السوق الشعبي في مهرجان ليوا للرطب متحف الماضي في حاضر الإمارات

التراث الشعبي قادر على رسم صورة لحضارة وثقافة أي شعب بين الشعوب الأخرى، فمن خلاله يستطيع الآخر قياس مدى عراقة البلد والتعرف إلى عاداته وتقاليده وفنونه التي رافقته على مر السنين، لهذا نرى الدول تولي التراث الشعبي عناية ورعاية وتسعى إلى الحفاظ على موروثها وحمايته من الاندثار، وهذا ما تقوم به دولة الإمارات، من خلال تنظيم الفعاليات والمهرجانات التراثية.
الاثنين 2017/07/24
إحياء التراث.. إحياء الهوية

أبوظبي - يشهد السوق الشعبي المقام ضمن مهرجان ليوا للرطب والذي يُعدّ جزءا لا يتجزّأ من فعاليات المهرجان إقبالا كبيرا من الزوار منذ انطلاقه، حيث يسلط السوق الضوء على التراث الإماراتي ويرسخ ثقافته المتوارثة عن الآباء والأجداد.

وقال عبيد خلفان المزروعي مدير المهرجان إن مهرجان ليوا للرطب منصة تعنى بإحياء التراث وإعطاء الصورة المثلى للعادات والتقاليد التي تتميز بها المنطقة والإمارات بشكل عام.

وأشار إلى أن تنظيم هذا السوق يأتي في سياق الحرص على مساعدة المزارعين والحرفيين على تسويق منتجاتهم بأنواعها المختلفة.

ويشهد السوق الشعبي الذي يعكس عمق أصالة التراث الإماراتي من خلال الحرف اليدوية، مشاركة متميزة لحوالي 250 مواطنة من الحرفيات المنتجات اللاتي يعملن عبر عرض منتجاتهن لإحياء التراث الإماراتي ومهن يدوية تقليدية كانت تمارسها المرأة الإماراتية قديما داخل بيتها وشكلت مصدرا مهما من دخل الأسرة آنذاك.

ويشارك السوق الشعبي في المهرجان خلال دورته الحالية الـ13 بـ130 محلا حيث الأجواء التراثية ذات الصلة بالنخيل والرطب، ويعرض العديد من المنتجات التي يتم تقديمها إلى زوار المهرجان.

وعبرت بعض المشاركات في السوق عن اعتزازهن وفرحتهن بالمشاركة في المهرجان، ومن أبرزهن خديجة صالح الطنيجي التي تعرض منتجاتها التراثية من الأواني والمباخر وأدوات مصنوعة من شجر الخوص منها المهفّة والحصير والسفرة، وكذلك الملابس التراثية الإماراتية، إضافة إلى مشاركتها المميزة في مسابقة الدخون ومسابقة أكبر رنكينة.

وأكدت الطنيجي أن الهدف من مشاركتها في المهرجان الحالي والمهرجانات السابقة هو عرض منتجاتها التراثية اليدوية أمام مئات الآلاف من الزوار بما يسهم في رواج تلك المنتجات.

وكانت منتجات الدخون والعطور العربية الأصيلة من المنتجات المميزة ضمن السوق الشعبي، وقالت المشاركة زمزم إبراهيم إنها تعرض أنواع الدخون والعطور وعطور الفراش واللبان المعطر والعود بالمسك، إضافة إلى أنواع من العطور الفرنسية التي تمزجها أحيانا بالعطور العربية التي تقوم بصناعتها في البيت، إضافة إلى عرضها للمباخر والملابس النسائية التراثية.

أنامل إماراتية تعيد للتراث ألقه

وأكدت أم سفيان إحدى العارضات في السوق الشعبي أنها تحرص دائما على المشاركة في مهرجان ليوا للرطب، حيث أنها تشارك للمرة الخامسة على التوالي وتقدم مشغولات يدوية ومجسمات تراثية مصنوعة من سعف النخيل، إضافة إلى ملابس تراثية، مشيرة إلى إقبال عدد كبير من زوار المهرجان خاصة الأجانب على شراء هذه المنتجات كتذكار لهم عند عودتهم إلى ديارهم.

وقالت عتيجة المنصوري إنها تشارك للمرة السابعة على التوالي في المهرجان بهدف تعريف الجيل الجديد على حرف الآباء والأجداد، وتعريف السياح كذلك على تراث الإمارات الجميل الذي تعكسه الحرف والمهن التقليدية.

