السوريون غرباء ونازحون في عاصمتهم دمشق

الخميس 2014/02/13
نازحون سوريون يتأسفون على وضع دمشق

“المساواة في الظلم عدل”.. هذه العبارة هي المعبر الوحيد عن الشعور الغريب الذي يراودك في العاصمة السورية دمشق وأنت ترى وتتلمس المأساة الثانية التي تعيشها آلاف العائلات النازحة من مناطقها إلى دمشق طلبا للحماية وحفاظا على حياتها وحياة أبنائها بعد المأساة التي عاشتها جراء القصف والقنص والدمار والاشتباكات العنيفة، وتبرز المأساة الثانية في صعوبة تأمين الحاجات الأساسية للحياة (المأوى، المأكل، المشرب)، يكاد يكون الأمر طبيعياً في مثل هذه الظروف التي تمر بها سوريا، ولكن يكون الأمر غير طبيعي عندما يكون أول من يساهم في صعوبة تأمين هذه الحاجات هو إنسان العاصمة المُستغِل أشد استغلال لحاجة الإنسان النازح وهذا ما حدث ويحدث في دمشق.

“يعني وين أروح بولادي، الواحد هربان من القصف والدمار مو جاي من السفر، خافو الله”، هذا ما قاله (أبو صالح) الذي كان يبحث عن منزل يؤويه وعائلته بعد أن نزح من منطقة خان الشيح، ولكن عبثا حاول إيجاد منزل في أطراف العاصمة بأقل من 25 ألف ليرة سورية للشهر الواحد والدفع ثلاثة أشهر مقدماً، بالإضافة إلى الكومسيون، فيصبح الرقم المطلوب 85 ألف ليرة سورية أي ما يعادل 500 دولار، وهذا الرقم بالنسبة إلى أبي صالح صعب جدا، وذلك لندرة العمل، وإن توفر فإنه يحتاج شهريا إلى مصروف لا يقل عن 50 ألف ليرة، وأي عمل حاليا في دمشق يمكن أن يوفر هذا المبلغ؟!، وعندما سألت (عمر. م) وقد نزح من منطقة سبينة في ريف دمشق عن سبب عدم وضع أولاده في المدارس، أجاب قائلا: ”كيف بدي أحط ولادي بمدارس إذا أجرة البيت بوسط البلد مو أقل من 40 ألف ليرة بالشهر، يعني بدي بالشهر شي 70 أو 80 ألف ليرة، بقى شو رأيك؟؟، ومثل ما بتعرف أغلب المدارس بنص البلد”، هذا حال أغلب النازحين من المناطق الساخنة إلى دمشق.

لا تتوقف الحال عند العقار وأسعاره الخيالية، بل يتعداه ليمس بمشاعر النازحين، وقد عبر في هذا السياق (أحمد. س) أحد النازحين من بيت سحم عندما مر بأحد فنادق العاصمة ذات الخمسة نجوم وسمع أصوات الموسيقى تصدح في المكان، وشاهد الشارع يغص بالسيارات المزينة، إذ قال غاضبا :”معقول هاد الشي اللي شفتو معقول هدلون اللي بالفندق يكونو عم يميزو بين صوت القذائف اللي عم تنزل على بيت سحم وبين صوت الموسيقى، ولا الفرحة عم تلهيون”، وإلى أبعد من ذلك يأخذنا ( أبومصطفى) وهو نازح من الحجر الأسود الذي يتجول كل يوم مساء في شوراع العاصمة، وخرج بنتيجة مفادها: “ياريتني ما طلعت من بيتي وظليتني مقبور تحت القصف ولا شفت اللي عم شوفو كل يوم ناس عايشة وناس ميتة”.

“الجشع، الطمع، الإهانة، البخل، الاستغلال الخ..” هذه الصفات أصبحت تطبع عددا من سكان العاصمة دمشق ولن يعرفها إلا من قدم ونزح إليها، فأنت غريب ومقيم إقامة مؤقتة إلى حين عودتك إلى ديارك.

ليس مبالغا فيه ما أسرده هنا من صعوبة العيش في العاصمة، فهذه أمور لن يعرفها أحد إلا إذا أقام في العاصمة دمشق، ناهيك عن أشياء لم أذكرها لأن الحديث يطول والقائمة تطول، ولكن هذا جانب من المأساة الثانية للنازح في بلاده.

7