السود يحصدون جوائز الكتاب القومي الأميركية 2015

تأسست جائزة الكتاب القومي، والتي تعدّ أكثر الجوائز الأدبية عراقة في أميركا، عام 1936، من طرف اتحاد الناشرين الأميركيين، ولكنها توقفت خلال الحرب العالمية الثانية، ليعاد إطلاقها من جديد عام 1950. ومنذ تلك الفترة إلى اليوم تحتفي الجائزة كل عام بعدد من الكتاب داخل الولايات المتحدة، كما تهدف في المقام الأول إلى تعزيز القيمة الثقافية للكتابة الجيدة في أميركا. وقد أعلنت الجائزة أخيرا عن نتائجها بعد انتظار مشوق وتكهنات مختلفة بالأسماء التي ستنالها.
الثلاثاء 2015/11/24
روبين كوست لويس ترسم في قصائدها المرأة السوداء وتاناهاسي كوتس يفضح العنصرية الأميركية تجاه السود

مساء يوم الأربعاء، 18/11/2015، أعلنت مؤسسة الكتاب القومي الأميركية عن أسماء الفائزين بجوائز الكتاب، في فئاتها الأربع: القَصّ والشعر والأعمال غير القصصية وأدب الناشئة. ومنحت جائزة القصّ إلى الروائي آدم جونسون عن مجموعته القصصية “ابتسامات البخت”، ونالت الشاعرة السوداء روبين كوست لويس جائزة الشعر عن ديوانها “رحلة فينوس السوداء: وقصائد أخر”، وذهبت جائزة الأعمال غير القصصية إلى تاناهاسي كوتس عن كتابه “بين العالم وبيني”، وفاز بجائزة أدب الناشئة الروائي نيل شوسترمان عن روايته “تشالنجر دييب”.

وكانت أول جائزة تمنح في مجال القصّ من جوائز “جائزة الكتاب القومي الأميركية”، بعد إعادة إحياء الجائزة، من نصيب الروائي نيلسون ألغرين عن روايته “الرجل ذو الذراع الذهبية”، ثم ذهبت الجائزة إلى أسماء بارزة أخرى، من أمثال وليام فوكنر وسول بيلو وفيليب روث وجويس كارول أوتس وأليس ووكر وسوزان سونتاغ وغيرهم.

وأمّا أول جائزة في فئة الأعمال غير القصصيّة فكانت من نصيب سيرة الشاعر رالف والدو إيمرسون، والتي كتبها رالف راسك، ثم وفي السنة التي تلتها، فازت بالجائزة سيرة هيرمن ميلفيل التي كتبها نيوتن آرفن.

وكان وليام كارلوس وليامز أول من نال جائزة الشعر في العام 1950 عن ديوانه “باترسون”، ثم تبعه والاس ستيفنس عن مجموعته “ربّات فجر الشتاء”، ثم لحقه شعراء كبار آخرون من طراز دبليو. إتش. أودن وروبرت لويل وروبرت بلاي وإليزابيث بيشوب وفرانك أوهارا وألين غينزبيرغ وجون آشبيري وجيمس تييت ودبليو. إس. ميرون ولويس غلك وآخرين.

وأما جائزة أدب الناشئة، فهي حديثة العهد، انطلقت في العام 1996. وكان أول من فاز بها هو فيكتور مارتينيز عن روايته “ببغاء في الفرن”، ثم هان نولان عن روايته “الرقص على الحافة”. وفي العام الفائت ذهبت الجائزة إلى جاكلين وودسون عن روايتها “فتاة سمراء تحلم”.

آدم جونسون تغوص قصصه في تفاصيل الحياة

ابتسامات البخت السعيد

يعدّ آدم جونسون، المولود بداكوتا الشمالية في العام 1967، واحدا من أكثر الروائيين أهمية في أميركا اليوم. يقارنه النقاد بديفيد ميتشل وجورج صوندرز.

فازت روايته الثانية “ابن سيّد الميتم”، والتي تغوص عميقا داخل الحياة في كوريا الشمالية، بجائزة البوليتز في العام 2012. وها هي مجموعته القصصية، الثانية أيضا، “ابتسامات البخت”، تنال جائزة الكتاب القومي لهذا العام.

تتكوّن المجموعة، والتي صدرت عن دار راندوم هاوس، من ستّ قصص: “نيرفانا”، و”أعاصير مجهولة”، و”حقائق ممتعة”، و”جورج أورويل كان صديقي”، و”مرج معتم”، و”ابتسامات البخت”. ستّ حكايات من كوميديا سوداء وسوريالية تغوص عميقا في أحوال الحبّ وأسفار الخسارة والفقدان والكوارث الطبيعية ومدى تأثير التكنولوجيا على حيواتنا وإلى أيّ مدى تعمل الظروف السياسة على تكوين شخصية الفرد وتلخيص خياراته.

فعلى سبيل المثال، تتحدث قصّة “نيرفانا”، والتي فازت بجائزة الصنداي تايمز للقصة القصيرة، عن مبرمج مصاب بمرض نادر يعثر على سلواه في محاكاة رقميّة زائفة لرئيس الولايات المتحدة.

وفي قصة “أعاصير مجهولة”، والتي نشرت في أنطولوجيا “أفضل القصص القصيرة الأميركـــــية”، يبحث شابّ عن والدة ابنه في لويزيانا التي تهدمت جراء الإعصارين كاترينا وريتا.