وأشارت إلى أنها تعرض تصميمات جديدة من التلي لتزيين الملابس والمفروشات وغيرها، والتلي عبارة عن شريط من الخيوط الحريرية الملونة المتداخلة تتوسطها الخوصة وهي شريط فضي أو ملون، وتثبت الخيوط على الكاجوجة وهي قطعة معدنية توضع عليها مخدة صغيرة بيضاوية الشكل، ليسهل على السيدة اللف بكرات الخيوط أثناء العمل.

ومن المهن اليدوية الأخرى التي تشتهر بها الإماراتيات، السدو، حرفة أهل البادية، وهي حرفة تراثية ضاربة في القدم، حيث يستغل البدو بيئتهم لسد حاجتهم من الأغطية والسجاد ومستلزمات الخيام وأدوات تزيين الجمال والخيول معتمدين في ذلك على صوف الأغنام ووبر الجمال وشعر الماعز والقطن.

وتمر عملية السدو بعدة مراحل وهي جزّ الصوف وجمع الوبر، وغزل ما تمّ جمعه من صوف ووبر وتلوين الصوف والمرحلة الأخيرة تتمثل في عملية السدو بخيوط ممتدة تُربط بأربعة أوتاد على شكل مستطيل.

أم سعيد

أم سعيد التي يتجاوز عمرها 70 عاما تواصل مهنة صناعة الأدوات التراثية اليدوية من سعف النخيل، رغم ما يصاحبها من مشاق ترهق كبار السن، لكن المحافظة على تراث الأجداد تستحق العناء والصبر والتحمل لنقله إلى الأجيال الجديدة.

أم سعيد التي برعت في صناعة أكثر من 13 منتجا تراثيا، تقول “تعلمت مهنة صناعة الأدوات المنزلية من سعف النخيل بكل جزئياتها، من القياس والقص والتركيب، وكنت أتغلب على كل العوائق التي كانت تواجهني خلال عملي بالإصرار، حتى أصبحت مدربة ومعلمة في مجال الصناعات المرتبطة بسعف النخيل، وهذه المهنة تختلف عن غيرها لمشاقها الكثيرة، خاصة أنها تحتاج إلى قوة جسدية لتقطيع أغصان النخيل وحملها إلى المنزل وتنظيفها وتحويلها إلى مادة جاهزة للتصنيع″.

وأضافت “الظروف الاجتماعية التي مررت بها جعلتني مضطرة للعمل في عدة مهن، منها الزراعة، كما فتحت محلا صغيرا”، مشيرة إلى أنها وبعد علمها بإمكانية المشاركة في مهرجان ليوا للرطب، حرصت على الحضور لعرض منتجاتها التي لاقت إقبالا من قبل الجمهور.

وتؤكد اعتزازها وفخرها لوقوفها إلى جانب أسرتها في العمل لتحصيل لقمة العيش، منوهة بأن العمل جعلها تخوض تجربة جديدة مع أسرتها بعيدا عن الحياة المعتادة.

النخلة لتأثيث البيت

إقبال على الرطب

يشهد سوق الرطب في مهرجان ليوا للرطب إقبالا متزايدا من عشاق الرطب وخصوصا في أولى تباشيره، إذ يتيح الفرصة للكثير الحصول على أجود أنواع الرطب بأسعار مناسبة حيث تتزين حبات الرطب بلمعانها البهي ومذاقها الطيب والمنتجة من مزارع ليوا.

وشجرة النخيل التي لعبت دورا كبيرا في تلبية الحاجات الغذائية والحياتيّة للجماعات البشرية في الصحراء هي مصدر الثمرة المحببة التي يحتفي بها أبناء الإمارات في مهرجان ليوا للرطب.

وأشار المزروعي إلى أن سوق الرطب يعرض جميع أنواع التمور والرطب التي تتميز بإنتاجها دولة الإمارات، مؤكدا أن اللجنة المنظمة حريصة على إقامة هذا السوق بشكل سنوي لتقديم كل أنواع الدعم والرعاية للمزارعين والعارضين حيث يعد تجسيدا لوصية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بالحفاظ على الموروث البيئي والوطني الذي تتمتع به دولة الإمارات.

ويتنافس أصحاب أركان الرطب بعرض منتجاتهم من الرطب والتمور ودبس التمر ومخلل الرطب وبسكويت وكيك التمر وشوكولاتة التمر وغيرها من المنتجات المرتبطة بالرطب والتمر، ليشكل المهرجان واحة متكاملة تجمع بين التراث والحضارة وروح المنافسة لنيل الجوائز الأولى إلى جانب تسويق منتجات المزارعين.

