السوريون بعد الفلسطينيين.. لبنان مازال يقاوم توطين اللاجئين

يمثل توطين اللاجئين السوريين في لبنان هاجسا مؤرقا لكل قواه ومكوناته، فالذاكرة اللبنانية تعجّ بإشكالات جمّة مرتبطة بتوطين الفلسطينيين وصرف نظرهم عن العودة إلى الديار المحتلة. ولعل لبنان بالذات هو الذي يجب أن يكون خارج دائرة الخطر من جرّاء اللاجئين لأن البلد يعيش منذ عقود على وقع النزاعات الطائفية المرتبطة بمحاور إقليمية. وغالبا ما تكون تلك النزاعات مسلحة كما هو الحال مع حزب الله، ما يزيد الأمر خطرا وتعقيدا.
الجمعة 2016/04/22
سنرجع يوما

تعيد مسألة توطين اللاجئين السوريين في لبنان إحياء مخاوف لبنانية قديمة، تتصل بالمراحل التي تعاقب فيها على حكم البلاد واستباحتها النظام السوري والوجود الفلسطيني. لا تنفصل هذه المسألة وبنية التعاطي معها عن واقع الانقسام اللبناني الحاد الذي يوزع الولاءات على المحاور المتصارعة في المنطقة بطريقة حربية، تتمثل في الانخراط العسكري والميداني المباشر كما هو حال حزب الله، أو عبر الدعم السياسي والتأييد المعنوي كما هو حال تيار المستقبل والقوى المتحالفة معه.

كل القوى المتصارعة في المنطقة صارت تتماهى مع بعضها البعض بشكل مخيف بحيث صارت مهمة البحث عن تمايزات مهمة صعبة. ويمثل النزوع الحربي، والرغبة في دفع الأمور في اتجاه الحسم الميداني سمة عامة تتسلط على كامل منطق إدارة النزاعات. من هنا بات النزوح السوري إلى لبنان والذي أنتج أزمة التوطين مادة للسجال الحربي بين الأطراف المتنازعة، وتقلص الاهتمام بالناحية الإنسانية إلى حدوده الدنيا.

شهد لبنان خلال هذه الفترة سلسلة زيارات دولية تتصل في معظمها بأزمة التوطين، من زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، دون أن يتمّ الشروع في إنتاج حل لهذه المشكلة التي باتت عنوانا لتجاذب حادّ، ينذر في أيّ لحظة بخروج مفاجئ من دائرة التراشق الإعلامي والسياسي والدخول في دوامة الاحتراب الميداني.

اللبنانيون ورعب التوطين

تناسلت من عنوان التوطين سلسلة من الأزمات تتصل بالعنوان الديمغرافي الذي طالما كان يشكل أزمة بنيوية لبنانية عامة ورعبا عند الطوائف التي لا تملك حضورا أكثريا. ويرتبط هاجس التوطين في وعي المسيحيين والشيعة بهاجس المدّ السني الموصول بالعنوان التكفيري الداعشي وسواه. يضاف إلى ذلك أن تردّي الأوضاع الاقتصادية إثر الانسحاب الخليجي من لبنان على جميع المستويات، تسبب في نشوء نظرة لبنانية عامة، وليست محصورة بطرف محدّد، تنظر إلى اللاجئين السوريين بوصفهم شركاء غير مرغوب فيهم في موارد رزقهم، كما أن المعالجة الأمنية السلبية لموضوع اللجوء السوري، جعلت منهم قنابل موقوتة جاهزة للانفجار في اتجاهات لا يمكن ضبطها أو التحكم بمساراتها.

التوطين ليس مفردة عابرة في اللاوعي اللبناني بل تتصل بأزمة وجودية كبرى، تعززها الوقائع الدولية والإقليمية التي كشفت عن لا مبالاة مطلقة بمصير لبنان وبمصير السوريين. وقد نجح الإرهاب في كسر علمانية أوروبا وانفتاحها، وعزز الوعي الديني بالهوية فبات اللاجئ السوري القادم من منطقة الأزمات كائنا غير مرغوب فيه ويمثل تهديدا لشكل الحياة الأوروبية ولكل سياقاتها. من هنا صارت فكرة تقسيم المنطقة إلى جملة دويلات أقلوية الطابع، وتفكيك الوجود الأكثري السني في المنطقة، وتوزيعه على دول اللجوء الحالية، وأبرزها لبنان، فكرة تتسم بواقعية تنسجم مع مسار الحوادث وآليات عمل المجتمع الدولي.