وفي قصّة “جورج أورويل كان صديقي”، نتتبع حياة آمر أحد السجون في ألمانيا الشرقية والذي يتنصّل، جملة وتفصيلا، من ماضيه النازيّ ، حتى ولو وصلت أجزاء من ذلك الماضي إلى أعتاب بيته. وأما في قصّة “ابتسامات البخت”، يعود آدم جونسون إلى ثيمته الأثيرة، كوريا الشمالية، فيصور لنا منشقّين يحاولان تكييف حياتهما الجديدة في سيول، فيما لا يقدر أحدهما على نسيان المرأة التي تركها خلفه.

"ابتسامات البخت" ست قصص هي حكايات من كوميديا سوداء وسوريالية تغوص عميقا في ما يؤثر في حياتنا

رحلة فينوس السوداء

كان فوز روبين كوست لويس بالجائزة حدثا استثنائيّا، فلم يسبق لكتاب شعريّ أوّل أن فاز بهذه الجائزة العريقة، منذ أن ذهبت الجائزة إلى الديوان الأول للشاعرة مارلين هاكر “تعريف” في العام 1974.

وصف النقاد كتاب لويس هذا، والذي هو عبارة عن تأمل في الجسد الأنثوي الأسود عبر الزمن، بأنه كتاب مدهش وتحقيق شعريّ أخّاذ يستقصي، عبر قصائده الغنائيّة، ظلال معنى أن تكون المرأة سوداء، سواء في أميركا اليوم أو في العالم أجمع. كتاب طافح بالرؤى البانوراميّة من أحوال الأمومة وعذاباتها إلى منظر ولادة جاموس ماء في ليلة هنديّة، ومن السرديات التاريخيّة التي تمتح من عناوين وأوصاف الفن الغربي للجسد الأنثوي الأسود منذ غابر السنين حتى الزمن الحاضر، من الجسد المستعبد والملوّن والزنجي وحتى الجسد الأفريقيّ المعذّب في اللحظة الفارقة الآن في القرن الحادي والعشرين. الجسد الموثوق، وذاك الذي بلا رأس أو قدمين أو ذراعين. الجسد الذي عملت فيه السياط وغرّزت فيه الأيادي، جسد إيزيس وأفروديت. الجسد/ الألم الذي يبحث عن اسمه. ذاك الجسد/ الفيسفساء الذي وجدت الشاعرة معناه العميق في اقتباسها المدهش لأبيات من “جداريّة” محمود درويش، وضعتها عتبة لإحدى مقطوعاته: “هذا هو اسمكَ/ قالتِ امرأة،/ وغابت في الممرّ اللولبيّ…”

الكتب التي كانت قد وصلت إلى القائمة الطويلة من الجائزة

ما بين العالم وبيني

لم يحد تاناهاسي كوتس عن معنى اسمه الأول في “ما بين العالم وبيني”. فمعنى اسمه هو “النّوبة، أرض السواد” في اللغة المصرية القديمة. كتابه هذا رسالة طويلة يوجهها الكاتب إلى ابنه، يسبر من خلالها أغوار العنصرية الأميركية في مطلع القرن الحادي والعشرين.

كان مثاله في هذا الكتاب هو الشاعر والروائي والناقد الاجتماعي الأميركي جيمس بولدوين، فاستلهم رسالتيه المؤثرتين في عمله الأشهر “النار في المرة القادمة” (1963) “هزّة زنزانتي: رسالة إلى ابن أختي في الذكرى السنوية بعد المئة على تحرير العبيد”، وهي مقالة في شكل رسالة تتناول الدور المركزي للعنصرية في التاريخ الأميركي، و”نزولا على الصليب من إحدى أصقاع عقلي”، والتي يتناول فيها العلاقات المحورية بين العنصرية والدين، مركزا على تجربته الشخصيّة وعلاقته بالكنيسة المسيحيّة حين كان يافعا.

جاء كتاب كوتس في رسالة طويلة من ثلاثة أجزاء وجهها إلى ولده المراهق ساموري. رسالة طويلة يفتتحها بأبيات شعريّة للشاعرة الأميركيّة السوداء صونيا سانشيز تتحدث عن الشهادة وعن الذين يموتون كي نتذكرهم. كتاب عن معنى أن يفقد المرء جسده لكونه جسدا أسود في مجتمع تحكمه قوانين الرجل الأبيض. عالم لا يستطيع فيه الجسد الأسود أن يردم الهوّة التي بينه وبين الجسد الأبيض حتى ولو قلّصت تلك المسافة بصريّا. أقمار صناعيّة وشاشات تلفزة تنظر إلى ذلك الجسد بوصفه شريطا إخباريّا متواصلا وكلمات صمّاء.

إنها الحياة على حافّة النسيان إذن، الجسد الأسود وقد صار علامة للموت المجانيّ: كيف تعجز الدولة، ومن ورائها العقل الجمعي الأميركي، عن محاكمة رجال الشرطة البيض الذين يطلقون الرصاص على السود الأبرياء فيردونهم قتلى؟ صاخبا بهذا السؤال طورا، ثم هامسا به، في أطوار أخرى، نسمع تاناهاسي كوتس وهو يردّد، ليس في صفحات هذا الكتاب فحسب، وإنما في الصفحات الأولى من الجرائد وعلى أغلفة المجلّات “كيف سأعيش حرّا داخل هذا الجسد الأسود؟

15