السوريون المحاصرون يبدعون طرق تأمين حياتهم

مع استمرار حصار النظام السوري لمناطق عديدة في ربوع سوريا وانعدام أبسط مقومات الحياة بها، يلجأ الأهالي إلى ابتكار وسائل وأدوات جديدة لتعويض النقص الحاد في موارد الطاقة التي حرموا منها، وذلك لتأمين الكهرباء والمازوت والبنزين والغاز، تلك المواد النادرة وغالية الثمن إن توفرت.
الاثنين 2016/09/19
الحاجة أم الاختراع

حلب - “الحاجة أمّ الاختراع” مثل ينطبق تماما على السوريين الذين يعيشون الحصار في تدبير أمور حياتهم وتوفير الضروريات النادرة، والتي إن توفرت فثمنها يفوق قدرة الأهالي الذين يعانون من قلة ذات اليد.

في حلب وقبلها في غوطة دمشق ومخيم اليرموك ودوما وإدلب ابتكر السوريون تقنية لاستخراج مادتي المازوت والبنزين من المواد البلاستيكية التالفة قصد تشغيل المولدات الكهربائية للإنارة واستخراج الماء من الآبار، بل وتشغيل الدراجات النارية وحتى السيارات، كما تمكنوا من استخراج غاز الميثان من روث الحيوانات وتعبئته ليصبح صالحا للطهي بتكاليف زهيدة.

كان أبوأحمد وجاره محمد إبراهيم يجمعان البلاستيك المنتشر بين حطام الأبنية المدمرة في أحياء حلب الشرقية، فبعد حصارٍ حرم السكان من المحروقات وجد الرجلان في المازوت المصنّع يدويا من البلاستيك حلا يساعدهما على توفير الوقود الضروري للمولدات الكهربائية.

حدثنا أبوأحمد (40 عاما) قبل وفاته أثناء عمله “لقد فقدت من الأسواق جميع أنواع المحروقات من مازوت وبنزين وغاز، ولكونها مواد ضرورية، قررنا البحث عن حلول بديلة”.

لقد دفع انقطاع الكهرباء الدائم بأبوأحمد وجاره محمد إبراهيم إلى استخراج المازوت من البلاستيك لاستخدامه في تشغيل المولدات الكهربائية بحي الصاخور حيث يسكنان. وفي شارع ترابي الذي غطاه ركام الأبنية المدمرة في حي الصاخور، يملأ ثلاثة عمال براميل سوداء اللون بالبلاستيك، ثم يغلقونها جيدا قبل أن يضعوها فوق موقد حجري يحرقون تحته الأخشاب والقماش.

وتقتصر تقنية استخراج المازوت المصنع يدويا، وفق أبوأحمد، على وضع البلاستيك في براميل يتم تعريضها لحرارة عالية حتى الغليان لمدة 12 ساعة، ومن ثم يصعد البخار الناتج عنه في أنبوب مثبت بالبرميل يمرّ عبر حوض من المياه ليتم تبريده، فتخرج من الطرف الآخر مادة صفراء اللون، هي المازوت المصنع يدويا. قال أبواحمد “بعد البحث على الإنترنت، رأينا ما يقومون به في الغوطة (الشرقية) لتوفير المحروقات، وصنعنا الشبكة ذاتها”.

وللعمل في حرق البلاستيك آثار سلبية على صحة العاملين، بسبب التعرض خلال العمل إلى كميات كبيرة من الدخان والغازات الناتجة عن الاحتراق، فضلا عن خطورة المزيج الذي يتعاملون معه، وقابليته للاشتعال أو الانفجار في مراحل معينة، خاصة مع عدم وجود أيّ من وسائل الوقاية أو العوامل اللازمة للحماية من أخطار العمل.

وأثناء قيام أبوأحمد بعمله انفجر أحد البراميل ما أدّى إلى إصابته برفقة أحد العاملين معه بحروق بليغة، توفيا على إثرها.

محروقات مستخرجة من البلاستيك

ويعدّ نقص الوقود من أبرز المشكلات التي يواجهها سكان أحياء حلب الشرقية حاليا، فلا تعمل المولدات الكهربائية حاليا سوى ثلاث ساعات يوميا في بعض الأحياء، وفي أحياء أخرى لا تعمل أبدا.

وبالإضافة إلى انقطاع الكهرباء الدائم، فقد غابت بشكل شبه كامل السيارات عن شوارع الأحياء الشرقية، وبات السكان يتنقلون مشيا على الأقدام فلا سيارات أجرة متوفرة ولا حافلات نقل.

وفي حال توفر المازوت فإن سعره مرتفع جدا، فقد بلغ سعر اللتر الواحد 1200 ليرة سورية (2.3 دولار) مقابل 350 في السابق. والأمر ذاته ينطبق على البنزين، فقد بلغ سعر اللتر خمسة آلاف ليرة مقابل 500 في السابق.

