السوريون بين داعش والنظام وحملة السلاح

الأربعاء 2013/12/11

بدت الثقة على محيّا الطبيب الشاب عمار القادم من مدينة حلب وهو يقف وسط عدد كبير من العرب والألمان الأكاديميين والميسورين الذين تجمعوا للإطلاع على الوضع في سوريا، والتبرع بما يستطيعون لمساعدة المحتاجين هناك.. وجهه كان يشع بإيمان عميق من نوع خاص.. هذه الثورة تحتاج إلى إيمان عظيم يساعد الثوار في تحمل مشاقها وقسوتها، وفي يقينهم بانتصارها.

شرح الدكتور عمار الوضع في المناطق المحررة التي يعمل بها، أهم مستشفيات المدينة دمرتها آلة نظام الأسد الحربية.. هو ورفاقه يعملون في مقر صغير على مدار الساعة، فقد انكمشت أعدادهم إلى بضع مئات مسؤولين عن مليوني ساكن. سألته إن كانت تصلهم مساعدات من أي نوع فأجاب: تصلنا مساعدات لكن السؤال هو، هل يصلنا ما نحتاجه؟ لقد أرسلنا إلى جهات عديدة احتياجاتنا، لكنهم يرسلون لنا شحنات كبيرة من أدوات طبية لا تلبي احتياجاتنا الفعلية.

ما يؤرق ويشغل الجميع هو الوضع الميداني هناك، الأخبار التي يتم إعلانها إلى الخارج متضاربة، فكل شخص يعلن ما يروق له ويخفي ما لا يناسب توجهاته.. يترافق هذا مع استهداف ممنهج من قصف عسكر النظام للمراكز الإعلامية، ومع اختطاف واختفاء كثير ممن اختاروا نقل الصورة بنوع من الحيادية والموضوعية.

يقول بعض أهل الداخل: إن المناطق المحررة تقع تحت سيطرة فصائل رئيسية منها داعش وأحرار الإسلام، وهناك شبه تنسيق غير معلن بين هذه الفصائل بهدف عدم التقاتل فيما بينهم، لأن معركة من هذا النوع لا يربح فيها أحد وتنهك الأطراف المتحاربة وتعرض جميع الجهات لخسائر مؤسفة.. وتبعا لهذا الوضع يلتزم الجميع بأحكام الهيئة الشرعية ويعتبرونها نافذة.. الهيئة الشرعية هي مجموعة من الأشخاص وجدت أن من الضروري السيطرة على حال الفوضى التي قامت بعد التحرير، ولأن القضاة الذين كانوا يعملون في دوائر النظام فاسدون فقد ارتأت هذه المجموعة الاحتكام إلى الشرع الإسلامي الجاهز، يوافق على هذا ضمنيا كثير من أهل المنطقة..

وفي هذا الإطار تقول الأنباء أن رجال «داعش» الذين قطعوا رأس شخص بالخطأ ظنا منهم أنه تابع لميليشيات إيرانية، مطلوبون للمحاكمة والقصاص، وأن قيادات «داعش» وافقت على تسليمهم كي لا يندلع قتال بين الفصائل.. يعتقد كثيرون أن المقاتلين الشباب المنضوين تحت لواء «داعش» سذج ومغرر بهم، لكن قياداتهم مشبوهة تديرهم كما تشاء إما بالمال أو باستخدام رداء الدين أو بالإغراءات المتنوعة..
ويتفق أهل حلب على أن قيادات هذا التنظيم الملتحف بالإسلام مرتبطة ارتباطا مباشرا بنظام الأسد الذي دعمها ورعاها منذ أن سهل دخولها إلى العراق في أجندة خاصة، وأمر بإخراج رموزها من السجون بعد انطلاق الثورة.. لا يشغلهم هذا الأمر كثيرا، فهم يرون أن الهم الأكبر حاليا وما يجب أن يعمل عليه السوريون هو إسقاط نظام الأسد سياسيا وأمنيا وعسكريا واقتصاديا، فهذا هو ما يدمر البلاد، أما الجماعات المتطرفة التي تتلاعب بشباب البلد فلن يكون لها استقرار بعد رحيل هذا النظام.

