السود في الحضارة الإسلامية من العتق إلى الاستعباد ثانية

انتهت العبودية بأميركا منذ عام 1865، غير أن توابعها مثل التّمييز العنصري وقوانينه وأعرافه ظلت سارية المفعول ضدهم، حتى ألغي رسميا عام 1962، أي أنه استمر ما يقرب القرن من الزّمان، وظلت العبودية قائمة بجنوب أفريقيا -مع أنها بلاد سود في الأصل- سارية المفعول لقرون عديدة، إلى بداية إلغائها في العقد الأخير من القرن العشرين. قضية السود وما عانوه ويعانيه بعضهم إلى غاية اليوم تدفعنا إلى التساؤل حول السود في الحضارة الإسلامية، وهم الذين كانت لهم إسهامات حضارية وفكرية وأدبية عديدة رغم تعرضهم إلى التمييز، وهذا ما يناقشه كتاب الباحث رشيد الخيون “أثر السود في الحضارة الإسلامية”.
الثلاثاء 2016/02/02
المستعبدون السود عار التاريخ

لندن- لعب السّود في تاريخ وحضارة الإسلام أدوارا مهمة، في شتى المجالات، فقد عاصروا الدّعوة الإسلامية منذ بدايتها، لكن هذه الفئة من البشر تعرضت عالميا، عبر التّاريخ، إلى ما عرف بعصر الرّق أو العبوديّة.فكانوا يباعون في أسواق الرّق إلى زمن قريب واستغلتهم كل القوى لأجل دعم إنتاجها.

وقد درس كتاب “أثر السود في الحضارة الإسلامية” للباحث رشيد الخيون تاريخ السّود في الحضارة الإسلامية، كعبيد وعتقاء، وخلص الخيون إلى إمكانية التّمييز بين زمنين: صدر الإسلام، والعهود التي تلته.

العتق والاستعباد

يوضح رشيد الخيون أنه في صدر الإسلام أصبح العبد واحدا من جماعة المسلمين بمجرد أن يشهر إسلامه، له ما لهم وعليه ما عليهم، حتى أن العديد من السّود قد كلفوا بقيادة الجيش، إذ وردت آيات قرآنية وأحاديث نبويّة توصي بهم خيرا، وترغب في عتق المملوكين منهم، مقابل الكفارة عن الذّنب، وليس أسهل من العتق في الفقه الإسلامي.

لكن بعد هذا العصر، وبالتّدريج، تغيرت المعاملة بعض الشّيء، والسّبب أنه صارت هناك حاجة إلى العبيد في زراعة الأرض والخدمة المنزلية الخاصة، وكان مصدرهم الرّئيس من الحبشة وغرب أفريقيا.

ويلفت رشيد الخيون في كتابه إلى أن هناك من بين السّود العديد من الشعراء الكبار، تركوا بصماتهم في الأدب العربي، واقتربوا من مجالس الخلفاء والأمراء وتقدّموا فيها، حتى صار لا يستغنى عنهم، بل إن بعضهم قدّم على شعراء كبار سارت الرّكبان بقصائدهم كهمام بن غالب الفرزدق وجرير الخطفي (توفيا سنة 110 هـ).

من بين السود شعراء كبار تركوا بصماتهم في الأدب العربي، واقتربوا من مجالس الخلفاء والأمراء

وكان الفصل الخاص بالشّعراء السّود من أوسع فصول الكتاب، وذاك لكثرتهم ووفرة المصادر في ترجماتهم وسيرهم ورواية شعرهم، ومدى ارتباطهم بالحوادث السّياسية والاجتماعية، كبيعة أبي جعفر المنصور (ت 158 هـ) لابنه محمد المهدي (ت 169 هـ)، وما حصل من انتقام ضد الأمويين بسبب قصائد أحدهم، وهو سديف بن ميمون (قتل 146 هـ) مثلا. لكنّ تلك الفترة التي تلت صدر الإسلام، واختلفت فيها معاملة السّود على ما كانت عليه، دفعت كتابا ومؤرخين مسلمين مشهورين إلى التّذكير بفضائل هؤلاء البشر، كصحابة وفقهاء وشعراء ومتصوفة.