ينظر إلى التوطين ضمن إطار مشاريع تفكيك المنطقة إلى دويلات أقلوية طائفية بغية منح إسرائيل الشرعية

يقرأ معين المرعبي النائب اللبناني طبيعة أزمة التوطين ويحدد آليات تلقيها عند اللبنانيين قائلا “لقد شهدنا هذه الظاهرة سابقا مع إخواننا الفلسطينيين، ونحن اليوم نرى معاناتهم التي تتزايد يوما بعد يوم في كل بقاع الأرض. الحق في التخوف من هذا الموضوع طبيعي، ولكننا على ثقة تامة أن السوري لديه قناعة، تبلورت من معايشته للتجربة الفلسطينية، تؤدّي إلى عدم السماح لأن يعاد إنتاج التجربة الفلسطينية معه، اللبناني كذلك لديه من المعرفة ما يمنع من تحقيق رغبات الآخرين على أرضه”.

ويرى المرعبي أن التوطين هو مشروع غربي مرفوض لبنانيا وسوريا، ويعتبر أن المجتمع الدولي “يقدّم الكثير من المغريات للدول المحيطة بسوريا من أجل تخفيف وطأة الهجرة إلى الغرب. نحن كلبنانيين وسوريين نرفض التوطين بشكل قاطع ونهائي، ولسنا بحاجة لتغليب أحد على أحد كي نرضى بالتوطين”. ويصرّ النائب المرعبي على أن رفض التوطين لا يخضع لاعتبارات طائفية ومذهبية، ويؤكد على أن التيار الذي يمثله ينظر إلى الموضوع من الزاوية الوطنية البحتة قائلا “من حقنا أن نتنبه ونتابع، وأن لا نغفل عن أيّ شيء وأيّ أمر، ورفض التوطين يأتي في سياق تأكيد المؤكد”.

المكان الطبيعي والنهائي للشعب السوري وفق المرعبي هو “على أرضه في سوريا، فالسوري لا يقبل بأن يكون مواطنا من الدرجة الثانية في أيّ بلد آخر. هذا الأمر هو من المسلمات ويجب علينا العمل من جهتنا كلبنانيين على التأكيد على التعاطي الإنساني مع اللاجئين ومساعدتهم على العودة إلى منازلهم ومدنهم”.

بريطانيا تعتزم استقبال 3 آلاف طفل سوري
لندن - قال جيمس بروكنشاير، نائب وزير الداخلية لشؤون الهجرة والأمن البريطاني، إن "بلاده تعتزم استقبال 3 آلاف طفل من اللاجئين السوريين، لغاية العام 2020". وأوضح بروكنشاير، في بيان له، الخميس، أن الأطفال المذكورين، ليسوا ضمن الـ 20 ألف لاجئ الذين قررت الحكومة البريطانية العام الماضي، استقبالهم في البلاد بحلول 2020. وأضاف أن برنامج "إعادة توطين الأطفال" يشمل أطفالا معرضين لخطر الزواج المبكر والاستغلال جراء الأزمة الإنسانية وآخرين دون ذويهم.

وكان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، أعلن العام الماضي، أن بلاده ستستقبل 20 ألف لاجيء على مدى السنوات الخمس المقبلة، من مخيمات اللجوء في تركيا ولبنان والأردن، وستمنح الأولوية للأطفال المعرضين للأذى كالأيتام، في إطار برنامج "إعادة توطين الأشخاص المعرضين للخطر".

وسبقت ذلك انتقادات وجّهتها الكنيسة الكاثوليكية في بريطانيا لرئيس الوزراءواصفة ما قدّمه للاجئين السوريين، حتى الآن، بـ"الأمر المخيّب". وقال الكاردينال فينسيت نيكولاس، رئيس الكنيسة الكاثوليكية في بريطانيا، إن ما قدمه ديفيد كاميرون «لا يرقى للمأمول من دولة عظمى كبريطانيا».

وقارن الكاردينال نيكولاس بين العدد الذي تستقبله دولة صغيرة كلبنان مع العدد الذي استقبلته الحكومة البريطانية مع فارق الإمكانيات والموارد الاقتصادية بين البلدين، مطالبا حكومة بلاده بأن «تتصرف على نحو أكثر إنسانية تجاه هذه الأزمة المتفاقمة».

حرب أهلية

يرى الباحث والكاتب السياسي فداء عيتاني أن موضوع توطين اللاجئين السوريين في لبنان وفي كل مناطق اللجوء السوري، هو مشروع أوروبي أميركي تتمّ تهيئة الظروف لتمريره، وخلق الظروف التي تجعل منه أمرا واقعا لا سبيل لتفاديه.

