السودان: هل تفعل الوثيقة ما عجز عنه الحوار

الأربعاء 2016/02/03

في تواريخ الشعوب الكثير من الصدف التي تغيّر شكل الحياة وطبيعتها، والسودان بلد تعود على المفاجآت، فهل ستفاجئ حركة التصويت على وثيقة البيت الأبيض، الجميع بتحقيق ما عجزت عن تحقيقه كل الحلول والمتمثل في وحدة كل فصائل البلاد المتباينة؟

الحكومة الحالية من أوفر الحكومات التي تعاقبت على البلاد منذ الاستقلال حظا، فقد تم ميلادها وسط متغيرات دولية صعبة، وترعرعت في ظل متغيرات إقليمية أكثر صعوبة، ولكنها صمدت رغم العدد المهول من الفصائل التي حملت السلاح في وجهها، وعاشت صراعات متتالية منذ ميلادها، ولكنها كانت تخرج أقوى بعد كل معركة، بالرغم من هزيمتها السحيقة في توفير الرخاء والاستقرار وجمع الناس على كلمة سواء وأيضا في تطبيق شعاراتها التي طرحتها عند استيلائها على السلطة.

مؤخرا، وتواصلا لسلاسل ممتدة من الموائد المستديرة والمربعة والمثلثة وكل أشكال طاولات التفاوض، دعا المؤتمر الوطني الحاكم كافة القوى السياسية إلى حوار جاد حول مستقبل البلاد بغرض إنهاء النزاعات التي استمرت منذ الاستقلال، ولم تتوقف باقتطاع دولة الجنوب، ولكنها استمرت أكثر ضراوة في السودانيْن بعد الانفصال.

الظروف وحدها لا الحكومة والمعارضة، هي من خلقت هذه الوحدة الإجبارية التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي وفحواها أن الحكومة الأميركية وعبر موقع البيت الأبيض، طرحت وثيقة رفع العقوبات عن السودان، وبحسب القواعد المتّبعة، فإن التوقيع على العريضة سيستمر حتى نهاية النصف الأول من فبراير، وفي حال بلوغ التواقيع مئة ألف توقيع في شهر واحد، فإن البيت الأبيض ملزم بالرد على العريضة.

رفع العقوبات هو الهم الأول لكل سوداني في خانة الموالاة أو الممانعة، فمن اكتوى ولا يزال يكتوي بتلك العقوبات هم المواطنون العاديون، أما المسؤولون الحكوميون فلا أحد منهم يعاني بذات القدر، وما تم حظره عنهم بحكم العقوبات يملكون القدرة على جلبه عبر منافذ أخرى متعددة، ورحم الله التنين الصيني صانع البدائل المتعددة والأرخص، والحكومة نفسها وجدت في العقوبات شماعة منطقية لتعليق أسباب فشلها في تحسين الحياة المعيشية للسكان.

معظم سكان السودان دون شك سيصوتون على هذه الوثيقة الهامة التي وجدوا أنفسهم لأول مرة يتوحدون فيها، بالرغم من أن جلوسهم طيلة الأشهر السابقة حول طاولة واحدة بالخرطوم، لم يوحدهم تماما، فالحوار الوطني الذي استمر طويلا ولا يزال متواصلا، حملت فيه جماهير الشعب السوداني أملا كبيرا، ولازالت تترقب النتائج، وحتى رافضو الجلوس إلى طاولات التفاوض لا عذر لهم، فمن المهم أن تحضر وتقول رأيك، ولا أحد سيجبر أحدا على اتخاذ قرار، ولكن الحوار في حدّ ذاته سيفتح الكثير من الأبواب والنوافذ المغلقة، ولغة البارود تم تجريبها زمنا طويلا، ولكنها حتى الآن لم تحسم معركة لا داخل البلاد ولا خارجها.

الوصول إلى وفاق وسط العالم المضطرب الذي يتابع الإنسان السوداني ما يحدث فيه بعدما ذاق مرارة كونه كان أول ضحايا نظرية سايكس بيكو الجديدة، بعد أثيوبيا وإريتريا، وخوفه من التّعرض للمزيد من التقسيم خاصة في المناطق المشتعلة كدارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، أضحى ضرورة ملحة لو كانت جميع القوى السياسية حريصة بالفعل على مصلحة البلاد، ولا سبيل للوصول إلى سودان معافى بغير الجلوس للتفاوض والحوار، ويجب أن تنقلب موازين الاهتمام في الحوار بحيث يحتل استقرار الوطن الصدارة، لا المكتسبات الضيقة سلطوية كانت أو مناصبية أو مالية، فالبلاد عانت بما فيه الكفاية وأرهقتها الحرب التي سجّلت الرقم القياسي بين حروب المنطقة كأطول حرب أفريقية استمرت قبل استقلال البلاد في 1956.

أزمة الثقة بين الحكومة والفصائل المعارضة، خاصة المسلحة منها، وقفت عائقا دون مشاركة بعض أهم تلك الفصائل، بينما الصادق المهدي زعيم حزب الأمة لا يزال متأرجحا في مواقفه من الحوار، غير أنه واضح أن الحوار سيمضي بمن حضر، وسيجعل الباب مواربا للحاق الممانعين بقاطرته في أي محطة من المحطات، بالرغم من مخاطر هذا التوجه الذي لا يقضي تماما على القتال، فالفصائل التي قاطعت الحوار ستستمر في مواجهة الحكومة الجديدة حتى ولو كانت تضم فصائل أخرى كانت حتى الأمس القريب تقاتل إلى جانبها.

أما الفصائل المسلحة، فبالرغم من حضورها المتقطع في المشهد وإغاراتها المتواصلة على المناطق الآمنة، إلا أنها هي الأخرى تعاني من ترهّل، فحرب جنوب السودان شغلت الدولة عن الإنفاق على الحركة الشعبية جناح الشمال، والانشقاقات الداخلية في التجمع الذي ترأسته الحركة منذ تأسيسه وضمّ معها مختلف الحركات الدارفورية المسلحة، جاءت بسبب عدم اعتراف ياسر عرمان ومالك عقار، زعيما الحركة الشعبية قطاع الشمال اللدودين، بتداول الرئاسة بين الحركات كما ينص الدستور، وانسرقت تراجي مصطفى، إحدى قيادات التّجمع، وأول من كوّن جمعية الصداقة العربية الإسرائيلية في كندا، من التجمع الوطني لتتبنى موقفا داعما للحكومة وتؤثّر كثيرا على شعبية التجمع الوطني ما أسهم أكثر في إضعافه، أضف إلى ذلك ما يقوم به الإعلام الحكومي الشمالي من نشر لصور مدنيين قتلوا ونهبت ممتلكاتهم بأيدي تلك الحركات التي بدأت صورتها الذهنية عند الرأي العام الداخلي والخارجي، في التحوّل التدريجي من حركات وطنية، إلى عصابات وقطاع طرق.

كاتب سوداني

9