السوري حبيب نجار يستعيد ماضي بلده رسما ويشكل حاضره نحتا

البحث والتجريب في عالم اللوحة وتقنياتها من خلال لوحات فنية تلتقط مظاهر الحياة اليومية.
الثلاثاء 2021/05/18
بيئة بسيطة تسرد يوميات سعيدة

استطاع الفنان التشكيلي والنحات السوري حبيب نجار إحياء التراث وحفظه في لوحات ومنحوتات بأفكار وصور مستوحاة من بيئة بلدته محردة بمحافظة حماة السورية، فغلبت الواقعية على فنه معتمدا على المواد المنوّعة، جاعلا من الانسجام بين الإنسان والطبيعة هدفا له.

حماة (سوريا) - يتجلى عند الفنان التشكيلي والنحات السوري حبيب نجار البحث والتجريب في عالم اللوحة وتقنياتها، فيغوص في تقديم كل ما هو جديد لاكتشافه وتقديمه بشكل مميز ويلتقط مظاهر الحياة اليومية، ليكون خامة فنية ولونية يعبّر من خلالها عن هواجس الإنسان باحثا عن السكينة والألفة في أعماله.

ونجار الذي شغف بالفن منذ الصغر، وكانت له معارض في المرحلة الإعدادية والثانوية، يبيّن أن التراث والحياة القديمة في مدينته محردة ساهما في تكوين موهبته واستهوته حاراتها القديمة، وقام بإحيائها في أعماله الفنية فكانت مصدر إلهامه.

وتعني محردة مشرق الشمس، وهي مدينة سورية تقع شمال مدينة حماة وتبعد حوالي 25 كلم عنها وحوالي 240 كلم عن العاصمة دمشق، وهي تطل على نهر العاصي في وادي شمالي المدينة.

ويصف نجار اللوحة بكل عناصرها الطبيعية والإنسانية بالكائن الحي، فأحيانا تظهر البلدة كجسد يتغذّى من شريان في باطن الأرض أو شجرة عميقة الجذور أو كحضن دافئ لأم تحنو فوق أطفالها.

الفنان يستحضر روابط الألفة في زمن الأنانية، ويبحث عن المعاني في زمن العبثية، غايته الانسجام بين الإنسان والطبيعة

ويرى الرسام والنحات السوري أن الثقافة البصرية التي اكتسبها في طفولته من خلال الحياة الريفية البسيطة كان لها بالغ الأثر في تكوين لوحاته وأعماله، فلم تغب عنها الأرض والمياه والأشجار في أي فصل من الفصول والمواسم، كذلك الزي الشعبي فهو يجعل من الانسجام بين الإنسان والطبيعة هدفا له.

ويذكر نجار أن أهم المحطات التي تركت أثرا في تجربته الفنية، هو رسم الأيقونات بالأسلوب البيزنطي والتي يبلغ عددها 45 أيقونة موزّعة على كنائس البلدة وخارجها مرسومة ومطرزة بدقة عالية.

ويلفت الفنان إلى أنه يستخدم خامات عديدة في منحوتاته تحاكي المشاعر الإنسانية والطبيعة والمرأة ويقدّمها بجمالية خاصة، مستوحيا الأفكار من بيئته المحلية، فقام بالنحت على الحجر والرخام والخشب، مبينا أن انشغاله لعدة سنوات في رسم الأيقونة البيزنطية كان له الأثر الرمزي في أعماله النحتية.

ونجار من مواليد محردة في العام 1961 لعائلة وافرة العدد متكونة من ثمانية إخوة وأب وأم، وعائلة أكبر هي قريته كجزء من وطن يحتضن ثقافة وإنسانا وأرضا مشبعة بعبق من الحضارات الإنسانية المتعاقبة.

وعنها يقول “كانت القرية الريفية جزءا من نسيج غني جدا منبسط على مساحات شاسعة منسوج بشتى ألوان الحياة وأطياف الثقافات ومعالم الوجود الإنساني، وبهذه الروابط الضاربة في عمق التاريخ بين الإنسان والأرض والسماء والثقافات الغنية في تنوّعها كانت القرية أسرة مترابطة متجانسة تتشارك بساطة المكان والزمان وشعور الانتماء لكل شيء والإحساس العميق بالآخر”.

