السودان في الطريق إلى حكومة تكنوقراط

في مسعى لطمأنة الشارع السوداني، وتهدئة الوضع، أعلن الفريق أول محمد حمدان دقلو عن توجه لتشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية، بأقصى سرعة إلى حين إجراء انتخابات.
الأربعاء 2019/06/19
هل تنجح الفكرة في تهدئة الشارع

الخرطوم- منه زكي- يروي أكرم، أحد المتظاهرين الذين نجوا من عملية فض الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش السوداني في الخرطوم، صباح الثالث من يونيو، مشاهداته، فيقول “بدأ الجميع بالجري للنجاة بأرواحهم”، بعد أن وصل في ساعات الفجر الأولى مسلحون في شاحنات صغيرة وبدأوا يضربون المحتجين في الموقع.

وبدأ المحتجون اعتصامهم في السادس من أبريل مطالبين الجيش بعزل الرئيس الأسبق عمر حسن البشير قبل أن يستمروا أسابيع في الضغط على المجلس العسكري الذي عزل البشير، لتسليم السلطة إلى حكومة مدنية. ويحتاج المجلس العسكري في هذه الفترة إلى طمأنة السودانيين بأن مثل هذا الهجوم لن يتكرر وأن لا حياد عن طريق التغيير، وأن  طرحه لفكرة حكومة تكنوقراط يأتي في سياق ضمان الانتقال الديمقراطي.

ويروي أكرم، الذي رفض الكشف عن اسمه الكامل، مشاهد فظيعة بقوله إن بعض المهاجمين كانوا يرتدون ملابس الشرطة والبعض الآخر يمثل “قوات الدعم السريع” التي يقودها نائب رئيس المجلس العسكري الفريق أول محمد حمدان دقلو.

ويتحدث الشاب البالغ من العمر 25 عاما، وهو محاط بأصدقائه، “هاجمونا أولا بالهراوات والعصي”. ويتابع أن المهاجمين جاءوا من عدة جهات وكان من الصعب تقدير عددهم. ويذكر أن “المتظاهرين تمكنوا من صد هذه القوة قبل أن تحتل موقع الاعتصام بأعداد كبيرة. وبدأ المهاجمون الذين كانوا يرتدون لباس قوات الدعم السريع بإطلاق النار على المتظاهرين المتمركزين وراء المتاريس التي أقاموها”.

تحالف قوى الحرية والتغيير المنظم للاحتجاجات في السودان دعا أنصاره إلى المشاركة في تظاهرات ليلية جديدة في أرجاء البلاد

ويعرض على صحافية فيديوهات صورها بهاتفه المحمول. وتتضمن مشاهد لرجال ونساء تغطيهم الدماء وهم يركضون في كل الاتجاهات وصوت إطلاق نار. ويتابع قائلا إن المحتجين الذين حاولوا المقاومة بإلقاء الحجارة على المهاجمين رددوا “الدم بالدم. لن نقبل بتعويضات”.

ويضيف وهو لا يزال تحت وقع الصدمة “نزف الضحايا بغزارة من الأيدي والأرجل والأمعاء” قبل نقلهم إلى المستشفيات الميدانية التي نصبت في موقع الاعتصام. ويقول إنه نجا بأعجوبة، “أربع مرات أصيب شخص كان خلفي بالرصاص”. ويتابع أن الذين كانوا يصورون ما يحصل بهواتفهم استهدفوا أولا. ويروي أكرم “عندما هربت من الموقع شعرت بالإرهاق والإحباط. لقد انتهى اعتصامنا”.

ونفى الفريق أول شمس الدين كباشي هذه الاتهامات التي وصفها بأنها “أكاذيب”. لكنه أعرب عن “أسفه” لارتكاب “انحرافات” أثناء فض الاعتصام في 3 يونيو. وأكد أنه لم يصدر أوامر بالقمع وأن هدف العملية كان مختلفا تماما وهو طرد “المجرمين” من قطاع يسمى كولومبيا حيث كان يتم بيع وتعاطي المخدرات قرب موقع الاعتصام.

وتوعّد نائب رئيس المجلس العسكري في السودان الفريق أول محمد حمدان دقلو “بإعدام” الذين قاموا بتفريق اعتصام الحركة الاحتجاجية بشكل وحشي ما أدى إلى مقتل العشرات وأثار حملة تنديد دولية.

ويقود دقلو المعروف باسم “حميدتي” “قوات الدعم السريع” التي يتهمها قادة الاحتجاجات ومنظمات غير حكومية بأنها هي التي فضت الاعتصام وبارتكاب أعمال قمع دامية. وقال دقلو في خطاب بثّه التلفزيون الرسمي “نحن نعمل جاهدين لإيصال الذين قاموا بذلك إلى حبل المشنقة” مشيرا إلى كل شخص “ارتكب أي خطأ أو أي تجاوز″.

وأكد المتحدث باسم اللجنة العسكرية المكلفة بالتحقيق في عملية قمع المتظاهرين العميد الحقوقي عبدالرحيم بدرالدين عبدالرحيم، للتلفزيون الرسمي، أن تقريره لم يُنجز بعد، لكنّه كشف بعض ما توصّلت إليه التحقيقات.

دقلو المعروف باسم "حميدتي" قوات الدعم السريع التي يتهمها قادة الاحتجاجات ومنظمات غير حكومية بأنها هي التي فضت الاعتصام وبارتكاب أعمال قمع دامية
دقلو المعروف باسم "حميدتي" قوات الدعم السريع التي يتهمها قادة الاحتجاجات ومنظمات غير حكومية بأنها هي التي فضت الاعتصام وبارتكاب أعمال قمع دامية

وقال إن اللجنة توصّلت إلى “ضلوع عدد من الضباط برتب مختلفة (…) ودخولهم لميدان الاعتصام من دون تعليمات من الجهات المختصة”. وأضاف أنهم لم يكونوا ضمن القوات التي “كان يفترض أن تنفذ عملية كولومبيا”.

ولا يخفي المتظاهرون غضبهم حيال المجلس العسكري. ويقول متظاهر آخر يدعى مصعب (27 عاما) قتل أحد أصدقائه خلال فض الاعتصام، “لا يمكننا الوثوق بالمجلس العسكري”.

ودعا تحالف قوى الحرية والتغيير المنظم للاحتجاجات في السودان أنصاره إلى المشاركة في تظاهرات ليلية جديدة في أرجاء البلاد. ويقول مصطفى إنه بعد عزل البشير “كنا نظن أن حقبة التضحيات قد ولت. لكن لا يزال هناك عمل نقوم به ونحن مستعدون لذلك”.

وفي مسعى لطمأنة الشارع السوداني، وتهدئة الوضع، أعلن حميدتي، الثلاثاء، عن توجه لتشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية، بأقصى سرعة إلى حين إجراء انتخابات. ودعا خلال خطاب جماهيري في العاصمة الخرطوم -بمشاركة ممثلين عن الإدارات الأهلية، التي تعد مجالس قبلية، تقوم بمهام محلية في عموم السودان- الأحزاب التاريخية والعريقة إلى تحمل المسؤولية والتجرد من المصالح الشخصية في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد.

وأضاف “استنجدنا بالإدارات الأهلية (المجالس القبلية) لعدم وجود مجالس تشريعية في البلاد، وهي في نظرنا تمثل برلمان البلاد”، مشيرا إلى أن المجلس العسكري وافق على أن تفوّض إلى الإدارات الأهلية مسألة تشكيل حكومة تكنوقراط.

7