يقول القادمون من حلب إن معركتهم ليست مع الطائفة العلوية، فقد عانوا من قسوة وفساد كثيرين لا ينتمون إليها، ويضيفون إن حلب كانت تحوي عشرات الآلاف من «الشبيحة» السنّة الذين لم يتوانوا عن إلحاق الأذى بسكان المدينة.. يرسل أهل الداخل يوميا رسائل دامية إلى من هم في الخارج يرجونهم أن يتوقفوا عن مهاتراتهم الكلامية واصطفافاتهم الحزبية الضيقة، وأن يساعدوهم في معركة حياتهم اليومية كي يكملوا طريقهم نحو الخلاص من عبء ثقيل ربض على قلوبهم عشرات الأعوام، أما الآتي فيمكن بناؤه خطوة خطوة بعد أن يتحرروا من الرعب اليومي القائم.

من ضمن الأخبار المؤسفة التي تأتي من الداخل السوري هي أن أعداد السوريين الذين باتوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية الخارجية يزداد، بعد أن توقفوا عن العمل لاعتقادهم بأن عملهم يذهب هباء، وأنهم مهما تعبوا سواء في الزراعة أو الرعي أو الصناعة أو البناء سيأتي عسكر النظام في اليوم التالي ليحطم ما كافحوا في بنائه. أخطر المشاعر التي تكتنف أهل الداخل هي في عدم رؤيتهم لمستقبل يعيشون من أجله، فيركنوا إلى مساعدات تأتي من أنحاء العالم هدفها الرئيسي هو إنقاذ الجائعين والمحتاجين ويأخذون بالتالي حصص عائلات بحاجة ماسة أكثر منهم لما يسترهم.

الصورة تبدو كالتالي: على مدى نحو ثلاثة أعوام هي عمر الثورة في سوريا سيطر نظام الأسد على مفاصل اللعبة، منذ أن مارس التعتيم الإعلامي وأبقى الوضع هلاميا ضبابيا غامضا وترك الناس يتكهنون ويستسلمون للإشاعات وما يتناقله العامة، وعرف نتيجة سياسات التجهيل والتغييب التي مارستها أجهزته على مدى أعوام طويلة أن السوريين لاشك سيتقاتلون، سواء في جلساتهم الخاصة، أو على صفحات التواصل الاجتماعي وأجهزة الإعلام، أو في هيئات المعارضة مختلفة الأهداف والتطلعات، أو في المجموعات المنظمة على الأرض التي تتلقى تمويلها من جهات مختلفة تبعا للأجندات.

وهكذا كان، وهكذا دفع الثمن المحاصرون الذين لم تأخذ أي جهة رأيهم في ما يريدونه، الراكضون خلف لقمة عيشهم وسلامة أبنائهم، الصامتون الذين باتوا يخشون من التصريح بموقفهم من هذا أو ذاك، بعد أن صارت أبسط تهمة ترمى على إنسان هي الخيانة والعمالة ودعم الجريمة.

السوريون مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتركيز على أمر واحد كي يساعدوا بعضهم البعض، وهو وقف القتل والدماء المسفوكة في حرب باتت عبثية وأصبحت تتبع مصالح البلاد الأخرى أكثر ما تدور من أجل مصلحة سوريا وأبنائها.. الواجب الذي يفرضه الواقع على الجميع الآن هو أن يتوقفوا عن الانشغال بالتفاصيل، فالشيطان يكمن فيها، وأن يلتفوا في دائرة واحدة عنوانها: المساعدة الإنسانية لمن يعانون التشرد وفقدان العمل والمأوى، وأن يتركوا الأمور تأخذ مجراها التاريخي كي يحققوا قليلا من الهدوء الذي تحتاجه البلاد.. لاسترجاع الأنفاس قبل أن تبدأ الجولة التالية، وهي الجولة الأصعب، فلطالما كان الهدم أسهل وأسرع من البناء.


إعلامية وكاتبة سورية

8