البحث عن المعاني في زمن العبثية
البحث عن المعاني في زمن العبثية

من هناك تشبّع نجار الطفل بالحياة الريفية البسيطة والثقافة الشعبية لذاك المكان ولتلك المرحلة الزمنية، عايش هموم مجتمعه وأفراحه وأحلامه وطقوسه وكل مظاهر الحياة اليومية فيه بإحساس عميق ومرهف، والتقط تلك اللحظات وتلك الأماكن بعين فنان مترنم بجمال كل شيء حوله حافظا إياها في ذاكرته البصرية وذاكرته الشعورية، لتكون في ما بعد خامة تشكيلية ولونية يعبّر من خلالها عن هواجس الإنسان السوري الآن وهنا.

واستطاع الفنان السوري بما راكمته ذاكرتيه البصرية والحسية أن يبتكر حوارا لطيفا ودودا بين الماضي والحاضر، باحثا عن السكينة في زمن الضجيج وعن الأمان في زمن الخوف، فيستحضر روابط الألفة في زمن الأنانية، ويبحث عن المعاني في زمن العبثية، جاعلا من الانسجام بين الإنسان والطبيعة هدفا له، ومن ظواهر ومعالم كل زمن ومرحلة تجارب وخبرات، هدفه الأسمى في كل هذا هو الإنسان في جوهره وعمقه وفي تصالحه مع ذاته ومحيطه.

وبسبب هذه الشفافية استطاع الفنان أن يعبر الجدران والأجساد ليلامس الأعماق والمعاني والنوايا الطيبة الصافية لكل إنسان وبيت، فأتت لوحاته تجسيدا لأناس تعمل أو تتسامر أو تحتفل أو تتشارك همومها وتواسي بعضها بصدق.

وتتحدّث أعمال نجار عن طبيعة البيوت وأشكالها وعن جدران وأسقف تستند على أكتاف بعضها البعض كرفاق يسيرون جنبا إلى جنب، كما تأخذ لوحاته من تشعب الحارات والأزقة بين الصعود والهبوط عند درج كل بيت يحمي سكانه ويأويهم، إلى استحضار قبو المؤونة الذي يحفظ طعامهم ويمكّنهم من الاستمرار في الحياة.

أم حاضنة لوطن كامل
أم حاضنة لوطن كامل

كما يمكن ومن خلال ألوانه الدافئة ومشاهد طبيعته الباذخة جمالا وبهاء أن يسمع الناظر إليها صوت المياه وهي تجري في نهر العاصي وصوت الطيور في واديه، فيرى الشريان النابض بكل أشكال الحياة ويُشاهد ذكرياته وهي تسكن كل متر من ضفافه وكل خطوة على الطرق المدقوقة والمنحدرات التي توصل إليه.

هكذا يرسم الفنان حنينه الدائم إلى الحياة البسيطة، تلك الحياة المحببة إلى قلبه بعيدا عن الازدحام والضجيج الذي يعيشه الإنسان المعاصر والذي يُعره لاغتراب نفسي مؤلم وموحش ومتعب.

حنين يتجلى في كل أعماله، فالشخوص تتشارك وتتبادل وتتفاعل بعمق كلا من المكان والزمان بكل مفرداته وحضوره وتشكيلاته البصرية وروابطه اللونية المنسجمة، حتى أن البيت والإنسان والأرض والشجر لهم نواة لونية مشتركة فلا يشعر المُشاهد بتلك الحدود وتلك الفوارق الشاسعة بين الموجودات.

وكأن اللوحة بكل عناصرها الطبيعية والإنسانية هي كائن حي واحد أو كائن متصل ومتواصل ذو رابطة دم عميقة وروابط عصبية وحسية مرهفة، فتظهر القرية في لوحاته كجسد يتغذّى من شريان في باطن الأرض أو شجرة عميقة الجذور، كما تظهر كأم مقدسة تفتح ذراعيها لتحيط كل شيء بحمايتها ورعايتها.

وفي مرحلة الحصار والحرب التي عاشتها بلاده ومدينته طعنت جروح الحرب قلبه وأدمت أحاسيسه وأصبحت لريشته صرخات ألم وقهر وحزن كبير تبوح بها ألوانه وعناصر التشكيل في لوحاته، فالضبابية ولّدتها ألسنة اللهب والصخب، والقلق والخوف بدا جليا على وجوه أشخاصه، لكنه خوف وحزن ممزوج بالرجاء المنتظر لبشرى خلاص قادم لا محالة.

16