ويقدّم عيتاني قراءة يعتبر فيها أن “هناك حديثا أوروبيا أميركيا حول موضوع توطين السوريين من جهة، ولكن من جهة أخرى فإن الأعداد الكبيرة الموجودة في وتركيا ولبنان لن تعود حتما في الوقت القريب بسبب الثورة؛ فهؤلاء اللاجئون مجهولو المصير، خصوصا مع ورود تقارير تؤكد أن 40 بالمئة من الوحدات السكنية في سوريا مدمرة بالكامل إضافة إلى البنى التحتية، كذلك لا بدّ من الإشارة إلى الموضوع الاجتماعي حيث أن مناطق القتال هي المناطق الفقيرة التي يقطنها الجزء الأكبر من الشعب السوري مع وجود حوالي 7 ملايين لاجئ سوري في العالم. هذه العوامل مجتمعة تدفع بهذا الاتجاه”.

يرى عيتاني أن التوطين القانوني والشرعي للاجئين السوريين في لبنان ليس أمرا يسهل إنجازه، لأنه لا يمكن أن يتمّ دون تفجير كامل للأوضاع الأمنية واستقرار البلاد. ويقول في هذا الصدد “التوطين بمعنى إعطاء اللاجئين السوريين وضعا شرعيا في لبنان صعب جدا، سواء دفعت باتجاهه السعودية أو إيران أو أي طرف آخر لأنه يفجر مشكلة في البلد، المسألة ليست في توطينهم في لبنان بل تتعلق بمصيرهم لاحقا. الفلسطينيون منذ فترة الـ48 و67 لم يتم توطينهم، ويعيشون في غيتوات معزولة وملاحقة من الدولة اللبنانية”.

ويضيف عيتاني قائلا “السوريون يتعرضون اليوم لممارسات أسوأ مما كان الفلسطينيون قد تعرضوا له سواء في سوريا أو في لبنان. أميركا وأوروبا والمجتمع الدولي يريدون أن يبقى السوريون في مكان ما في النهاية، لأنهم رفضوا استقبالهم عبر إغلاق حدود ليبيا وتركيا، وصعبوا عملية وضع انتقالهم من لبنان. دول اللجوء مثل تركيا قبضت ثمن استقبال اللاجئين بشكل مضاعف إن ماليا، وإن عبر طلبها إلغاء تأشيرة دخول الأتراك إلى أوروبا. وهو ما يتوقع أن تتم الموافقة عليه في الفترة القادمة”.

المعالجة السلبية لموضوع اللجوء السوري جعلت منه قنابل موقوتة جاهزة للانفجار في اتجاهات لا يمكن ضبطها

وينتقد الباحث اللبناني طريقة التعاطي اللبناني مع أزمة اللجوء السوري ويعتبر أن “اللبنانيين هم أسوأ من تعامل مع موضوع اللاجئين. لقد تعاطوا مع هذه المسألة المعقدة والشائكة من دون خطة أو منهج فأقاموا مخيمات عشوائية، وكرسوا منطق تعامل مع هذا الموضوع أساسه الفساد وسوء الإدارة”.

رئيس الوزراء البريطاني قام إثر زيارته الشهيرة إلى لبنان بتقديم هبات ومساعدات للجيش واللاجئين مقابل إبقائهم في لبنان، وكل هذا نتيجة لـ”سوء النظام والفساد وضعف الحكومة، فالمنطقة كلها في طريقها إلى التفكك ووضع نحو الأسوأ، وفي لبنان أزمة التوطين تعطي أسبابا إضافية لقيام حرب أهلية جديدة”.

ويربط النائب عن التيار الوطني الحر آلان عون بين السياقات التي تقدم فيها عملية مساعدة السوريين في لبنان وبين تسهيل عملية التوطين. ويعتبر أن هناك جهودا تبذل تحت عنوان تسهيل عيش السوريين في لبنان، ولكنها تتخذ عمليا طابع خلق مناخ يمهد للتوطين ويجعله مكرسا بقوة الأمر الواقع.

ويعرض وجهة نظره في هذا الموضوع قائلا “نحن نحكم على ما نراه من محاولة تشجيع اللاجئين على بقائهم حيث هم بدلا من تشجيعهم على العودة. حين وقعت الهدنة لم يتمّ تشجيعهم على الرجوع إلى مناطقهم في الوقت الذي كان يجب فيه أن تنصبّ كل الجهود في سبيل خلق تسهيلات تمهّد لعودتهم. كل التدابير التي تؤخذ من أجل مساعدتهم في إيجاد فرص العمل والسكن، والكلام على عودة اختيارية وليس إجبارية، يجعلنا غير مرتاحين، ويزيد شكوك اللبنانيين بأنه، عمليا، يتمّ السعي إلى بقاء اللاجئين في البلدان التي تحتضنهم بشكل يصل إلى حدود التوطين”.

