السودان يعيد ترتيب علاقاته الخارجية بعيدا عن الإسلاميين

التخلي عن الورقة الإسلامية دليل ميلاد تحول حقيقي بالبلد، وتليين الموقف ناحية تركيا وقطر علامة تسكين لمزايدات الحركة الإسلامية.
الأحد 2019/08/18
سودان جديد

وقّع ممثلان عن المجلس العسكري وحركة الاحتجاج في السودان السبت في الخرطوم “الوثيقة الدستورية”، هذا الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان من شأنه أن يمهد لبدء مرحلة انتقالية تؤدي إلى حكم مدني في البلاد. وبذلك يدشن السودان حقبة جديدة، تقطع مع نظام الرئيس المعزول عمر حسن البشير ومع سياساته الخاطئة التي أغرقت البلد في براثن أزمة اقتصادية وسياسية، بسبب أهوائه الأيديولوجية وموالاته للإسلاميين والدول الداعمة لهم على حساب مصالح السودانيين.

فهمت بعض الدوائر السياسية أن فتح مكتب قناة الجزيرة القطرية في الخرطوم مرة أخرى رسالة سياسية إيجابية للدوحة، وإعادة اعتبار للعلاقات معها. وفهمت المعنى نفسه بالنسبة لدعوة وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو لحضور حفل التوقيع على الإعلانين السياسي والدستوري، السبت، وأنه تصويب للفتور السابق مع أنقرة. وزاد الحماس لهذا التقدير عقب لقائه الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي الجديد، وعندما شاهدت أوغلو يتجول ويوزع الهدايا على المواطنين في شوارع الخرطوم يوم الجمعة.

وقفزت دوائر أخرى إلى أبعد من ذلك، حيث تصور من يقف خلفها أن شكل السودان السياسي لن يتبدل، وقالت “راحت السكرة وجاءت الفكرة”، في إشارة إلى أن تداعيات الثورة لن تغير واقع السودان القديم، وأركان نظام المعزول عمر حسن البشير لا زالت تتحكم في المفاتيح، وكل ما ظهر من إشارات باردة نحو أنقرة والدوحة والحركة الإسلامية يندرج في عداد المراوغات و”التقية” المعروفة عن المنحازين للتيار الإسلامي بأطيافه المختلفة.

وحاولت بعض الجهات إضفاء مصداقية على هذا الكلام بتخفيف سخونة الخطاب الإعلامي نحو الطبقة السياسية الفاعلة في السودان، والاحتفاء معها بتدشين المرحلة الانتقالية، وإشاعة أجواء من التفاؤل بشأن المرحلة الانتقالية، وكأن شيئا لم يتغير بعد عزل البشير، وتقديم الأمر على أن أتباعه وكوادره في حزب المؤتمر الوطني الحاكم (سابقا) سوف يلعبون دورا حاسما الفترة المقبلة لتسير الأمور على المنهج ذاته الذي كانت عليه من قبل.

يؤدي مد الخيط على استقامته إلى التشكيك في نوايا أعضاء المجلس العسكري الفترة الماضية، الذي يمثله خمسة في المجلس السيادي المكون من 11 شخصا، للإيحاء بأن الجيش السوداني لم يتخل تماما عن البشير، والرجل يملك جيوبا مؤثرة تستطيع الضبط والربط لصالح تيار الإسلام السياسي، وتحييد واستقطاب شريحة واسعة في التيار المدني لا تتصادم كليا معه والدول التي ترعاه.

قد تشير الاستنتاجات الظاهرة إلى شيء من هذا القبيل، لكن القراءة المتأنية للمشهد السوداني مع الاحتفالات الصاخبة وبدء المرحلة الانتقالية، تؤكد أن المطلوب طمأنة جميع السودانيين، خاصة مع الهواجس التي صاحبت التوقيع بالأحرف الأولى على الوثيقة الدستورية في 4 أغسطس الماضي من جانب بعض الفئات، في مقدمتها الجبهة الثورية التي تتشكل من ثلاث حركات مسلحة، قاطعت رسميا احتفال التوقيع النهائي السبت.

