السوق السوداء تنخر ما تبقى من الاقتصاد السوري المنهار

يواجه الاقتصاد السوري حالة انهيار نتيجة خمس سنوات من الحرب دمرت البنية التحتية والمعامل والأسواق وانهارت العملة المحلية وزادت العقوبات الدولية، بينما رافق ذلك انتعاش للاقتصاد الموازي مدعوما بالرشاوى والتهريب والاحتكار.
الثلاثاء 2016/11/15
سيولة لا تكفي للمتاجرة

دمشق - يشكو العديد من التجار في سوق البزورية في العاصمة السورية دمشق من صعوبة ممارسة نشاطهم التجاري بسبب الحرب المستمرة في البلاد.

ويقول أبوعبدالله، وهو تاجر الجملة للسلع الغذائية، الذي يبيع السمن البلدي المنتج في المناطق الشرقية التي تحت سيطرة داعش حيث تكثر تربية الأغنام، إنه يواجه ضغوطا من كل اتجاه.

وأضاف “كنا في السابق نستغرق ست ساعات لجلب البضائع من دير الزور والآن يستغرق الأمر أسبوعين، وتكلفة النقل تضاعفت مئتي ضعف ناهيك عن الرشاوى التي يجب أن تدفع للمسلحين على طول الطريق كرسوم مرور غير شرعية”.

وانتعش الاقتصاد الموازي، المتمثل بالرسوم المفروضة بالطرق غير القانونية كالرشاوى، بالإضافة إلى انتشار السوق السوداء للسلع المهربة في عدة مناطق والتي تباع بأسعار عالية جدا، وظهور فئات من التجار الجدد ترعرعت بتوظيف الحرب لاحتكار السلع والاتجار بها.

وانتشر احتكار السلع من قبل مجموعة محددة من الشركات التي تربطها علاقات خاصة مع السلطة في مناطق سيطرة النظام، بينما في مناطق المعارضة ظهرت أسواق حرة تبيع السلع المهربة من دول الجوار من دون جمارك أو ضرائب.

وليس ذلك فقط، بل تتنقل السلع والخدمات بين مناطق النظام والمعارضة عبر شبكات تهريب داخلية يتقاسم أرباحها ضباط يسيطرون على نقاط التفتيش الحكومية وبعض قيادات الفصائل في مناطق المعارضة.

وبعد أكثر من خمس سنوات من الحرب الأهلية، تسببت في وفاة حوالي 250 ألف شخص وأدت إلى هجرة نحو 7 ملايين سوري إلى الخارج وأجبرت 7 ملايين آخرين على النزوح من ديارهم داخليا، وصل الاقتصاد إلى حالة من الانهيار.

وتعاني المعامل في المناطق التي يسيطر عليها النظام، التي لم يتم تدميرها أو نهبها، من انقطاع التيار الكهربائي وانعدام الأمن على الطرق، كما تمارس الجماعات المسلحة وقوات النظام الابتزاز وتفرض رشاوى في نقاط التفتيش من سائقي الشاحنات وأحيانا تصادر نسبة من البضائع المنقولة لبيعها في السوق السوداء.

إياد بيتنجانة: هناك مشكلة كبيرة في كل شيء، في الوقود والنقل والتضخم

كما أن النظام فقد إمكانية إنتاج وتصدير النفط، الدعامة الأساسية للاقتصاد، وذلك بعد أن اجتاح داعش والفصائل الكردية المنطقة الشرقية في 2014.

وأدت العقوبات الدولية، بالإضافة إلى المشكلات الاقتصادية الكثيرة، إلى تراجع الليرة من 50 لكل دولار قبل الحرب إلى 500 حاليا، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، ودفعت الكثير من رجال الأعمال السوريين إلى إخراج رؤوس أموالهم.

والكثير من هؤلاء التجار يعيدون تصدير السلع التي ينتجونها في الدول المجاورة إلى داخل سوريا عبر شبكات تهريب غير رسمية أو عبر المعابر الرسمية مقابل رشاوى.

وقال رئيس مجموعة تجارية عائلية متخصصة باستيراد وتصدير السلع الغذائية، إياد بيتنجانة، “هناك مشكلة كبيرة مع كل شيء، والحصول على الوقود والمواد الخام والنقل والتضخم”.

وأضاف “لقد خفض المواطن استهلاكه لأن القوة الشرائية آخذة في الانخفاض. نحن لسنا قادرين على تصدير أي من علاماتنا التجارية، وذلك بسبب العقوبات”.

واضطرت شركته إلى خفض قوتها العاملة من 700 إلى 450 عاملا، ويقول إنه غير قادر على الوصول إلى مراكز التعبئة والتغليف الغذائي في المناطق الريفية المحيطة بدمشق التي تحت سيطرة المعارضة.

ويؤكد سامر الدبس، رئيس غرفة صناعة دمشق الموالية للنظام، أن الإنتاج تقلص في بعض القطاعات بنحو 60 بالمئة. ويشكو من أن العقوبات الأميركية والأوروبية قد زادت من تكلفة الاستيراد لأن البنوك ترفض التعامل مع المؤسسات المصرفية السورية المدرجة على قائمة العقوبات.

وقال “هناك مشكلة مع الدولار وإذا كنت تستطيع الحصول عليها، لا يمكن استخدمها لدفع ثمن الواردات بسبب العقوبات.. نحن نحاول استخدام العملات الأخرى والتجارة مع الدول الصديقة مثل روسيا وإيران ودول في شرق آسيا”.

ويتجاوز النظام العقوبات الدولية عبر وسطاء سوريين لديهم شركات في الخارج، ويسعى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى توسيع قائمة العقوبات بمجرد اكتشاف أي من هؤلاء الوسطاء تتم إضافة أسمائهم إلى القائمة.

ويقول همام الجزائري وزير الاقتصاد السابق إن البنوك العالمية اختلقت حزمة من الأعذار لرفض التعامل مع المؤسسات السورية، والسلع التي يتم تصديرها إلى سوريا محرومة من التسهيلات الائتمانية.

وأوضح أن المستوردين يلجأون إلى شبكات غير رسمية، الأمر الذي زاد من التكاليف بشكل كبير، وقدر ارتفاع نسبة التضخم بنحو 400 بالمئة منذ 2011.

11