الأزمة الإنسانية في لبنان

ويرفض عون الحجج التي تساق حول عدم إمكانية العودة ويعتبر أن هذه الحالة “قد تنطبق على البعض، ولكن ليس على الجميع، وكما هم في مخيمات في لبنان، يمكنهم أن يسكنوا في مخيمات في بلادهم”.

يتحدث النائب آلان عون عن المخاوف الديمغرافية، والإخلال بالتوازنات اللبنانية الدقيقة التي من الممكن أن يتسبب فيها موضوع التوطين. ويحدد المشكلة في نظره معتبرا أن “الموضوع الديمغرافي يدخل في الشكوك والهواجس المطروحة، وعدم تسهيل عودة اللاجئين يفتح الباب أمام الشكوك، الأمر الذي من شأنه أن يسيء إلى وحدتنا وعلاقتنا داخليا، وتهيئة المناخ لتحليلات كارثية تربط بين التوطين ومخطط التسبب في صدام سني شيعي، وتغيير ديمغرافي في البلاد”.

ويتابع “لبنان قائم على توازنات دقيقة بين جميع مكوناته وأيّ خلل فيها يهدّد كيانه. إن حجم استيعاب لبنان في ظل إمكانياته المالية والاقتصادية وعدم وجود مواد أولية وطبيعية، يجعل من المستحيل عليه القبول بتوطين هذه الأعداد من اللاجئين”.

التوطين لحماية إسرائيل

يعرض الباحث السياسي اللبناني نبيل خليفة مشكلة التوطين في إطار استراتيجي واسع متصل بقراءة جيوسياسية، تنظر إلى الأمور ضمن إطار مشاريع تفكيك المنطقة إلى دويلات أقلوية طائفية، بغية منح إسرائيل المرتعبة من الانفجار الديمغرافي العربي سنيّ الشرعية، وتحويل وجودها غير الطبيعي في المنطقة إلى وجود طبيعي ينسجم مع الواقع المفكك الجديد الذي يتم العمل بقوة من أجل إنجاحه.

المشكلة في سوريا تتعلق بوجود 18 مليون عربي سني في سوريا المحاذية لإسرائيل؛ الدول المسيحية من روسيا الأرثوذكسية مرورا بأوروبا الكاثوليكية وصولا إلى أميركا البروتستانتية ترى في هذا الوجود تهديدا وجوديا لإسرائيل التي يعتصرها المجتمع السني الإسلامي ديمغرافيا.

هنا لم تعد المشكلة في وجود السلاح سواء كان هذا السلاح تقليديا أو غير تقليدي، لأن السلاح الديمغرافي هو السلاح الأبرز لمواجهة إسرائيل وهو يرعبها أكثر من أي شيء آخر، لأن نسبة النمو الديمغرافي في الوسط العربي السني هي 5.4 في حين أنها لا تتجاوز الـ5.2 في الوسط الإسرائيلي.

يتحدث الدكتور خليفة عن التحولات التي طالت مفهوم التوطين والتي جعلته ينطوي على جملة من المعاني الجديدة والمخالفة لاستعمالاته السابقة فيعتبر أن “هذا المفهوم تغيّر بتغير مفهوم الأوطان، فلم يعد حاملا للمعاني الشائعة المرتبطة بانتقال جماعة معينة من وطن ما واستقرارها في وطن آخر، بل بات يعني انتقال جماعة من منطقة تنتسب إليها بالدين والطائفة إلى منطقة أخرى ليس إلا”.

ويفصل الباحث اللبناني وجهة نظره قائلا “يهدف المشروع الدولي إلى إقامة سبع دول أقلوية في المنطقة هي الدولة اليهودية الإسرائيلية، الدولة المسيحية، الدولة العلوية، الدولة الدرزية، الدولة السنية، الدولة الكردية، الدولة الشيعية. هذا الهدف الذي من أجله تم إرسال بوتين إلى المنطقة لأن النظام الروسي بشكله الفيدرالي يشكل نموذجا يراد إعادة إنتاجه، مع اختلاف طبيعته، في المنطقة”.

وبذلك فإن توطين السوريين هو أحد متطلبات تنفيذ هذا المشروع. ويبقى السؤال حول لماذا يجب توطين السوريين تحديدا، والجواب على هذا السؤال يكمن في أن السوريين يمثلون، بشكل خاص، الخطر الفعلي والأساسي على إسرائيل وعلى الدولة العلوية التي تتمّ تهيئة الظروف المناسبة لوجودها.

لقد قال الإسرائيليون بوضوح إن بقاء الأسد يمثل مصلحة إسرائيلية، هكذا باتت أسباب وأهداف توطين السوريين في دول اللجوء عموما وفي لبنان خصوصا شديدة الوضوح.

6