السوق السوداء والفساد يستنزفان الاقتصاد التونسي المتعثر

حذّر خبراء ومسؤولون تونسيون من تنامي ظاهرة التهريب والتجارة الموازية في السوق السوداء، ومن استشراء الفساد في معظم مؤسسات الدولة. وقالوا إنها باتت تستنزف الاقتصاد المتعثر، وتنذر بتفاقم الأزمة، فيما تقف الحكومة عاجزة عن معالجة الوضع.
السبت 2015/07/04
التجارة الموازية استفحلت بعد الثورة وطالت جميع القطاعات

تونس- أظهرت بيانات رسمية أن الأنشطة الاقتصادية الموازية في تونس استأثرت في السنوات القليلة الماضية بنحو 38 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما أكدّ خبراء أنها ارتفعت في السنة الماضية إلى أكثر من 50 بالمئة.

ويقول الخبير الاقتصادي معز الجودي، إن التجارة الموازية متأتية في معظمها من التهريب، وقد استفحلت بعد ثورة يناير 2011 التي أطاحت بنظام بن علي.

وأشار إلى أن تونس عرفت بعد الثورة حالة انفلات وفوضى ما أدى إلى تراخي الأجهزة الرقابية التي عجزت أصلا عن مكافحة تلك الظاهرة التي استفحلت في فترة حكومة الترويكا التي قادتها حركة النهضة الإسلامية.

وطالت الأنشطة الاقتصادية الموازية معظم القطاعات من منتجات الصناعات الغذائية، إلى الوقود المهرب، وصولا إلى الأدوية والملابس، وكلها تُباع بأسعار رخيصة، ما يهدد بتدمير الاقتصاد الوطني.

وأوضح الجودي، أن التجارة الموازية تكبد الدولة سنويا خسائر بملايين الدولارات، وأن تلك الأنشطة التجارية تؤدي عادة إلى زيادة التضخم باعتبار أنها تتم خارج سلطة الدولة وخارج النظام الجبائي.

وحذّر من أن الخطر يكمن في خروجها عن سيطرة الحكومة، وامتدادها لتشمل تجارة العملة والأسلحة وهو ما يشكل خطرا كبيرا يهدد استقرار البلاد وأمنها الاقتصادي.

وقال إن تجارة العملة في السوق السوداء، اتسعت في السنوات التي أعقبت الثورة، ما تسبب في انهيار قيمة الدينار.

وأكدت دراسة اقتصادية أعدها الخبير محمد الهدار، أن قيمة التحويلات بالعملة الصعبة انطلاقا من منطقة بن قردان في الجنوب التونسي إلى الخارج، تتراوح سنويا بين 384 و547 مليون دولار.

وكان رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد قد أقر بصعوبة الوضع الاقتصادي، محذرا من أن التجارة الموازية والاحتجاجات الاجتماعية وتعطل الإنتاج أدخلت الاقتصاد في نفق مظلم.

معز الجودي: توسع التجارة الموازية لتشمل العملة والأسلحة خطر يهدد أمننا واقتصادنا

واعترف الصيد باستشراء الفساد في مختلف القطاعات وتفاقم ظاهرة التهريب والتهرب من دفع الضرائب. وحذر من أن استمرار هذا الوضع سيعطل الإصلاحات الاقتصادية ويدفع الاقتصاد المتعثر إلى الانهيار.

وكان صندوق النقد الدولي قد حذر من تنامي الاقتصاد الموازي في تونس. وأظهرت إحصائيات للبنك الدولي، أن نحو 54 بالمئة من اليد العاملة تنشط في القطاع الموازي، ما يجعل مكافحة تلك الأنشطة صعبة وقد تؤدي إلى زيادة معدلات البطالة.

وتشير البيانات إلى أن أنشطة القطاع الموازي تتركز أساسا في مؤسسات صغيرة تمثل نحو 35 بالمئة من الاقتصاد.

وكان ياسين إبراهيم وزير التنمية الاقتصادية قد اقترح قبيل توليه منصبه الحالي، دمج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد الوطني، كحل تنظيمي لا يقصي من جهة العاملين في القطاع الأول، ويوفر للدولة من جهة ثانية مداخيل جبائية.

وفيما يؤيد بعض الاقتصاديين هذا الرأي، مطالبين الحكومة باستحداث إطار قانوني يدعم السوق السوداء على اعتبارها توفر الآلاف من فرص العمل، يطالب آخرون بضرورة التدخل لإبقاء حجم التجارة الموازية عند مستوى 15 بالمئة فقط من إجمالي الناتج المحلي.

غير أن هؤلاء دعوا أيضا إلى ضرورة إيجاد أنشطة اقتصادية بديلة في المناطق التي تعيش على الاقتصاد الموازي ومنها المناطق الحدودية.

ويشتكي تجار تونسيون من ركود سلعهم، بسبب غزو السلع المقلدة والرخيصة الأسواق التونسية، موضحين أن أسواقا شعبية مثل “سيدي بومنديل” و”المنصف باي”، وسط العاصمة، تعكس حالة انفلات السوق السوداء.

عبدالجليل البدوي: السوق الموازية تخلق نوعا من المنافسة غير المتكافئة وغير الشرعية

وتكتظ تلك الأسواق بسلع مستوردة من الصين ومن دول شرق آسيا، تهرب عادة من ليبيا، وتشمل الأجهزة الإلكترونية والملابس ومنتجات غذائية.

ويعتقد على نطاق واسع، أن أصهار بن علي هم أول من أدخل السلع المقلدة للسوق التونسية، وأن العشرات من بارونات التهريب الذين عملوا معهم يواصلون اليوم على نهجهم دون رقابة ولا محاسبة.

وتقول لجنة الشؤون الاقتصادية بمنظمة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة (منظمة أرباب الأعمال) إن تهريب السلع الصينية وغيرها يتم عبر المناطق الحدودية، مشيرة إلى تعدد السلع المهربة حتى أنها شملت مواد طبية وغذائية، وهي مجهولة المصدر وتؤثر مباشرة على صحة المستهلك.

ويقول مراد الحطاب الخبير المالي التونسي، إن أغلب المنتجات الموجودة في الأسواق الموازية هي منتجات مهربة وتساهم مباشرة في إضعاف قيمة العملة الوطنية، محذّرا من أنها قد تتسبب في تدمير قطاعات الإنتاج المحلية.

ويرى الخبير الاقتصادي عبدالجليل البدوي، أنه حين تصل نسبة التجارة الموازية إلى أكثر من 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي تصبح عملية السيطرة على تلك السوق أمرا مستحيلا.

وقال، إن السوق الموازية تخلق نوعا من المنافسة غير المتكافئة وغير الشرعية، وهي منافسة قوية مدمّرة لنسيج المؤسسات الصغيرة، بالنظر إلى أنها لا تتحمل أي أعباء جبائية، على عكس المؤسسات المرخص لها والخاضعة لنظام الجباية.

هذه النشاطات هي نشاطات طفيلية لا تتحمل أي عبء سواء كان عبئا جبائيا أو اجتماعيا، كما أنها نشاطات غير مصرح بها، على عكس المؤسسات التي تنشط تحت طائلة القانون والتي تكون خاضعة للنظام الجبائي والقوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي وشروط الحماية الاجتماعية إلى جانب نشاطات البيع لمنتجات من نوعية رديئة.

10