إخماد التوتر

السودان

يرى المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير أنه من المفيد إخماد النيران المستعرة داخل الحركة الإسلامية ووقف تصعيدها بعد إعلان عدد من قياداتها رفض الوثيقة أيضا والتلويح بمنع تنفيذها، ويقود تضافرها الضمني مع الجبهة الثورية إلى المزيد من التوتر السياسي في الشارع. ويبدو تليين الموقف ناحية تركيا وقطر علامة تسكين لمزايدات هؤلاء.

في هذا السياق، تنطوي إعادة فتح مكتب الجزيرة وبهجة جاويش أوغلو على معان سياسية محدودة، ولا تحمل دلالات قوية على متانة العلاقات السودانية مع أنقرة والدوحة مستقبلا، أو تبعث بإشارة فتور حيال المحور المقابل لهما، مصر والسعودية والإمارات والبحرين.

كل ما يرمي إليه هذا التوجه أن الخرطوم تبدأ مرحلة تقول إنها منفتحة على الجميع، وخالية من الميول المؤدلجة التي سادت طوال فترة حكم البشير، وأدت إلى خسارة السودان الكثير من الأصدقاء، وسيبتعد النظام الجديد عن تكرار السياسات الماضية بصورة معكوسة، فهو في مرحلة تثبيت الأركان، ويفتقر لترف الانحيازات المعلنة التي تتطلب قدرا وافرا من الصلابة.

ويريد القائمون على التشكيلات السياسية الراهنة في الخرطوم تأكيد رغبتهم المعلنة في فتح صفحة متوازنة مع الشرق والغرب والشمال والجنوب، وتغليب مصلحة الدولة العليا على المصالح الحزبية الدنيا، وهي من خصائل الحكومات البعيدة عن الأهواء الأيديولوجية.

تنطوي إعادة فتح مكتب الجزيرة وبهجة جاويش أوغلو على معان سياسية محدودة، ولا تحمل دلالات قوية على متانة العلاقات السودانية مع أنقرة والدوحة مستقبلا

ولأن الطبقة الحاكمة الجديدة مشكّلة من قوى وتيارات متباينة، من الممكن أن تظهر مساحة كبيرة من الانفتاح يشعر الناس معها بوجود تغير واضح، عبر التحسن الملموس في الأداء السياسي والاقتصادي والأمني، ما يعني التحلل من قيود الخطاب الديماغوجي المعطّل.

وأكدت المواقف العامة للمجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير أن هناك انسجاما لافتا في الحسابات السلبية لكل منهما إزاء الحركة الإسلامية، وحملوها وروافدها الحزبية والحركية إخفاقات السودان على مدار العقود الثلاثة الماضية، ما يخفف من وطأة دوران السودان الجديد في فلك السودان القديم.

وجاءت الثورة احتجاجا على سياسات الفريق الحاكم المحسوب على الإسلاميين، ومن الواجب نبذهم ومعاقبتهم على ما ارتكبوه من فساد أضر بمصالح السودان، وكبح التوجهات على أساس الولاءات العقائدية، لأن الأخطاء الناجمة عن هذه التصرفات أدت إلى توتر علاقات الخرطوم مع كثير من عواصم العالم.

وجذب الحراك الثوري في السودان تعاطفا إنسانيا وسياسيا، داخليا وخارجيا. وكشف عن تجذر الاحتقان من نظام البشير، وأهمية التخلص من امتداداته، حيث أضاع هيبة الدولة وأغرقها في أزمات إقليمية لا قبل له بها لمجرد أن يستمر في الحكم، وغلّب الطابع الأيديولوجي، ما جعله يرتكب حماقات سحبت تداعياتها على الدولة وقدرتها على التماسك، وكادت أن تدخل شبح تقسيم بغيض بسبب انخراط رئيسها في معارك ومناوشات تخدم مصالح التيار الذي ينتمي إليه.

