السودان وإثيوبيا.. حسابات المصالح تخفف احتقانات الحدود

الثلاثاء 2015/11/24
المشاكل بين أديس أبابا وإثيوبيا قابلة للحل بطرق سياسية

القاهرة- فشل السودان في مواصلة سياسة صرف النظر عن التجاوزات التي ترتكبها ميليشيات إثيوبية داخل أراضيه، حيث وصلت الانتهاكات حدا أثار ضغينة المواطنين في المنطقة الشرقية المتاخمة للحدود الإثيوبية، بصورة جعلت الحكومة السودانية تخرج عن صمتها المعتاد أخيرا.

وبدأت سلسلة من التصريحات والتلميحات تتواتر من قيادات سودانية، صبت غضبها على أديس أبابا واتهمتها بالتقاعس والتراخي في وقف اعتداءات تنفذها عصابات إثيوبية مسلحة يطلق عليها اسم “الشفتة” على الشريط الحدودي بين الدولتين، الذي يبلغ نحو 900 كيلومتر.

وجاءت أقوى الاتهامات على لسان عثمان نافع حمد، سفير السودان لدى إثيوبيا، حيث اتهم أديس أبابا بمحاولة التوسع داخل الأراضي السودانية لمواجهة ما أسماه بـ”الانفجار السكاني”، بعد أن تجاوز عدد سكانها المئة مليون.

وقال في تصريحات صحفية إن الميليشيات التي تعتدي على أراضي بلاده في محافظات الفشقة وباسنودة وقريشة والقلابات الشرقية، تدعمها حكومة ولاية إقليم الأمهرا المجاور لولاية القضارف، ملوحا بأن الحكومة الاتحادية في إثيوبيا تغض الطرف عن التجاوزات.

وللسودان مشاكل حدودية قديمة وحديثة مع عدد من جيرانه، فهناك المشكلة المعروفة بمثلث حلايب مع مصر ومثلث اليمي مع كينيا وأم دافوفة مع أفريقيا الوسطى ثم الفشقة مع إثيوبيا، وتخضع عمليات التسخين والتهدئة لطبيعة الأجواء السياسية.

وعلى إثر التصعيد الأخير، طالبت بعض القوى السودانية بنشر قوات عسكرية على الحدود، التي لا يزال أمر ترسيمها معطلا، لوقف عمليات النهب والسلب التي تقوم بها عصابات إثيوبية، مستفيدة من السيولة الأمنية الموجودة على الحدود المشتركة.

أقوى الاتهامات جاءت على لسان عثمان نافع حمد، سفير السودان لدى إثيوبيا، حيث اتهم أديس أبابا بمحاولة التوسع داخل الأراضي السودانية

وكانت أعمال اللجنة الفنية المشتركة لترسيم الحدود بين البلدين، بدأت أعمالها لوضع العلامات على الأرض قبل حوالي عامين، ثم توقفت فجأة. ثم استأنفت أعمالها في نوفمبر من العام الماضي لتحديد مصير منطقة الفشقة المتنازع عليها، لكنها لم تنجز شيئا ملموسا على الأرض حتى الآن، وإن كانت توصّلت إلى تفاهمات نظرية مبدئية.

وأكد مراقبون لقياس مؤشر العلاقات بين السودان وإثيوبيا، لـ”العرب”، أنه طالما هناك إرادة سياسية قوية بين البلدين من السهل إنجاز عملية الترسيم وتجاوز أي عقبات حدودية، لكن النزاع يتأثر ببورصة المزايدات السياسية جراء قيام المعارضة في البلدين بمحاولة استثماره.

وقال أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية، إن النزاع القائم على الحدود بين البلدين لن يستمر طويلا، وسوف يصلا قريبا إلى تفاهمات جدية للاقتراب من حل الأزمة.

وأضاف شبانة لـ”العرب”، أن الخلاف بين الخرطوم وأديس أبابا في جوهره “قبلي”، أي أنه بين قبائل هنا وأخرى هناك، الأمر الذي يمهد الطريق لقيادات البلدين للبحث عن تسوية توافقية. لكنه رجّح أن تكون المعارضة على الجانبين تلعب دورا حيويا في هذه القضايا المثيرة، حتى تطفو المشكلة على السطح من حين إلى آخر، وتقوم بتوظيفها ضد نظامها الحاكم للضغط عليه، وتصويره كمن لا يستطيع الدفاع عن أراضي الدولة، ومحاولة تشتيت انتباهه بين قضاياه الداخلية وأزماته الإقليمية. لذلك يمكن فهم تمسك كل طرف بحقه في المناطق المتنازع عليها، وإصراره على عدم التنازل عن شبر منها، على أنه نوع من استرضاء معارضيه في الداخل.