وبحسب أبوأحمد “من الصعب على المواطن أن يشتري المازوت في هذه الظروف، لكننا استطعنا توفيره بنصف القيمة تقريبا”.

لقد تمكن أبوأحمد والعاملون معه “من استخراج قرابة 70 أو 80 لترا من المازوت يوميا”.

وتستخدم هذه الكمية أساسا في تشغيل المولدات الكهربائية، غير أنها لا تكفي إلا ليوم واحد فقط، لكنها تتيح على الأقل للسكان ضخ المياه من الآبار.

يقول محمد إبراهيم بدوره “ليست غايتنا أن نحصل على الربح، وإنما أن نقدم مساعدة لحارتنا من خلال تأمين الاكتفاء الذاتي بعدما توقفت المولدات الكهربائية عن العمل”.

وهناك العديد من الصعوبات التي تعيق استخراج المازوت من المواد البلاستيكية التالفة، إذ لا توجد كميات كبيرة متوفرة منه إضافة إلى عملية تجميعها من قبل الأطفال التي قد تعرضهم للعديد من المخاطر.

وفي حي الزبدية، يقول مصطفى مرجان (30 عاما) “أنا لا أريد فقط أن يتوقف القصف بتجديد هذه الهدنة وإنما أريد أن يسمحوا بدخول الخضار والمحروقات”، مضيفا “كيف سنطهو ونطعم أطفالنا ولا يوجد أيّ نوع من المحروقات في السوق؟”.

إنتاج الغاز

يقول أبوعلي من غوطة دمشق إن الحاجة أمّ الاختراع فالتجارب أوصلت البعض إلى طريقة لإنتاج المحروقات من مازوت وبنزين، وتُوِّجت هذه التجارب أيضا بتجميع الغاز الناتج عن عملية التقطير وضغطه في أسطوانات، وتوفير الغاز الطبيعي للمنازل، بأسعار أقل من نظيره المعبأ خارج الغوطة.

أبوأحمد: من الصعب على المواطن أن يشتري المازوت في هذه الظروف، لكننا استطعنا توفيره من البلاستيك بنصف القيمة تقريبا

ويشرح مهندس من الغوطة عملية إنتاج الغاز من البلاستيك “تتألف عملية تكرير البلاستيك إلى غاز من ثلاث مراحل، الأولى مرحلة التصفية، حيث يتم تحويل البلاستيك إلى غاز من خلال مستويين أعلى وأدنى، حيث يوضع البلاستيك في برميلين. والثانية مرحلة التكثيف، وتتمّ فيها عملية تكثيف الغاز وترقيده وإزالة الشوائب العالقة به. والمرحلة الثالثة هي مرحلة الضغط، حيث يضغط الغاز عبر جهاز ضاغط يعمل على الديزل المأخوذ أصلا من البلاستيك أيضا، ويتحول من الحالة الغازية إلى الغاز المسال، ثم تتمّ تعبئته في أسطوانات صالحة للطهي والتدفئة”.

ويتفق العاملون في تكرير البلاستيك التالف على أن المحروقات المستخرجة من البلاستيك، أقل جودة من مثيلاتها المستخرجة من البترول، لأنها تتسبب في مشكلات للمحركات والآليات على المدى الطويل، ولكنها تفي بالغرض في الوضع الحالي للمدن والبلدات التي تعاني من الحصار، إضافة إلى أنها أرخص من مثيلاتها المستخرجة من النفط.

ويقوم سوريون آخرون باستخراج غاز الميثان من روث الحيوانات عن طريق وضعه في حفر كبيرة وتركه ليتفاعل مدة معينة من الزمن، فينتج عنه غاز الميثان في نهاية الأمر، غير أن هذه الطريقة لا تصلح في فصل الشتاء بسبب الحاجة إلى درجات حرارة مرتفعة.

ونجح مزارع، بإجراء تجربة لإنتاج الغاز الحيوي من روث الأبقار، وأصبح لديه اكتفاء ذاتي من مادة الغاز تكفي حاجة عائلته، حيث أنتج من الغاز الحيوي شهريا كمية في حدود ست أسطوانات، واستطاع به تشغيل مجموعة الكهرباء في مزرعته.

يقول المزارع “قمت بالبحث في الإنترنت عن طرق علمية تتعلق بإنتاج الغاز الحيوي والتعرف إلى مدى نجاحها وإمكانية تطبيقها، وقمت بإحضار الأجهزة اللازمة لذلك بعد اطلاعي على شكل وتكوين المخمر وممّا يتألف، وبعد إجراء التجربة تمكنت من إنتاج الغاز الحيوي من روث الحيوانات”.