طي صفحة البشير

السودان

يسعى التحالف العسكري- السياسي الجديد إلى طي الصفحة الماضية، والتأكيد أنه غير منحاز لمحور معين، وهي أول علامة تفيد بتغير وجه نظام الحكم في الخرطوم. ويريد أن ينفي سريعا أي صفة للتعبير عن مصالح جهة معينة في الداخل أو الخارج، ما يفرض عليه تبني تصورات خارجية معتدلة، ويحاول أن ينأى، على الأقل خلال الفترة الأولى، عن العلاقات التي تضعه في خندق مناهض لخندق آخر، ويضبط دفته السياسية بإحكام كي يستفيد من الجميع. فمن سمات الأنظمة الصاعدة تسويق رؤية معتدلة لتجنب المنغصات الإقليمية.

يحمل هذا التوجه في النهاية ملمحا سلبيا تجاه الدول التي نسج معها نظام البشير علاقات قوية، وفي مقدمتها قطر وتركيا. فالطبقة الحاكمة الآن تعمل على الابتعاد عن المكونات التي أساءت للسودان، وأبرزها المواقف والممارسات التي وضعتها في مربع واحد مع الدول التي تؤيد وتدعم التيارات الإسلامية والجماعات الإرهابية وجعلت الخرطوم الحاضنة لكثير من القيادات المتطرفة.

تفرض هذه المعادلة تغير طرفيها، تركيا وقطر من ناحية، والسودان من ناحية أخرى. وقد فشلت كل الضغوط في تغيير أو حتى إدخال تعديل حقيقي على مواقف الطرف الأول، لأن الركائز التي يعتمد عليها لا تخول له رفاهية التخلي عن الورقة الإسلامية، بعد أن أصبحت جزءا أساسيا من نظامي الحكم في البلدين، وبات بقاء المسؤولين فيهما مربوطا بتوطيد العلاقة مع المتشددين والإرهابيين.

لذلك لابد أن يأتي التغير في المعادلة من الطرف الثاني، وهو السودان، الذي انطلقت ثورته من رحم النقمة على نظام البشير بعد أن استنزف البلاد والعباد، وأنفق جزءا كبيرا من ثروته على أغراضه السياسية. ومن المهم التخلي عن كوادر ورموز الإسلاميين مع العهد الجديد، كعربون على وجود تحول حقيقي، ودليل حيوي على انتهاء حقبة قاتمة بكل ملابساتها وارتباكاتها، من بينها الدول التي تحافظ على أواصر قوية مع تنظيمات متطرفة وجماعات إرهابية عابرة للحدود.

وقد تكبدت الخرطوم خسائر سياسية واقتصادية باهظة جرّاء علاقاتها مع هذه الدول والتنظيمات والجماعات ووضعتها في مواقف صعبة. وربطت بعض القوى الإقليمية والدولية التي تضررت من هذه التوجهات التطور مع السودان وتقديم المساعدات الاقتصادية بوقف نمو هذه العلاقة، وإظهار حسن نوايا في الحرب الضروس على المتطرفين والإرهابيين.

تقود هذه المحصلة إلى نتيجتين. الأولى: أن هناك انفتاحا على جميع الدول دون استثناء، شرط الالتزام بالقواعد والقوانين الدولية، مرهونا بمدى ما يحققه من مصالح وفوائد للدولة السودانية. والثانية كسر قدم كل دولة أو جماعة تحاول توريط النظام الجديد وتخلق له أزمات مع دول أخرى، وأن السودان مستعد للانخراط في عملية مقاومة المتطرفين والإرهابيين في المنطقة والعالم دون حسابات أيديولوجية، ولن يكون محطة لهم ومن يقفون خلفهم، ما يفضي إلى فتور محتوم في العلاقة مع كل من أنقرة والدوحة.

اقرأ أيضا

أبرز محطات الأزمة  في السودان منذ عزل البشير

6