السودان وعاصفة الحزم

الاثنين 2015/04/06

كثيرون توقفوا عند انضمام السودان إلى عملية عاصفة الحزم، وتعجبوا من إعلان الخرطوم، صراحة، مشاركة طيرانها في قصف مواقع للحوثيين في اليمن، وازداد تعجبهم من تفاخر نظام عمر البشير بالانخراط في تحالف يضم السعودية ومصر وغيرهما في مواجهة غير مباشرة مع إيران، التي تتمتع بعلاقات جيدة مع الخرطوم.

ملامح التعجب لا تنتهي، فلو كان السودان يملك سلاح طيران مؤثرا، لما انسلخ جزء مهم منه في الجنوب، ولو كان هذا السلاح بتّارا لما استمرت عثرات القوات السودانية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ولو كانت هذه الدولة تملك قوات مسلحة متطورة، لما هزتها تحركات مجموعة من المتمردين أوشكت أن تدخل الخرطوم.

السودان لم يمانع في إرسال قوات برية أو يبدي حتى تحفظات، حال توافقت دول التحالف على دخول مواجهة على الأرض في اليمن، وكأن لديه وفرة عددية، أو يتمتع بدرجة من الأمن والاستقرار، فالسودان من الدول العربية التي تنخر التوترات كل أنحاء جسده، ويواجه صعوبات بالجملة، ولم تعد فيه منطقة شبه مستقرة، والحروب لا تفارق جميع مناطقه تقريبا. إذن ما الأسباب التي جعلت الرئيس البشير في مقدمة المنضمين إلى عاصفة الحزم؟ وهل سيصمد حتى النهاية أم تنتهي العلاقة بانتهاء الهدف منها؟

الواقع أن هناك أسبابا داخلية وأخرى خارجية، دفعت الخرطوم إلى أن تخيب ظنون كثيرين، توقعوا أن تقف إلى جوار طهران وبكين في رفض العملية، أو على الأقل تتظاهر بالحياد، فكل من إيران والصين له مكانة خاصة في عقل النظام السوداني وقلبه.

على الصعيد المحلي، يواجه النظام السوداني عواصف سياسية وأمنية شائكة، فهو مقبل على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وولاياتية بعد أيام، في وقت صعّدت فيه قوى المعارضة السودانية من وتيرة ضغوطها عليه وبدأت تحشد جماهيرها لمنع إجراء الانتخابات، أو مقاطعتها بما يفرغها من مضامينها التي يحاول النظام توظيفها لصالحه، لذلك أراد من وراء مشاركته في عاصفة الحزم تحييد أي دعم خارجي يمكن أن تتلقاه المعارضة، وبالتالي مواجهتها بلا غطاء إقليمي جديد توفره لها تناطح به البشير، من الممكن أن يمنحها قوة سياسية.

على الصعيد الخارجي، يبعد الانخراط في العملية الشبهات التي حامت حول النظام السوداني بشأن علاقته المريبة مع إيران، وتواتر الحديث عن تلقيه أسلحة منها، وتهريبها لجماعات متشددة في مصر وغزة وليبيا، ويقلل من الاتهامات بخصوص وجود مصانع أسلحة إيرانية في الأراضي السـودانية، الأمر الذي تردد بقوة قبل سنوات، عندما قصفت طائرات أميركية مصنع الشفاء في الخرطوم، وهو ما يضاف إلى عمليتي قصف قام بهما الطيران الإسرائيلي ضد شاحنات كانت تحمل أسلحة قيل إنها إيرانية، قرب ميناء بورسودان، ولم تحرك الخرطوم ساكنا سواء بالنفي أو بالرد على القصف.

كان الوقوف بعيدا عن عاصفة الحزم سيكرس الاتهامات التي ترددت حول خصوصية العلاقة الأمنية بين الخرطوم وطهران، وربما يضع الأولى في مرمى نيران سياسية إقليمية ودولية، نظرا إلى موقع السودان على البحر الأحمر، بصورة لا تبعده عن شبهات المساهمة في نقل أسلحة للمتمردين في اليمن.

فطنت الخرطوم لهذه الأبعاد وتأثيراتها السلبية وأعلنت مشاركتها في العملية العسكرية (بصورة رمزية)، أملا في تحقيق جملة من المزايا، مثل استعادة عافية العلاقات مع السعودية، وإخراجها من حالة الجمود التي دخلتها، جراء تطور علاقات الخرطوم بإيران، وتعويض الخسائر الخليجية المادية التي تعرض لها السودان بفعل هذه العلاقة، ومحاولة تجنيب العمالة السودانية انعكاسات سلبية يمكن أن يفضي إليها إصرار الخرطوم على الوقوف بجانب إيران.

وأراد البشير طمأنة مصر، التي ساورها قلق من تنامي هذه العلاقة، علاوة على تبني الخرطوم لكثير من الرؤى الإثيوبية بشأن ملف المياه، ولم يكن انضمام الخرطوم إلى عاصفة الحزم بعيدا عن تزايد التفاهمات مع القاهرة في عدد من المقاطع الحيوية في ملف مياه النيل أخيرا، لأن السودان شعر أن خسارة مصر قد تكبده خسائر فادحة، في وقت يعاني فيه اختلالات سياسية وأمنية، وتحديات إقليمية ودولية.

الرئيس البشير وجد في أزمة اليمن فرصة لتصويب مسار علاقاته مع الولايات المتحدة التي تؤيد عاصفة الحزم، وجددت غضبها مؤخرا من تصرفاته إزاء انتهاكات حقوق الإنسان وتضييق الحريات، ولأن الانتخابات على الأبواب، فقد تكون هذه المشاركة حائلا دون التعرض لمزيد من الانتقادات، التي تتحكم في دفتها المصالح السياسية، والخرطوم تريد أن تحظى بمباركة واشنطن للانتخابات المتوقع أن يكتسح البشير نتائجها كسابقتها، التي أدانتها جميع القوى السودانية، وجاءت المباركة الأميركية قبل خمس سنوات لتنقذ ماء وجه البشير.

المشكلة التي تؤرق البعض، وتجعل موقف السودان من الأزمة في اليمن غير مطمئنة، أن نظام الخرطوم درج على توظيف التطورات الإقليمية لصالحه، وبراغماتيته السياسية لا حدود لها، وقدرته على المناورة كبيرة، فمن الممكن أن يتظاهر بتأييد عاصفة الحزم ويشارك فيها عمليا بطائراته، وفي الوقت نفسه لا يتورع عن دعم ومساندة إيران أو حلفائها الحوثيين، إذا تطلب الأمر ذلك، ولعل تقلباته المستمرة مع مصر، وتحول مواقفه من الحوار الوطني مع المعارضة، خير دليل.

كما أن النظام السوداني، إذا وجد أن مشاركته ربما تضر بعلاقته الوثيقة مع الصين، قد يكون له موقف مغاير في السر، لذلك فالقيمة الرمزية لهذه المشاركة، يمكن أن تكون لها تأثيرات مادية باهظة، إذا قررت الخرطوم استخدام مناوراتها المعروفة في أزمة لا تحتمل القسمة على اثنين.

كاتب مصري

9