اشتمل كتاب “أثر السود في الحضارة الإسلامية” على ترجمات السّود المسلمين، في مختلف عهود الإسلام، منذ فترة النّبوة والخلافة الرّاشدة، مرورا بالعهد الأموي فالعباسي، حتى سقوط الخلافة العباسية ببغداد (656 هـ – 1258 م).

ويلفت الخيون إلى أنه بعد الفترة التي حصر بحثه فيها، أتي بالسود من بلدانهم الأصلية عبر تجارة الرقيق، لذلك نادرا ما يجدون الفرص السانحة التي تتيح لهم التقدّم اجتماعيا، مثل الفرص التي منحها الإسلام للأوائل من السود كفقهاء وشعراء.

صورة واضحة

احتوى الكتاب على بابين تضمنا عشرة فصول؛ الباب الأول، بحث في فصله الأول المصادر التي تناولت السّود، منها المختص بهم فقط، والمصادر العامة. أما الفصل الثّاني، فقد خصصه الكاتب لدراسة وضع السّود والعبودية قبل الإسلام، بداية من عهد بابل (قبل الميلاد) مرورا بالرّومان واليونان، ثم تسليط الضّوء على ما جاء به النّص التّوراتي من معاملة العبيد، وصولا إلى العهود الأوروبية المتأخرة، مرورا بالدّعوات لإلغاء العبودية وتجارة الرّقيق، متطرقا إلى تأثير ذلك على إلغاء العبودية وهذا النّوع من التّجارة ببلاد مصر وعمان وتونس والمملكة العربية السّعودية.

كتاب يتناول وضع السّود والعبودية قبل الإسلام وبعده

أما الفصل الثّالث من الباب الأول، فقد خصصه الخيون للبحث في مسألة العبودية ومعاملة السّود والعتق في الإسلام على وجه التّحديد، موضحا ذلك عبر النّصوص القرآنية والأحاديث النّبوية ومن الفقه الإسلامي، الداعية إلى التّرغيب في العتق أو الحرية، لافتا إلى وجود ثورات يمكن تسميتها حراكا اجتماعيا، أفرد لها الفصل الرّابع والأخير من الباب الأول، بعنوان ثورات السّود وتمرّداتهم، في ما قاموا به بالبصرة ثلاث مرات، وفي فترات مختلفة، وذلك لكثرتهم هناك. فقد حصل التّمرد الأول والثّاني خلال القرن الأول الهجري، بينما حصل التّمرد الثّالث في منتصف القرن الثّالث الهجري، وكان عبارة عن ثورة خطيرة على الخلافة العباسية، فقد طالت فيها معارك العبيد الزّنوج ضدّ الخلافة لمدّة خمس عشرة سنة بين كرّ وفرّ، حتى كادت تعصف بها وتدخل سامراء وبغداد.

أما التّمرد الرّابع، وهو الثّالث من حيث التّسلسل الزّمني فقد وقع بالمدينة، وقصته تختلف عن الثّلاثة، وذلك لصلته بطغيان الجند وعبثهم في الأسواق.

تناولت فصول الباب الثّاني السّتة، وما يعتبر مادة الكتاب الأساسية، سير وتراجم الأعلام السّود من المسلمين، ومن خلالها نتعرف على دور كلّ منهم، وفي مجاله بالتّحديد، وقد وقع توزيع هذه التّراجم أو السّير توزيعا زمنيا.

