السورية رولا أبوصالح تبحث عن الخلاص في لوحات تحتفي بالمهرّج

لوحات التشكيلية السورية تغرق في شعرية المحاكاة والتماهي الجوهري مع اللون.
الأربعاء 2021/09/15
لوحات خارجة عن حدود السن والملامح

دمشق - أسئلة كونية، وجودية لا تزال تُراود الإنسان منذ البدء وستبقى إلى الأبد تطرحها ست عشرة لوحة للفنانة التشكيلية السورية رولا أبوصالح لتشارك الآخر في البحث عن الخلاص.

واختارت أبوصالح في معرضها الفردي الثاني الذي تستضيفه صالة جورج كامل للفنون بالعاصمة السورية دمشق، حتى نهاية سبتمبر الحالي، القياسات الكبيرة كي تستطيع تحميل لوحاتها أسئلتها العميقة.

وأوضحت الفنانة أنها في معرضها السابق الذي أقامته في الصالة ذاتها في العام 2016، حاولت بثّ همومها من خلال الأطفال، أما في معرضها الجديد فقد رأت أن المهرّجين أقدر على حمل مقولات أسئلتها المليئة بالغرابة التي تجلت في وجوه الشخوص وعيونهم، فالإنسان يعيش في حالة ضياع وهو يبحث عن حقيقة الوجود.

وأكّدت أبوصالح أن كل شيء في لوحاتها يعكس الحالة الداخلية التي تنتابها كفنانة، لذلك اختارت لها الأبيض والأسود لتعكس من خلالهما التناقضات التي تعيشها في وجدانها، ولكنها تضفي عليهما، أحيانا، بعض الضربات اللونية ممّا يُضيء سطح اللوحة كما يضيء الأمل نفسها.

وتوضّح “الأسئلة التي طرحتها في لوحاتي شغلت حيّزا في الفلسفة والفكر الإنساني والحضارات القديمة والأساطير، أسئلة لم أجد لها إجابات، فدائما هناك شيء مجهول أو مخفي وإجابات غير شافية تحفّز فيّ فعل الرسم”.

وفي معرضها الجديد المحتفي بالمهرّج خرجت شخوص لوحاتها من حدود السن ببراعة، وكذلك حدود الملامح، فعلى المتلقي التخمين هل هم شبان أم كبار، سعداء أم تعساء، عاثرون أم ناجون، متخاصمون أم متصالحون؟

رولا أبوصالح: المهرّج هو الأقدر على حمل مقولات أسئلتي المليئة بالغرابة

وبالتالي غاب المكان في لوحتها وغاب الزمان، فقد أحالتهما إلى الكون لتحيّدهما عن التاريخ والجغرافيا، وتمنح نصها اللوني هوّية إنسانية كونية لا محلية ولا عربية ولا إقليمية.

وهي تعتمد في معظم لوحاتها العملاقة الأقرب إلى الجداريات على ثيمة المهرّج، لكن ليس مهرّج مسرح العرائس أو الاستعراضات البهلوانية الذي يتجوّل في بعض الشوارع العربية والأوروبية على حد سواء، بل مهرّج بطاقات “التاروت”، حيث تروي البطاقات قصة الرحلات الروحية أو قصة التطوّر الروحي للإنسانية نحو التنوير والتفرّد، وتنقسم إلى الأسرار العظمى والأسرار الصغرى عبر أربع مجموعات تمثل عناصر الكون: التراب والهواء والنار والماء. وتلك العناصر تحوّلت إلى ألوان لوحاتها التي يغلب عليها الأسود والترابي والأبيض مع القليل من الأحمر والأصفر، وهما لونا النار.

أما لماذا استحضرت الفنانة مهرّج التاروت في لوحاتها، وأخرجته من صورته النمطية كمهرّج ضاحك باكٍ؟، فعن ذلك تقول “لأنه تائه ضائع محتار يجهل كيف سيمضي يومه، وكيف سيكون غده؟ وهي حالة بشرية نعيشها جميعا، سواء تحت وطأة الحروب أو وطأة الحياة ذاتها بكل أزماتها وعبر كل الأزمان”.

فالجميع هنا حائر يبحث عن حبل الخلاص، ذلك الحبل الذي لاح جليا في لوحات أبوصالح، والكل يندفع يحاول الإمساك به، خشية الوقوع في الهاوية.

هكذا تغرق لوحات الفنانة الشابة في شعرية المحاكاة والتماهي الجوهري مع اللون، تاركة للمتلقي حرية التواصل الروحي مع اللوحة، إذ لا يمكن التوقّف عند لوحة بمفردها دون النظر إليها كحلقة من مشروع متكامل يكشف عن نفسه مع كل بناء جمالي تقترحه أبوصالح التي تنتصر لفرشاة ألوانها محاولة إعادة إنتاج الحياة بوجوه أطفال يقولون الحياة على طريقتهم الخاصة، أو عبر مهرّجين يسخرون من الحياة وأحوالها بأعين شبه باكية.

