة..

وكانت أجمل قصائدها الشهداء الذين دفعوا أرواحهم مهرا لها ومحبة للسودان الوطن. ودون شك سيأتي الوقت الذي يكتب فيه عن دور الكتاب وإبداعاتهم في تحقيق الثورة والأدوار التي لعبوها. وأعود وأقول خلف كل ثورة إبداع وثقافة وكتاب يضيئون لها الطريق ويمهدون لها فجرها.

الكلمة في مواجهة الطغيان

الشاعر عادل سعد والقاص الهادي علي
الشاعر عادل سعد والقاص الهادي علي 

وقالت الروائية والباحثة آن الصافي “القنوات المتاحة هي التي تمثلت في شبكة الإعلام الجديد بينما العالم صمت على ما دار منذ أول يوم للثورة، ولكن الشعب السوداني بجميع طوائفه قال كلمته ضد الطغيان والظلم والفساد الذي تمثل في تيار شرذمة مثلها الحزب الحاكم وعلى رأسه عمر البشير وزبانيته. بعض القنوات العربية والعالمية كانت تتناول الأحداث على استحياء من حين إلى آخر، ودائما هناك تقليل من شأن ما يدور، مثل ذكر أرقام الثوار المعتصمين بالمئات وهم فاقوا الملايين! وذكر أنها مجرد تظاهرات وليست ثورة لحاجة في نفسهم لم تهمنا بالتأكيد.

آن الصافي: القنوات المتاحة هي التي تمثلت في شبكة الإعلام الجديد بينما العالم صمت على ما دار منذ أول يوم للثورة
آن الصافي: القنوات المتاحة هي التي تمثلت في شبكة الإعلام الجديد بينما العالم صمت على ما دار منذ أول يوم للثورة

إن تجمع المهنيين مثل رأي الشعب السوداني، منحناه كامل الثقة. وكل ما أشاروا لنا به عبر حساباتهم بتطبيقات التواصل الاجتماعي تبنيناه كل منا حسب طاقته. مهم جدا أن تقال كلمة الحق وبث الروح الثورية من قبل من يمتهنون الكتابة ويهتمون بالشأن الثقافي. هذه ثورة مجتمع يحترم الفكر النير والعلم والإنسانية في سموها هي طابع حياة ما عرفنا غيرها، حتى ظهر هذا الحزب الباغي. والعمل على دحره كان فعل العديد منا عبر العقود الثلاثة الماضية، ولكن بجرعات وآليات متنوعة، أشعرتنا بقيمة اتفاقنا على الهدف الواحد. كل صوت سوداني أبي أسهم في تحقيق هذه الثورة ومن ضمنهم الكتاب والمثقفون الشرفاء".

المثقفون فاعلون

ولفت الشاعر والروائي عادل سعد يوسف إلى أن إدوارد شيلز رأى أن المثقفين أولئك الأشخاص الذين يوظفون معاملاتهم وعباراتهم رموزا عامة ومرجعيات مجرَّدة متعلقة بالإنسان والطبيعة والكون بكثافة أكثر من أفراد المجتمع الآخرين.

وقال “إذا استندنا إلي هذا التعريف مقروءا بتاريخ السودان الحديث فقد ظل المثقف يلعب دورا بارزا في كل الحراك الوطني، دون أن يتخلف عن إنتاج فعله الثوري عبر الممارسة التنظيرية أو الإبداعية، ومن هنا يكتسب المثقف والكاتب السوداني ميزة ذات خصوصية منذ مؤتمر الخريجين إلى هذه اللحظة، بغض النظر عن رأينا الخاص في ما آلت إليه الأمور بعد ذلك، إلا أن هذا الدور يمكن أن يخبو أو يتوهج تبعا للفضاء السياسي الضاغط، أعني في الفترات التي سيطرت الدكتاتوريات على الحكم في السودان. لكن يظل المثقف السوداني فاعلا وملتزما بقضايا شعبه وطموحاته. لذلك ظل المثقفون والمبدعون طيلة السنوات الثلاثين الماضية يتحركون جنبا إلى جنب مع الكيانات المجتمعية الأخرى رغم التهميش والإقصاء والبطش الذي طالهم. وهم باقون حتى يتم تحقيق الثورة بمفهومها الكلي والقضاء على نظام البشير وتصفية جيوبه الإسلاموية”.

وخلص عادل سعد إلى أن المثقف والمبدع يدركان التشكلات المرتبطة بالواقع وأيضا المتغيرات ويمتلكان درجة من “الوعي الخلاق” بحسب تعبير الجابري، يعبران من خلاله عن مجموع هذه التشكلات. ويصبح قادرا، أي المبدع، على خدمة الثورة، نعلم أن هناك مبدعين ليست لهم علاقة بالسياسة أعني غير مرتبطين أو متجذرين في أيديولوجيا حزبية، لكنهم عبّروا عن قضايا الإنسان من خلال متونهم الإبداعية، وهذا لا ينتقص من دورهم أبدا. كما في المقابل مثقفون وكتاب وقفوا ضد إرادة شعوبهم في الحرية والكرامة الإنسانية، وهذا يشكل استثناء وليس قاعدة، لقد استدرجتهم السلطة إلى فخاخها وأصبحوا أحد أبواقها الترويجية. وعلى الرغم من خطابات ما بعد الحداثة ومنزلقاتها التعريفية والمرجعية يظل دور المثقف العربي مرتبطا بمدى المسافة المتصلة والناقدة في آن لمشروعات السلطة وخطاباتها التي تعمل على فرض هيمنتها على الشعوب.