رصد في الفصل الأول شخصيات السّود في العهد النّبوي والرّاشدي، الّذين لعبوا أدوارا لا تقل عن أدوار الآخرين، في نشر الدّعوة الإسلامية والدّفاع عنها في سنواتها الأولى، بينما اختص الفصل الثّاني، من الباب الثّاني، بالشخصيات أو الأعلام السّود في العهد الأموي، وقد ظهر فيه الفقهاء والشّعراء وأهل الفن، أما الفصل الثّالث فتناول السّود في العهد العباسي، وفي أكثر من بلاد؛ العراق والشّام ومصر والأندلس، بينهم من صار حاكما أو وزيرا، ومنهم من اشتهر بالتّصوف، وكانت تلك الفترة بداية هذا المجال، ومن بينهم المقاتلون وحتى الأطباء الحجامون، وأهم شخصية في ذلك العصر هو عمرو بن بحر الجاحظ، وقد اعتمد الكاتب في ضمّه إلى السّود على رواية قريبه، رواها عنه أكثر من مؤرخ.

كما تطرق رشيد الخيون إلى النّساء السّوداوات وأدوارهن المختلفة، ومنهنّ صحابيات وشاعرات ومربيات، فأفرد لهنّ فصلا خاصا، وهو الفصل الرّابع من الباب الثّاني، وهذا التقسيم لا يدخل إلّا في اعتبار تقسيم الكتاب إلى فصول، وتسليط الضّوء على شخصياتهنّ، كلّ منهن على حدة من موقعها وفي زمانها.

لا وجود للعبوديّة في عالمنا اليوم، وإن وجد من يتحدث عنها فيعنيها على المجاز لا الحقيقة، كاستغلال ظروف جماعات من البشر والاتجار بهم
وتناول الفصل الخامس من الكتاب الشّعراء السّود، في مختلف أزمنتهم، وهو أوسع الفصول، وذلك لكثرة الشّعراء، وهم الذين تبنوا مواجهة الدّفاع عن أبناء جلدتهم بقصائد بنى مؤلفون عليها ما كتبوا عنهم، محاولين ردّ الدّونية بسبب اللّون، ومنهم من لعب دورا في الحوادث السّياسية والاجتماعية إيجابا أو سلبا، مثلما تقدّمت الإشارة.

أما آخر فصول الكتاب، وهو الفصل السّادس من الباب الثّاني، فكان مختصا بأبناء الحبشيات أو السّوداوات على العموم، من آباء من غير السّود، وهنا يأتي الالتباس بسبب اللّون، فكثيرا منهم عند الفخر بالسّودان عدّوا منهم، ومعلوم أن لأبنائهنّ، من الذين ذكرنا، حضورا في تاريخ الإسلام، من صدره وحتى نهاية الدّولة العباسية، فمنهم من تولى الخلافة مثل إبراهيم بن المهدي العباسي (ت 224 هـ)، ولم يعد من سلسة خلفاء بني العباس، والسّبب مجهول، إن كان بسبب والدته السوداء، أو بسبب وجود خليفة حي هو عبدالله المأمون، وكان قد أتى محله بانقلاب داخل بغداد.

قدّم الكتاب في مجمله صورة واضحة عن وجود السّود وحياتهم ومعاملاتهم في تاريخ الحضارة الإسلاميّة، وعن الحريات الجزئية التي منحت لهم، في ما يعرف بالعتق، ولم يمنع لون بشرتهم من تقديم مواهبهم كفقهاء وشعراء وقادة جيش، ووصولهم إلى أعلى مراكز السّلطة.

وقد تناولت هذه الدّراسة، بفصولها العشرة قضية تاريخية، إذ لا وجود للعبوديّة في عالمنا اليوم، وإن وجد من يتحدث عنها فيعنيها على المجاز لا الحقيقة، كاستغلال ظروف جماعات من البشر والاتجار بهم، ويأتي الكشف عن تاريخ العبودية إضافة إلى الفائدة المعرفية، ليميط اللثام عمّا تبقى من رواسب ذلك الموقف القديم تجاه السّود، الذين ارتبط لونهم بالعبودية أو الرّق، إذ أن الأعراف الاجتماعيّة تجاه السّود، وبعد إلغاء نظام الرّق بلا عودة، في العالم أجمع، ظلت تمارس، فالنّظرة الاجتماعية مازالت غير سوية تجاه المواطنين من أصول سود، مع أنهم ساهموا على قدم وساق إلى جانب الآخرين في بناء الأوطان والحضارات.

15