أما عائشة الحوسني فتعرض في محلها تصاميم من الملابس التراثية الإماراتية مثل الشيل والبراقع والعباءة، إضافة إلى مجموعة من الحلي التقليدية مثل الطاسة والمرتعشة، فضلا عن مجموعة من العطور العربية والدخون.

أهمية سياحية

لا يقتصر مهرجان ليوا للرطب على كونه تظاهرة تراثية وثقافية سنوية تلقي الضوء على خيرات أرض أبوظبي الطيبة ورطبها، بل إنه تحول كذلك إلى نقطة جذب سياحي مهمة، تركز الأنظار على الطبيعة الخلابة لمدينة ليوا المعروفة ببوابة الربع الخالي.

تشهد الدورة الحالية أول عرض لمنتج صحي "تمرلا" من التمر لينافس منتج نوتيلا العالمية

ويتخيّل السائح الذي يقصد ليوا ومهرجانها صورة الواحة الغنّاء حتى قبل وصوله إليها وتتعزّز هذه الصورة بما يراه من حياكة لسعف النخيل ومنتجات ذات صلة وحلويات التمر والجمار، بالإضافة إلى كل ما يتعلّق بالحياة اليومية للأسرة البدوية من سدو وحياكة.

كما يتعرف زوّار السوق الشعبي عن كثب على دور المرأة الفاعل في الحياة البدوية التقليدية، حيث تشكّل ركنا أساسيّا في حصاد ما تنتجه الواحة من خيرات وطريقة توارثها من والدتها وجدّتها للطرق المثلى في استغلال الخيرات وأساليب حفظها أطول فترة ممكنة للاستفادة منها بعد موسم جني الرطب.

ويختبر الزوار أيضا تضامن الأسرة ضمن إطار البيئة المحلية، إذ يشكّل السوق الشعبي ملتقى للخبرات حيث يتمّ في رحابه ترسيخ التراث والمحافظة عليه للأجيال القادمة.

ولم يعد السوق الشعبي بما يقدمه من أعمال تراثية ومشغولات يدوية ونماذج قديمة تعكس مرحلة هامة من تاريخ منطقة الظفرة وروائح الماضي مجرد سوق، بل تحول إلى متحف بفضل ما يضمه من نماذج تراثية متنوعة ومشغولات يدوية عديدة حرصت على تنفيذها بإتقان وبراعة كبيرة سيدات متمرسات يتمسكن بعادات وتقاليد المنطقة، فأبدعن في تقديم تحف فنية لاقت إعجاب الجميع سواء من داخل الدولة أو خارجها.

فما أن تطأ قدماك أرض السوق الشعبي حتى تستقبلك روائح العطور والبخور الزكية وتبهرك الأعمال اليدوية التي يتم تصنيعها بإتقان داخل السوق، فيكون من الطبيعي أن تجد جاليات متنوعة وجنسيات مختلفة داخل السوق.

وقد حرصت اللجنة المنظمة للمهرجان على توفير كافة الإمكانيات والتسهيلات لإمتاع الجمهور الكبير الذي يحرص على حضور الفعاليات من مختلف الجنسيات، حيث توجد فعاليات وأنشطة أخرى منها إطلاق مُسابقة أجمل مخرافة ومسابقة الشيشي الذي يعد أحد أنواع التمور الذي يحظى بإقبال واهتمام كبيرين من الجمهور.

وجدير بالذكر أن عدد زوار المهرجان في الدورة الماضية بلغ 70 ألف زائر منهم ما يزيد على 10 آلاف طفل شاركوا في الفعاليات التثقيفية والترفيهية التي خُصّصت لهم وتعرفوا إلى تراث الرطب والصناعات التقليدية، مما ساهم في استغلال وقتهم خلال إجازة الصيف بأفضل طريقة ممكنة.

وتشهد الدورة الحالية الـ13 من المهرجان هذا العام أول عرض لمنتج صحي “تمرلا” والمصنوع من التمر الخالص كمربى لينافس منتج “نوتيلا” المشهور عالميا، وذلك لما يحتويه من قيمة غذائية عالية ومكونات صحية ذات جودة كبيرة ومن دون أي مواد حافظة أو صناعية وطريقة تحضير مستساغة لجميع الفئات العمرية.

20