السودان حائر بين مواجهة التضخم وحماية النمو الهش

الفقراء يتجرعون مرارة الإصلاحات الاقتصادية القاسية.
الأربعاء 2021/06/16
معدّل التضخم في ارتفاع

تتفاقم محنة صنّاع السياسات المالية السودانية بين مواجهة ارتفاع التضخم ولهيب الأسعار وبين حماية النمو الاقتصادي الهش، في ظل تباين الآراء حول نجاح برنامج الإصلاحات القاسية، والتي سيكون الفقراء أول من يدفع الثمن الباهظ لها.

الخرطوم – تجد الحكومة الانتقالية السودانية نفسها في موقف محرج من أجل المضي قدما في برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي وكبار المانحين الدولي بسبب المؤشرات السلبية التي ما انفكت تدخل إلى المنطقة الحمراء.

وآخر هذه المتاعب، التي تسبب صداعا لبنك السودان المركزي في طريق حماية الاقتصاد المشلول، هي استمرار معدل التضخم في الارتفاع حيث زاد بمقدار 15.65 نقطة مئوية إلى 378.79 في المئة في مايو الماضي، من 363.14 في المئة في أبريل الماضي.

وعزا الجهاز المركزي للإحصاء الحكومي هذا الارتفاع لزيادة في التضخم بمجموعة الأغذية والمشروبات والوقود، الذي ارتفع إلى 597.87 في المئة في مايو، على أساس سنوي، من 526.88 في المئة لشهر أبريل الماضي.

وكانت الحكومة الانتقالية قد أعلنت الأسبوع الماضي رفع الدعم عن الوقود نهائيا؛ لتقفز أسعار المحروقات بنسبة تزيد عن 100 في المئة، في تحرك وصفه خبراء بأنه قاس وأن الفقراء هم الوحيدون من سيتجرع مرارة الإصلاحات الاقتصادية.

وتزايدت الضغوط على الحكومة السودانية من أجل الإسراع في انتهاج سياسات اقتصادية جديدة للحد من تراجع قيمة العملة المحلية ومحاصرة التضخم وتحقيق معدلات نمو مستقرة.

وتباينت آراء المختصين والمواطنين بشأن الإجراءات الاقتصادية التي أعلنتها وزارة المالية ووزارة الطاقة فمنهم من رأى في نهاية النفق بصيصا ومنهم من عبر عن استيائه، لكن معظمهم يتفق معها.

واعتبر الأمين العام للجهاز القومي لحماية المستهلك نصرالدين صالح أن السياسات الاقتصادية التي أعلنت عنها الحكومة مؤخرا والممثلة في رفع الدعم عن الوقود كانت أمرا حتميا.

ونسبت وكالة الأنباء السودانية الرسمية إلى صالح قوله إن تلك الخطوة جاءت “لأن ظروف البلاد دعت لذلك وهو المخرج السليم لتعافي الاقتصاد”.

كمال كرار: الغلاء سيزيد من معاناة الناس وستتآكل الأجور والمعاشات

ومع ذلك، طالب صالح السلطات بالإسراع في تنفيذ السياسات التي تخفف من عبء هذه الإجراءات من على كاهل المواطنين، والتي سينجم عنها ارتفاع في بعض السلع بسبب تكاليف النقل اللوجستي.

ويتفق الخبير الاقتصادي كمال كرار مع رأي الأمين العام للجهاز القومي لحماية المستهلك، ويتوقع أن تطلق الخطوة الأخيرة موجة جديدة من التضخم. وقال إن “الغلاء سيزيد من معاناة الناس وبالتالي تتآكل الأجور والمعاشات”.

وأشار كرار إلى أن الزيادة تؤثر سلبا علي القطاعات الإنتاجية بزيادة تكاليف الإنتاج وتوقع بالتالي أن تؤدي إلى هزيمة فكرة تعظيم الصادرات.

وتستهدف الحكومة السودانية في موازنة 2021 معدل تضخم بحدود 95 في المئة وتحقيق نسبة نمو 1.7 في المئة بنهاية العام الجاري، لكن بالنظر إلى الوضع الحالي فإنه من المستبعد أن تحقق ذلك الهدف.

وفي فبراير الماضي، عومت الحكومة جزئيا العملة المحلية ما أدى إلى ارتفاع سعر الدولار لأكثر من 375 جنيها من 55 جنيها السعر الرسمي قبل التعويم، في مسعى لجسر الفجوة بين السعر الرسمي وأسعار السوق الموازية.

وتبع التعويم زيادة سعر الدولار الجمركي الذي يبيعه البنك المركزي للتجار بغرض استيراد السلع في مارس الماضي، من 15 جنيها للدولار إلى 28 جنيها، الأمر الذي أشعل شرارة موجة جديدة من التضخم.

وتعويم العملة، إضافة إلى رفع الدعم عن السلع، مطلبان أساسيان لصندوق النقد الدولي؛ لدعم برنامج إصلاح اقتصادي تنفذه الحكومة السودانية.

ويشهد السودان تطورات متسارعة ومتشابكة، ضمن أزمة الحكم، منذ أن عزلت قيادة الجيش عمر البشير من الرئاسة في 11 أبريل 2019، تحت وطأة احتجاجات شعبية بدأت أواخر 2018، تنديدا بتردي الأوضاع الاقتصادية.

ويعاني السودان من أزمات متجددة في الخبز والطحين والوقود وغاز الطهي، نتيجة ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في الأسواق الموازية إلى أرقام قياسية مقابل الجنيه.

ووضعت الحكومة الانتقالية السودانية برنامجا محليا للإصلاحات يهدف إلى استقرار الاقتصاد، وإزالة التشوهات، وتحسين القدرة التنافسية، وتعزيز الحوكمة، يحقق في النهاية الحصول على تأشيرة تخفيف عبء الديون.

وتقضي خطة الإصلاح بإلغاء دعم الوقود الكبير لإفساح المجال للمزيد من الإنفاق الاجتماعي، بما في ذلك برنامج دعم الأسرة في السودان والإنفاق الصحي، كما سيتم توسيع القاعدة الضريبية من خلال ترشيد الإعفاءات الضريبية.

كما تعتزم السلطات اتخاذ تدابير تجاه سعر صرف موحد وإرساء إجراءات مقاصة في السوق في مقابل الحصول على التمويل الكافي من المانحين لدعم السكان من خلال الانتقال الصعب إلى اقتصاد قائم على السوق يعمل بشكل جيد.

وكانت الحكومة قد شرعت في تطبيق برنامج دعم للأسر الفقيرة، أي نحو 32 مليون سوداني من جملة سكان البلاد البالغ عددهم 44 مليونا تقريبا، يهدف إلى تقديم الأموال نقدا للفقراء بغية تخفيف آثار الإجراءات الاقتصادية القاسية.

وسيستمر البرنامج بالاتفاق مع صندوق النقد لمدة عام تقريبا، وإذا أثبتت العملية نجاحها فإن الخرطوم يمكنها الحصول على المزيد من القروض والتمويلات من المؤسسات المالية الدولية حتى تواصل تطبيق البرنامج على مراحل.

10