وعن المعرض قال الفنان التشكيلي الفلسطيني علي الكفري “معرض أبوصلاح الثاني فيه من المآسي والعمق والغرابة الشيء الكثير، إلاّ أنه رغم سوداويته يضجّ بالأمل، فالأبيض هو لون الحياة ومكوّن من ألوان قوس قزح ومنه تنبع جميع الألوان”.

وأضاف “أبوصالح استطاعت من خلال هذا المعرض، وبكل ثقة، أن تضع قدمها على الساحة التشكيلية السورية، فأعمالها قوية وتبشّر بمستقبل واعد مفروش بالورود”.

أما الفنان السوري زياد قات فرأى أن الدهشة هي الشعور الأول الذي ينتاب الزائر لمعرض أبوصالح، واصفا الفنانة بالجريئة والواثقة من نفسها ومن خطواتها، مضيفا “للفنانة قدرة عجيبة على التعامل مع الألوان، خاصة الرمادية منها، التي عبّرت من خلالها عن مقولاتها ذات الهمّ الإنساني، رماديات تشعرنا بالفرح والحزن والأمل والإحباط في آن واحد وبتكوين يضاهي كبار الفنانين”.

وتجاوزت الفنانة أبوصالح في معرضها الثاني محيطها الاجتماعي لتدخل نحو ذاتها أكثر، باحثة عن لغة اللون في معنى الخيال اللامتناهي، وهي في ذلك لم تتأثّر بأشخاص بشكل مباشر، ولكنها كانت مشغولة بالتاريخ وسراديبه وألغازه، وفي ذلك تقول “لم يكن هناك فنانون في عائلتي أو أقاربي أو حتى الجيران، دائما كنت أتمنى أن أقابل فنانا وأنا صغيرة، لأحاول تلمّس شيء من الفن عن قرب وأتعلم بعض التقنيات، فلم أجد، وبالتالي لم أتأثّر بأحد..!”.

رولا أبوصالح: المهرّج هو الأقدر على حمل مقولات أسئلتي المليئة بالغرابة
رولا أبوصالح: المهرّج هو الأقدر على حمل مقولات أسئلتي المليئة بالغرابة 

ومع ذلك تُشير الفنانة السورية الشابة إلى أنه كان لرسومات كتب المدرسة وقعها المحبّب لديها، خصوصا رسومات الفنان السوري ممتاز البحرة، قائلة “كانت رسومات ممتاز متعتي الوحيدة في الطفولة، ثم بعد ذلك جاءت الأساطير البابلية، التي فتحت رسوماتها أبوابا واسعة لمخيلتي. أتذكّر أنني كلما قرأت كتابا إلاّ وذهبت في تخيّل الشخصيات، وكيف عاشت في تلك الأزمنة، كنت أشعر كما لو أنها حقيقية ونحن الأساطير”.

ولا تعتقد أبوصالح أن فكرة أي مشروع قد تتوقّف أو تنتهي بل تكون بداية تمهيدية لفكرة كبرى تمتد إلى باقي أعمالها، فغالبا ما تطاردها الأفكار التي تنغمس فيها بعد القراءة لترسمها، فهي امتداد لما بدأت فيه وكل ذلك متواصل مع ما قبله وبعده إلى ما لا نهاية.

وتعترف الفنانة بأنها بالتوازي مع الرسم في قراءات مختلفة لمجموعة مختارة من الكتب، ليس هناك نوع محدّد، فهي تقرأ عدة كتب في وقت واحد، قراءة تقول إنها “بحثية”، إذ قد تبدأ بكتاب وتشدّها كلمة أو جملة فتذهب نحو البحث عمّا ترمز إليه في المصادر وهكذا..

وتقول “تجدني أقرأ أكثر من كتاب في وقت واحد، فالقراءة تشحن طاقتي ومخيلتي وتعطيني الدافع الكبير لأنسج لوحتي كما أتخيّلها، تشدّني الروايات والأساطير والشعر والمسرح وكتب الفيزياء والخيال العلمي، بالإضافة إلى الكتب الفنية العالمية بشكل عام والفن السوري بشكل خاص، فمن الضروري أن يعرف كل فنان من هم رواد الفن في بلده وماذا قدّموا للفن وماذا أضافوا إليه؟”.

وتقنيا، تنتمي تجربة أبوصالح إلى المدرسة الواقعية لكنها ليست واقعية تماما، حيث أنها تعمل على التداعيات المشهدية بعد اللحظات الأولى لولادة اللوحة، وعن ذلك تقول “أبدأ العمل بفكرة ما أو متأثرة بمشهد رأيته أو مطبوع في ذاكرتي من السابق، وحين يصل العمل إلى برّ الأمان وأقترب من الوصول إلى الحقيقة أجد اللوحة تأخذ مسارا آخر وتخرج من إطار الواقعية وتذهب باتجاه آخر.. إنها تكمل طريقها لوحدها، أشعر أنّني أفقد السيطرة العقلانية، وهكذا أبدأ بالتلوين بفطرية حتى تعجبني، عندها أشعر أنها انتهت، مستخدمة في ذلك الألوان الزيتية والأكريليك والمواد المختلفة على قماش، حسب ما تتطلبه الفكرة ونضوجها أمامي، وهنا تخدمني المساحات الكبيرة لأفعل كل ما أشاء”.

Thumbnail
15