السياب والبصرة (ثلاث قصائد خالدة)

أجراس موتى في عروقي ترعش الرنين وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق
الأحد 2018/09/09
شناشيل الجميلة لا تصيب العين إلا حمرة الشفق

بويب

أجراس برج ضاع في قرارة البحر

الماء في الجرار والغروب في الشجر

وتنضح الجرار أجراسا من المطر

بلورها يذوب في أنين

بويب يا بويب

فيدلهم في دمي حنين

إليك يا بويب

يا نهري الحزين كالمطر

أود لو عدوت في الظلام

أشد قبضتي تحملان شوق عام

في كل إصبع كأني أحمل النّذور

إليك من قمح ومن زهور

أود لو أطل من أسرّة التلال

لألمح القمر

يخوض بين ضفتيك يزرع الظلال

ويملأ السّلال

بالماء والأسماك والزهر

أود لو أخوض فيك أتبع القمر

وأسمع الحصى يصل منك في القرار

صليل آلاف العصافير على الشجر

أغابة من الدموع أنت أم نهر

والسمك الساهر هل ينام في السّحر

وهذه النجوم هل تظل في انتظار

تطعم بالحرير آلافا من الإبر

وأنت يا بويب

أود لو عرفت فيك ألقط المحار

أشيد منه دار

يضيء فيها خضرة المياه والشّجر

ما تنضح النجوم والقمر

وأغتدي فيك مع الجزر إلى البحر

فالموت عالم غريب يفتن الصّغار

وبابه الخفي كان فيك يا بويب

بويب.. يا بويب

عشرون قد مضين كالدّهور كل عام

واليوم حين يطبق الظلام

وأستقرّ في السرير دون أن أنام

وأرهف الضمير دوحة إلى السّحر

مرهفة الغصون والطيور والثمر

أحسّ بالدّماء والدموع كالمطر

ينضحهنّ العالم الحزين

أجراس موتى في عروقي ترعش الرنين

فيدلهم في دمي حنين

إلى رصاصة يشق ثلجها الزّؤام

أعماق صدري كالجحيم يشعل العظام

أود لو عدوت أعضد المكافحين

أشدّ قبضتيّ ثم أصفع القدر

أود لو غرقت في دمي إلى القرار

لأحمل العبء مع البشر

وأبعث الحياة إن موتي انتصار.

 

***

 

أنشودة المطر

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،

أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر.

عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ

وترقص الأضواء... كالأقمار في نهَرْ

يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر

كأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ...

وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء،

دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف،

والموت، والميلاد، والظلام، والضياء؛

فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء

ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء

كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر!

كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ

وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر...

وكركر الأطفالُ في عرائش الكروم،

ودغدغت صمت العصافير على الشجر

أنشودةُ المطر...

مطر...

مطر...

مطر...

(...)

أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر؟

وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر؟

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع؟

بلا انتهاء – كالدَّم المراق، كالجياع،

كالحبّ، كالأطفال، كالموتى – هو المطر!

ومقلتاك بي تطيفان مع المطر

وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ

سواحلَ العراق بالنجوم والمحار،

كأنها تهمّ بالشروق

فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ.

أَصيح بالخليج: " يا خليجْ

يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والرّدى!

فيرجعُ الصّدى

كأنّه النشيجْ:

" يا خليج

يا واهب المحار والردى.. "

أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ

ويخزن البروق في السّهول والجبالْ،

حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ

لم تترك الرياح من ثمودْ

في الوادِ من أثرْ.

أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر

وأسمع القرى تئنّ، والمهاجرين

يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع،

عواصف الخليج، والرعود، منشدين:

" مطر...

مطر...

مطر...

وفي العراق جوعْ

وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ

لتشبع الغربان والجراد

وتطحن الشّوان والحجر

رحىً تدور في الحقول... حولها بشرْ

مطر...

مطر...

مطر...

(...)

ومنذ أنْ كنَّا صغاراً، كانت السماء

تغيمُ في الشتاء

ويهطل المطر،

وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ

ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ.

مطر...

مطر...

مطر...

في كل قطرة من المطر

حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ.

وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة

وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد

أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فم الوليدْ

في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة!

مطر...

مطر...

مطر...

سيُعشبُ العراق بالمطر... "

أصيح بالخليج: " يا خليج..

يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والردى! "

فيرجع الصدى

كأنَّه النشيج:

" يا خليج

يا واهب المحار والردى. "

وينثر الخليج من هِباته الكثارْ،

على الرمال،: رغوه الأُجاجَ، والمحار

وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق

من المهاجرين ظلّ يشرب الردى

من لجَّة الخليج والقرار،

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ

من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى.

وأسمع الصدى

يرنّ في الخليج

" مطر..

مطر..

مطر..

في كلّ قطرة من المطرْ

حمراء أو صفراء من أجنَّةِ الزَّهَرْ.

وكلّ دمعة من الجياع والعراة

وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد

أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ

في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة.

ويهطل المطرْ.

تمثال السياب في البصرة: عدسة الروائي وارد بدر السالم
تمثال السياب في البصرة: عدسة الروائي وارد بدر السالم

 

***

شناشيل ابنة الجلبي

وأذكر من شتاء القرية النضاح فيه النور

من خلل السحاب كأنه النغم

تسرب من ثقوب المعزف – ارتعشت له الظلم

وقد غنى – صباحا قبل

فيم أعد؟ طفلا كنت أبتسم

 لليلي أو نهاري أثقلت أغصانه

النشوى عيون الحور

وكنا – جدنا الهدار يضحك أو يغني

في ظلال الجوسق القص

وفلاحيه ينتظرون: “غيثك يا إله”

وأختي في غابة اللعب

يصيدون الأرانب والفراش

و(أحمد) الناطور

نحدق في ظلال الجوسق السمراء في النهر

ونرفع للسحاب عيوننا: سيسيل بالقطر

وأرعدت السماء فرن قاع النهر

وارتعشت ذرى السعف

وأشعلهن ومض البرق أزرق ثم أخضر ثم تنطفئ

وفتحت السماء لغيثها المدرار بابا بعد باب

عاد منه النهر يضحك وهو ممتلئ

تكلله الفقائع، عاد أخضر

عاد أسمر، غص بالأنغام واللهف

وتحت النخل حيث تظل تمطر كل ما سعفه

تراقصت الفقائع وهي تفجر- إنه الرطب

تساقط في يد العذراء وهي تهز في لهفه

بجذع النخلة الفرعاء تاج

وليدك الأنوار لا الذهب،

سيصلب منه حب الآخرين، سيبرئ الأعمى

ويبعث من قرار القبر ميتا هده التعب

من السفر الطويل إلى ظلام الموت

يكسو عظمه اللحما ويوقد قلبه الثلجي فهو بحبه يثب

وأبرقت السماء … فلاح، حيث تعرج النهر

وطاف معلقا من دون أس يلثم الماء

شناشيل ابنة الجلبي نور حوله الزهر

(عقود ندى من اللبلاب تسطع منه بيضاءا)

وآسية الجملية كحل الأحداق

منها الوجد والسهر

يا مطرا يا حلبي

عبر بنات الجلبي

يا مطرا يا شاشا

عبر بنات الباشا

يا مطرا من ذهب

تقطعت الدروب، مقص هذا الهاطل المدرار

قطعها وواراها،

وطوقت المعابر من جذوع النخل في الأمطار

كغرقى من سفينة سندباد

كقصة خضراء أرجأها وخلاها

إلى الغد (أحمد) الناطور

وهو يدير في الغرفة

كوؤس الشاي، يلمس بندقيته

ويسعل ثم يعبر طرفه الشرفه

ويخترق الظلام

وصاح ( يا جدي) أخي الثرثار

“أنمكث في ظلام الجوسق المبتل ننتظر؟

متى يتوقف المطر؟

وأرعدت السماء، فطار منها ثمة انفجرا

شناشيل ابنة الجلبي…

ثم تلوح في الأفق

ذرى قوس السحاب. وحيث كان يسارق النظرا

شناشيل الجميلة لا تصيب العين إلا حمرة الشفق

ثلاثون انقضت، وكبرت: كم حب وكم وجد

توهج في فؤادي

غير أني كلما صفقت يدا الرعد

مددت الطرف أرقب: ربما ائتلق الشناشيل

فأبصرت ابنة الجلبي مقبلة إلى وعدي

ولم أرها. هواء كل أشواقي، أباطيل

ونبت دونما ثمر

ولا ورد.

11