وأضاف “أعطت التجربة نتائجها بعد شهر من العمل المتواصل، حيث قمت بتصميم خزان بالعرض مع تهيئة حفرة في الأرض عمقها ثلاثة أمتار مغطاة بمكبس متحرك من الصّاج المقوى وبقطر دائري يبلغ 2 متر، وتم وصل خرطوم الغاز إلى الخزان بطول 30 مترا، لتنقية وتصفية الغاز وتخليصه من الشوائب الموجودة فيه، ثم تمّ وصله على رأس الغاز مباشرة فأصبح يعطي الغاز الطبيعي الحيوي”.

كهرباء من الرياح

بأدوات بسيطة تمكن البعض من السوريين من تصميم نموذج من الطواحين الهوائية بطريقة مختلفة كليا عن مثيلاتها التقليدية المولدة للطاقة الكهربائية.

وانتشرت في المناطق المحاصرة طواحين هوائية نتيجة انعدام الوقود وارتفاع سعره، وفي ظل استمرار قطع التيار الكهربائي عن مناطق ومدن كثيرة.

ففي غوطة دمشق وضع سوريون طواحين بأحجام مختلفة على حافة الأنهار لتتحرك بواسطة جريان الماء، وبحسب ناشطين فإن العنفة الصغيرة تولد تيارا بقوة 12 فولت، أما الكبيرة فهي تولد كهرباء بقوة 220 فولت.

وتصنع هذه الطواحين بشكل يدوي وبأدوات بسيطة في ورشات حدادة عن طريق تركيب مروحة قطرها حوالي 1.5 متر مثبتة على ارتفاع 15 مترا عن سطح الأرض وتدور شفراتها بقوة الرياح وذلك للاستفادة من طاقتها، فكلما كبر قطر الطاحونة كلما ازداد نسق دورانها. واستعان مهندس مقيم في غوطة دمشق بصفائح معدنية وبعض الأسلاك، لإقامة طاحونتي هواء، وذلك بهدف توليد الطاقة الكهربائية الغائبة عن الغوطة منذ بدء الحصار.

يقول المهندس إن الأمر استغرق شهرا كاملا من التجارب لاختيار قطر المروحة وعلوّها ليتناسبا مع سرعة الرياح في المنطقة.

وتطلّب الأمر تحديد النقطة الجغرافية المثلى لنصب الطاحونة، علما أنها يجب أن تكون ضمن مساحة مفتوحة تشهد حركة رياح دائمة.

طواحيين هوائية على الطريقة السورية

ويضيف موضحا “دمشق ليست من المناطق المناسبة جغرافيا لوضح طواحين هوائية، ولكون هذه الطواحين ليست مصنوعة بدقة، فإنها لا تولد الكهرباء بحسب الحاجة، إلا أنها تجعلنا قادرين على قضاء البعض من الحاجات في ظل الحصار، كالشحن والإنارة وغيرها”.

ويشرح المهندس عمل الطاحونة قائلا، إن الواحدة تتكون من مروحة ذات ثلاث شفرات، وترتفع 15 مترا عن سطح الأرض. وحين تحرك الرياح المروحة تنتج طاقة حركية تتحول إلى طاقة كهربائية.

ويلفت إلى أن توليد هذه الطواحين للكهرباء ليس مستقرا، إذ يعتمد على سرعة الرياح. لذا، فالاستخدام الأمثل لها يتطلب تخزين الكهرباء الناتجة عنها في بطاريات كبيرة.

وأصبحت العشرات من البيوت تؤمن الكهرباء عن طريق الطواحين البديلة، ويعمل القائمون على هذا الاختراع بنشره بشكل واسع نظرا لكلفته البسيطة وعمله الجيد، وأصبحت الطواحين تباع في الأسواق وهي إحدى الطرق لمواجهة آثار الحصار المطبق على الغوطة.

ومن الابتكارات التي لجأ إليها السوريون المحاصرون توليد الكهرباء باستخدام الدراجة الهوائية لتوليد الطاقة، وذلك بعد تعديل دوراتها لتحوّل التيار الناتج عن التدويس ودوران العجلة من 12 فولت إلى تيار بقوة 220 فولت.

وابتكر قاطنو مخيم اليرموك آلة بسيطة لتأمين الماء الصالح للشراب من الآبار، وتعمل هذه الآلة بمبدأ ضغط الزيت (الهيدروليك)، من خلال دواستين متقابلتين ترتبطان بمحور وأنبوب لسحب المياه من أماكن بعيدة عند الدوس عليه.

وعلى الرغم من بساطة الوسائل المستخدمة في صنع هذه الأدوات المبتكرة لإنتاج موارد الطاقة إلا أن حالة الحرب التي تعيشها المنطقة والفقر المدقع الذي يتسبب فيه الحصار يحولان دون حصول الكثير من الأهـالي على هذه الوسائل أو الاستفادة منها.

20