ترجمة التراكم

وأكد الروائي محمد الطيب أن ما حدث ويحدث الآن في الشارع السوداني يشكل ترجمة لتراكمات وعي اشتغل عليها المثقف السوداني منذ أول اصطدام فعلي له بالوجه الحقيقي للحكومة السابقة في بداياتها في تسعينات القرن الماضي، التسعينات الحالكة، في ذلك الوقت وعى مهندس الحركة الإسلامية ومنظهرها حسن الترابي أن عقبته الكؤود التي تحول بينه وبين السيطرة على السودانيين تتمثل في وجود المثقف الواعي، فقام بمحاربة الكتاب والمثقفين والفنانين والتشكيليين والمسرحيين، سجن منهم من سجن، وشرد البقية، بينما ظل قليلون ممسكين بالجمر.

ثقافة مقاومة

الشعب السوداني مصر على مواصلة مسيرة الوعي استشرافا لمستقبله
الشعب السوداني مصرّ على مواصلة مسيرة الوعي استشرافا لمستقبله

الكاتبة سارة حمزة الجاك قالت “قاومنا العنصرية بالكتابة عن دارفور والنيل الأزرق، وحافظنا على رباطنا الاجتماعي بالكتابة، وأزلنا الفوارق الطبقية المتعمدة بالكتابة. وثقنا وحافظنا على موروثاتنا العريقة بأقلامنا فوصلنا إلى ما نصبو إليه، وسنواصل مسيرة الوعي استشرافا لمستقبل يستحقه الشعب السوداني وهو دورونا الطبيعي. لقد تشربنا معاني حروفنا من إرثنا الثقافي، صلاح أحمد إبراهيم، محجوب شريف، محمد الحسن، سالم حميد، الطيب صالح، ملكة الدار محمد، وكل شيء سجل اسمه بحروف من نور في مسيرة الوعي السودانية”.

وشدد الروائي مهند الدابي على أن هذه الثورة ثورة الوعي السوداني، والمثقفين السودانيين الذين جاهدوا وصبروا من أجل هذا اليوم، وقدموا رغم ضيق اليد والحيلة كامل التوعية اللازمة لإزاحة دولة الدكتاتورية واستبدالها بالمدنية، سلاحنا كان السلميّة المطلقة والقلم والمحبة وقبلها الوطنية، لقد عانى السودانيون عقودا طويلة من الظلم وإهدار موارد البلاد البشرية والطبيعية والثروات وفي وجه كل ذلك كان يقف صاحفي شريف أو مغن صادق أو شاعر يحمل من الهموم عتيّا أو روائي محتقن بدماء الغضب، إن ما نراه الآن هو ثمرة عمل تراكمي طويل حيث حمل المثقفون السودانيون بمختلف مفاهيمهم مشعل العمل السياسي، وقد يرى البعض أن تلك المطالب عصيّة المنال بعيدة الاحتمال، لكن المثقف السوداني نجح في أن يحدث التغيير في الدوائر الضيّقة التي تتسع يوما بعد يوم، وقد جاهد زملائي الكتّاب والمثقفون في كشف حيل وألاعيب حكومة البشير الفاسدة وكتب البعض روايات مضمونها كشف الإسلام السياسي وقد واجه العديد منا ويلات الاعتقال والإبعاد وهذا ما زاد من إصرارنا على أن نعمل على رفع السقف المعرفي وتطوير الحس الحقوقي لدى جماهير الشعب السوداني التي لبّت نداء تجمع المهنيين بكل تصالح وهي تعرف جيدا أن النصر سيكون حليفا لا مهرب منه.

وقال “دائما كان المثقف السوداني داخل أو خارج البلاد يمارس دوره الوطني الغيور بعيدا عن المكاسب السياسية وغيرها وقد ناضل الكثيرون من النخبة الثقافية السودانية لأجل تغيير البلاد وإعادتها إلى الحكم المدني. للشاعر السوداني محجوب شريف قصيدة مشهورة تقول في جزء منها ‘وحياة الشعب السوداني في وجه المدفع تلقاني وأنا بهتف تحت السكين، الثورة طريقي وأيامي، معدودة وتحيا الحرية، الشعب حبيبي وشرياني’، وقد كان الغناء السوداني مليئا بالحس الثوري خفيا كان أم واضحا كما ذلك الفن القصصي والكاريكاتير ومختلف الفنون، وكان ذلك البداية الأمثل لتوحيد حلم الشعب بالخلاص والاستقرار. وأخيرا فإن المثقف السوداني تمرد وراهن على كل شيء لأجل هذا اليوم الذي منتظر أن تكتمل فرحته بقيام الدولة المدنية”.

وختم الكاتب معتصم الشاعر بأن الاحتجاجات بدأت شعبية خالصة، لم يكن للمثقفين ككتلة دور ريادي، كانوا ضمن الهبة الشعبية، داعمين بأقلامهم ووقفاتهم. الدور القيادي كان لتجمع المهنيين.

ثورة الوعي السوداني
ثورة الوعي السوداني

12