وكان الرئيس السوداني عمر البشير صرّح مؤخرا، أن مثلث حلايب المتنازع عليه مع مصر يتبع بلاده، مشيرا إلى عدم وجود نية للتفاوض عليه، وبدا في ذلك الوقت مضمون هذا التصريح كمن يستهدف إيصال رسالة للمعارضة السودانية فقط، التي بدأت تتزايد ضغوطها عليه في الداخل، وحاولت توظيف ورقة حلايب، بعد قيام الحكومة المصرية بإجراء انتخابات في هذا المثلث وتخصيص مقعد برلماني لقاطنيه.

ومع أن العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا، شهدت تطورات إيجابية خلال الأعوام الماضية، على مستوى سد النهضة والتجارة البينية، غير أن الأولى لن تنسى للأخيرة أنها ساهمت بقواتها المنتشرة بجنوب السودان في فرض الاستقرار، عقب اندلاع صراع بين رئيس جنوب السودان سلفا كير ونائبه رياك مشار، وهو ما حرم الخرطوم من فرض أمر واقع لصالحها في مسألة الحدود المتنازع عليها مع جوبا في أبيي الغنية بالنفط.

واستعبد أيمن شبانة أن ينتقل الخلاف الراهن إلى حرب ميليشيات بين القبائل، كما أن سكان المنطقة المتنازع عليها جماعات رعوية تعتمد على تربية الحيوانات كمصدر للرزق، والسلاح الذي بحوزتهم يبدو ضعيفا، بالتالي ففرص التسوية السياسية والقبلية قوية، تعززها العلاقات الجيدة بين البلدين.

تلميحات مصرية تتهم السودان بدعم إثيوبيا في عملية بناء سد النهضة، على حساب المصالح المصرية

وتشي هذه النوعية من المعطيات بأن الخلاف لن يتعدى الحدود الظاهرية، ومن الصعوبة أن تكون له تداعيات سلبية كبيرة على مستقبل العلاقات بين البلدين، خاصة أن نية التسوية موجودة منذ فترة، وكانت معالمها واضحة في محطات كثيرة.

وأكدت الباحثة السودانية درية السيد أنه ما دامت هناك مجموعة كبيرة من المصالح بين البلدين، فلا مجال للحديث عن خلافات في المستقبل بخصوص النزاع الحدودي.

وقالت لـ”العرب” إن الوضع إذا تحول إلى صراع حقيقي بين السودان وإثيوبيا سيكون تطورا خطيرا قد يجلب انعكاسات سيئة على البلدين، حيث سيدفع اقتصاد كل منهما للتهاوي، وهو أمر تدركه القيادات السياسية جيدا.

وبشأن تأثير ذلك على مفاوضات سد النهضة، قال أحمد حجاج، رئيس الجمعية الأفريقية لـ”العرب”، إن ذلك أمر من المستبعد حدوثه، لأن مشاكل الحدود موجودة بالفعل بين دول أفريقية كثيرة، لكنها لا تتطور إلى حد المقاطعة أو النزاع، خاصة إذا كانت القضية تتعلق بدولتين لهما مصير واحد، مثل السودان وإثيوبيا.

وتتهم تلميحات مصرية (غير رسمية) السودان بدعم إثيوبيا في عملية بناء سد النهضة، على حساب المصالح المصرية، باعتباره سوف يحقق مزايا مادية للسودان، سواء في مساعدته بفائض الكهرباء الذي سيتم توليده من السد، أو بحجز فوائض المياه التي تغرق بعض الأراضي في السودان.

ويعتقد حجاج أنه ما دام الخلاف يأخذ شكلا قبائليا، فإن الوصول إلى حل أمر متوقع، حتى وإن تأخر أو تعثر لبعض الوقت. وبشأن مدى استفادة مصر من الخلاف السوداني الإثيوبي وتحقيق نقاط إيجابية لصالحها في مفاوضات سد النهضة، أوضح حجاج أن هذا الكلام غير دقيق، لأن ماضي العلاقات السودانية الإثيوبية يؤكد أنها لا تتأثر بعوامل جانبية، وأنها تفضّل دائما حل الخلافات البينية انطلاقا من وسائل ثنائية ودية ورفض إخضاعها لأي حسابات إقليمية.

7