السودان يغامر باستكشاف إمكانية تحرير الجنيه

السلطات المالية السودانية شطبت نحو نصف قيمة العملة المحلية في إقرار غير مباشر بأسعار الصرف المتداولة في السوق السوداء.
الاثنين 2018/10/08
أوراق نقدية بلا قيمة

دخل السودان مغامرة استكشاف إمكانية تحرير سعر العملة المحلية للخروج من أزمة شحّ السيولة النقدية في السوق، والتي خلّفتها السياسات الفاشلة للحكومات المتعاقبة، التي عجزت عن حل المشاكل الاقتصادية وتسببت في موجة استياء شعبي نتيجة اختفاء السلع وارتفاع أسعارها.

الخرطوم- دخل قرار خفض قيمة العملة السودانية أمس حيّز التنفيذ، في محاولة يائسة من السلطات لمواجهة تذبذب سعر صرف الجنيه في السوق الرسمية جرّاء الأزمة الاقتصادية المستمرة.

وشطبت السلطات المالية نحو نصف قيمة العملة المحلية في إقرار غير مباشر بأسعار الصرف المتداولة في السوق السوداء. وتتزايد الضغوط على الحكومة للإسراع في انتهاج سياسات اقتصادية جديدة للحدّ من تراجع قيمة الجنيه ومحاصرة التضخم وتحقيق معدّلات نموّ مستقرة.

وغالبا ما كانت تنفي الخرطوم أنها تخطط لتعويم الجنيه، لكنها تبدو مضطرة للدخول في هذه المغامرة لاستكشاف مدى نجاح هذه الخطوة بتحرير سعر صرفه جزئيا. ونسبت وكالة رويترز لرئيس اتحاد المصارف السوداني، عباس عبدالله، قوله إن بلاده “حددت سعر الصرف عند 47.5 جنيها للدولار”.

محمد خير الزبير: الإجراء سيعالج تراجع قيمة الجنيه ليصل إلى مرحلة الاستقرار لاحقا
محمد خير الزبير: الإجراء سيعالج تراجع قيمة الجنيه ليصل إلى مرحلة الاستقرار لاحقا

ويقل السعر الجديد بكثير عن سعر الصرف الرسمي، الذي بلغ السبت الماضي، نحو 29 جنيها للدولار وعن سعر السوق السوداء البالغ حوالي 45.5 جنيها للدولار. وكان محافظ البنك المركزي، محمد خير الزبير، قد كشف الخميس الماضي، أن الخرطوم ستبدأ من يوم الأحد تحديد سعر الصرف اليومي من خلال هيئة مشكلة حديثا من المصرفيين ومكاتب الصرافة.

ورجّح الزبير أن تقوم الإجراءات بمعالجة تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار في السوق بادئ الأمر على أن تصل إلى مرحلة الاستقرار لاحقا. ونصح صندوق النقد الدولي وخبراء اقتصاد، الحكومة بتعويم العملة لأن الفرق بين السعر الرسمي للجنيه وسعره في السوق الموازية أثّر على اقتصاد البلاد.

وجاء القرار بعد أسابيع من تشكيل الرئيس عمر البشير حكومة جديدة، محمّلا المسؤولية للحكومة السابقة، التي يقول إنها فشلت معالجة الأزمة الاقتصادية. وبموجب الآلية الجديدة، سيحدد السودان سعر الذهب تمشيا مع الأسعار العالمية، لكن المدفوعات ستكون على أساس سعر الصرف الجديد.

ويعاني السودان منذ سنوات وخاصة منذ انفصال الجنوب في 2011 من متاعب اقتصادية حادة بسبب التقلبات السياسية للحكومات المتعاقبة، والتي لم تجد الاستراتيجية الملائمة للخروج من الدائرة المفرغة للأزمات المتلاحقة.

وانعكست المتاعب على سوق الصرف وظهرت بوضوح في شحّ كبير في السيولة النقدية، وصلت مداها إلى أزمات في الخبز والطحين والوقود وغاز الطهي، نتيجة ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في السوق السوداء.

وتفاقمت أزمة شح الوقود بعد أسابيع قليلة من ظهور بوادر تذبذب في الإمدادات، ما ولّد حالة من عدم اليقين بين المواطنين، وسط محاولات الحكومة لاستيراد شحنات لتغطية الفجوة رغم شح السيولة من العملة الصعبة.

ويحاول المركزي من خلال خطوة التعويم، القضاء تدريجيا على السوق السوداء للعملة المحلية، وإعادة العمليات النقدية الأجنبية إلى القنوات الرسمية داخل المصارف ومحلات الصرافة المرخصة.

عباس عبدالله: حددت السلطات المالية سعر الصرف الرسمي عند 47.5 جنيها للدولار
عباس عبدالله: حددت السلطات المالية سعر الصرف الرسمي عند 47.5 جنيها للدولار

وحُرم السودان إلى حد كبير من الاستفادة من مصادر التمويل الدولية في السنوات العشر الماضية، بسبب عقوبات أميركية تم رفعها في أكتوبر الماضي. وتفاقمت الأزمة على مدى العام الماضي حيث حلت سوق سوداء للدولار فعليا محل النظام الرسمي بعد خفض قيمة الجنيه، ما زاد صعوبة استيراد السلع الأساسية مثل القمح.

وظهر علامات تعافي على الجنيه بعد خفض قيمته 3 مرات هذا العام، ما أضعف سعره الرسمي إلى 31.5 جنيها للدولار من 6.7 جنيه في ديسمبر الماضي، لكنه لم يصمد. وفي كل مرة يتم تخفيض قيمة العملة، تبرر الحكومة خطوتها بأنها ليست تعويما، لخوفها من أن يؤدي ذلك إلى اضطرابات اجتماعية.

واندلعت تظاهرات في بداية العام بسبب رفع جزئي للدعم عن سلع أساسية، لكن السلطات سرعان ما تصدت لها. ومنذ ذلك الوقت، واصلت الأسعار الصعود مع هبوط قيمة الجنيه مجددا في السوق السوداء، رغم الإجراءات الحكومية للسيطرة على الإنفاق وتقييد السيولة.

وكانت السلطات قد أقرت في مطلع فبراير الماضي، إجراءات بهدف امتصاص السيولة لتحجيم الكتلة النقدية خارج النظام المصرفي، ليتم توظيفها في المشروعات الإنتاجية.

وشملت الإجراءات، التي اعتبرها خبراء غير مجدية، تحديد سقوف لسحب الودائع المصرفية بالمصارف التجارية وتجفيف الصرافات الآلية.

وتستهدف الحكومة خفضا في معدل التضخم ليصل إلى 19.5 بالمئة بنهاية العام، من 34.1 بالمئة في نهاية العام الماضي، لكن الأمر يبدو صعبا للغاية مع بلوغه مستوى قياسيا عند 66 بالمئة في أغسطس الماضي، وهو من أعلى المعدلات في العالم.

11