السويدي كارل لارسن رسام الحياة العائلية الهادئة بأضواء مغبشة

الاثنين 2014/07/14
لوحاته نموذج للسويديين المقبلين على بناء عش الزوجية لرسمها مثال العائلة السعيدة

باريس – احتضن القصر الصغير بباريس مؤخرا معرضا ضمّ مئة وعشرين لوحة لرسام السويد الأشهر كارل لارسن (1850 /1919)، توزعت بين الرسم المائي والرسم الزيتي والحفر والنقش وحتى قطع الأثاث، وهي أعمال تأخذ الزائر إلى حياة منزلية هادئة في ريف جميل تلفه السكينة، كرمز لنمط الحياة السويدية.

ينحدر كارل لارسن من أسرة فقيرة، ولولا معلمه الذي لمس لديه استعدادات فطرية لما استطاع الفتى أن ينمي موهبته ويقتحم عالم الفن، فهو الذي ألحقه وهو في سن الثالثة عشرة بالدروس التحضيرية المؤهلة لأكاديمية الفنون الجميلة.

ورغم الصعوبات المادية وازدراء رفاقه من أبناء المترفين، التحق بها وظل يتابع دروسها، ويقيم أوده من عائدات ما يرسمه من كاريكاتير لبعض الصحف أو صور توضيحية للكتب والمجلات.

بذلك ضمن عيشه أولا، وسجل حضورا لافتا ثانيا، ولكنه كان يحمل بين جوانحه طموحا أكبر من القناعة بمهنة “رسام كتب”. فلما اشتد عوده ولم يذع بعد صيته، قرر عام 1877 أن يزور باريس، فلم يلق فيها ما كان يأمل، إذ رفض صالونها عرض أعماله الأولى.

عندئذ انتقل إلى ريف غري سور لوان قرب غابة فونتينبلو بفرنسا حيث التحق بجالية من الفنانين، أنكلوسكسونيين واسكندينافيين، تلمّس بينهم رؤية مغايرة للطبيعة واستكشف تقنية الرسم بالألوان المائية للإمساك بتأثيرات الضوء المغبشة، الشبيهة بالأبخرة، وتقنية التقاط أعمال الفلاحين والمزارعين في رتابتها وخصائص تقاليدها. هناك التقى برسامة سويدية تدعى كارين برغو، أحبها وتزوجها بعد سنة من وصوله أي عام 1883 وأنجبت له ثمانية أطفال، وهو ما سيكون له أطيب الأثر في مسيرته، حيث ستصبح الأسرة مركز اهتماماته، ويصبح نمط عيشها الموضوع الرئيس لعدة لوحات وألبومات مثل ألبوم “بيتنا”.

عاد لارسن صحبة أسرته إلى السويد عام 1888، وكان قد بدأ يحوز بعض الاعتراف سواء من صالون باريس عن بعض لوحاته المائية، حيث اقتنت منها الدولة الفرنسية لوحة واقتنى المتحف الوطني بستوكهولم اثنتين، أو من هذا المتحف نفسه بعد أن كلفه بزخرفة مدارجه الشرفية بجداريات لا تزال ماثلة حتى اليوم، أو من الوسط الفني والأدبي.

كان يرسم بورتريهات لشخصيات معروفة كأوغست ستريمبرغ وسلمى لاجرلوف التي توجت فيما بعد بجائزة نوبل للآداب. ولكنه سوف يفرض نفسه في سجل مغاير، ألا وهو توصيف حياته العائلية في بيته بقرية سندبورن في منطقة داليكارليا.

التقى بالرسامة السويدية كارين برغو، أحبها وتزوجها بعد سنة من وصوله أي عام 1883 وأنجبت له ثمانية أطفال

منذ 1901 استقرت العائلة نهائيا في هذا البيت الذي يسميه لارسن “ليلّا هيتناس” أي الكوخ الصغير، وفي نواحيه داوم رسم زوجته كارين، وكانت قد هجرت الرسم بعد الزواج واستغلت ملكتها في تزويق البيت، ونسج أقمشة ذات ألوان زاهية، وطلاء الأثاث بالبرتقالي والأزرق والأحمر.

أما أبناؤه وبناته فكان يرسمهم داخل البيت، ويرسمهم خارجه، في فضاء تحيط به الغابات والأودية وبحيرات يلتم على ضفافها المصطافون وصيادو السمك ويمخر عبابها هواة الزوارق.

جمال طبيعي وجد فيه لارسن ضالته فاتخذه خلفية لحياته العائلية، مازجا العادات الريفية الخشنة بالأسلوب الياباني والفن الجديد. وبذلك استنبط هو وزوجته كذلك أسلوبا غير مسبوق سيكون له أبلغ الأثر على فنون الـ”ديزاين” في القرن العشرين.

ينفتح المعرض على لوحات مشرقة ومغبشة كان رسمها لارسن في أرياف فونتينبلو. امرأة شابة في بستان خضر، رجل عجوز في مشتل، بركة غري سور لوان.. كلها تعكس جوا هادئا سوف يتواصل حضوره في سائر أعماله.

ثم يدخل الزائر عالم لارسن الحميم. هنا كرسي حذو كنبة استعارهما المعرض من بيت الفنان (الذي تحوّل اليوم إلى متحف)، معروضان تحت لوحات ذات أطر عصرية تذكر بأطر الصور الشمسية، وفيها يصور لارسن مشاهد من الحياة اليومية: فتاة تخيط، أو تكتب، أو ترتب المائدة، أو تقرأ. ولد يطالع أو يتعهّد الأزهار بالسقي والتشذيب. وكارين، زوجته، تعدّ الأكل في المطبخ، أو تسترخي في الصالون. أفراد العائلة وهم جالسون إلى مائدة عريضة يفصصون قرون البسلّة.

هو أيضا كان حاضرا في الصورة، لوحة “الفنان في الهواء الطلق” مثلا، حيث رسم نفسه وهو يعمل وحوله عائلته في فضاء مشرع يكسو الثلج أديمه.

ذلك الكون الهادئ المزين بذوق وعناية ظلّ على مرّ الأجيال نموذج الشبان والشابات السويديين المقبلين على بناء عش الزوجية. وقد جعلوا من ألبوم “بيتنا” والألبومات التي تلته رمز أمة تفخر برفاهيتها المنزلية وقيمها الإنسانية. بل إن تأثير تلك الرسوم المائية في عمليات التزيين في البيوت السويدية لا تزال حاضرة إلى اليوم. وإن كان للتأطير فضل كبير في الجانب الفاتن لتلك الصور، وهي سمة تميّز بها لارسن عن تابعيه.

وبرغم النجاح الذي حققه، والانتشار الذي سجلته أعماله، قضى لارسن بقية حياته متألما، متأثرا من مآل لوحته “قربان الانقلاب الشتوي” التي يعدّها أنضج أعماله، فقد حزّ في نفسه أن ترفض الدولة اقتناءها عام 1915، إذ كتب يقول في مذكراته إن ذلك الرفض دمّره. هذه اللوحة بيعت لليابان ولم تعد إلى ستوكهولم إلا عام 1992.

16