السياحة الثقافية في بيروت

الجمعة 2017/12/22

انتهت أيام معرض بيروت الدولي للكتاب وانتهى موسم السياحة الثقافية السنوي الذي حرصنا على أن نتابعه للسنة الخامسة على التوالي، وليس هناك من جديد سوى الإصدارات التي ملأت الرفوف وجمهور متناثر لا يمكن أن تحدد توجهاته بشكل نهائي ودور نشر تتكرر في كل معرض وندوات وأمسيات شعرية غير فاعلة على مدار أيام المعرض، وهذا أمر بات بحكم وتيرته السنوية دارجا ضمن منهاج سنوي متعارف عليه.

غير ذلك ثمة ظاهرة ثقافية استثنائية شهدها المعرض للسنة الرابعة أو الخامسة وهي اكتظاظ المعرض بأفواج من الأدباء العراقيين والقراء نقلتهم ثلاث طائرات من مطارَي بغداد والنجف لحضور فعاليات المعرض وأيامه الثقافية والمشاركة الشخصية فيه، بعدما كانت مثل هذه السياحة الثقافية فردية على الأغلب الأعم.

غير أن اتحاد الأدباء والكتّاب العراقي وقبله دار نشر سطور ومن ثم مكتبة عدنان شكّلا ثلاثة وفود كبيرة لزيارة المعرض والمساهمة في فقراته بشكل فردي أيضا للسنة الثانية على التوالي، فملأوا المعرض بالحضور الاستثنائي وحرّكوا أجنحته ودور النشر فيه إما بالتبضع أو المساهمة في حفلات التوقيع أو العلاقات الثقافية والأدبية المتنوعة وإما بالاتفاق مع دور نشر معروفة لمشاريع أدبية مقبلة.

وهذا يعني حضورا آخر على مستوى الصحافة والفضائيات بشكل واسع النطاق، وفي أقل الأحوال هو ذلك الانتشار الواضح في أروقة المعرض وتحريك الجو العام في مفاصله؛ لكن من دون أن نلمس اهتماما من قبل إدارة المعرض أو ترحيبا شكليا بهذه الأطياف الثقافية والأدبية والأسماء الأدبية اللامعة التي حضرت وساهمت بطريقتها لرفد يوميات المعرض بومضات ثقافية متعددة.

ولا نقول إنه تجاهُل لكنه قريب من هذا لا سيما وأن المثقفين العراقيين والأدباء من خارج العراق ساهموا هم أيضا بالحضور الشخصي، فشكلوا طاقة إضافية لمجموعات الداخل العراقي وهذه حقيقة نوعية لمسها القائمون على المعرض وتجاهلوها في الوقت ذاته.

مثل هذه السياحة الثقافية في لبنان كانت وما تزال ضرورية، فلبنان السياحي هو لبنان الثقافي المعروف على مر تاريخه وبالتالي فتشكيل “غروبات” سياحية ثقافية فكرة مستحدثة تماما بدأها العراقيون في معرضي بيروت والقاهرة (العام الماضي) ومازالوا يتحيّنون الفرص المقبلة لأي معرض عربي لمجرد تسهيلات الدخول عبر المطارات.

وهذه انتباهات جديدة في تشكيل الصلات والعلاقات الثقافية الجماعية في مناسباتٍ كهذه نتمنى أن تتعمّم في البلاد العربية لمزيد من التوافقات الإنسانية والثقافية وتبادل الخبرات والتعارف الحر بعيدا عن شكله الرسمي الذي كان سائدا في فترات ماضية، بما يزيل الحواجز بطريقة مباشرة تنفتح على الآخر- العربي الذي غيّبته وتغيّبه ظروف السياسة في أغلب الأحيان.

لذلك نجد أن الحضور العراقي الثقافي المميز لمعرض بيروت في السنوات الأخيرة ومن ثم معرض الكتاب في القاهرة للعام الماضي ساهمت به عوامل سفر ميّسرة جدا لتشجيع السياحة الثقافية بمختلف مسمياتها، لا حصرها في الجانب الأدبي حسب الذي كان ويكون وسيلة للعبور إلى الجانب التاريخي والأثري والشعبي والتراثي ومن ثم الإنساني.

اتحادات الكتّاب في البلاد العربية معنية بدراسة مثل هذه التوجهات التي ابتكرها أدباء ومثقفو العراق بالاتفاق مع شركات سياحية مؤهلة لتنفيذ مثل هذه اللقاءات الجماعية وبأسعار مناسبة، لفتح ثغرات في الجدار الثقافي العربي والنفاذ من خلالها إلى عوالم الحياة بمعمارها الثقافي الشاخص، بعدما عجزت السياسة عن إيجاد أي منفذ معقول لتوطيد العلاقات والصلات الإنسانية بين الأدباء والمثقفين العرب.

وبتقديرنا لو عُمّمت تجربة “الغروبات” الثقافية على النطاق العربي سواء أكان هذا في معارض الكتب السنوية أم المناسبات الثقافية الكثيرة، فستكون الفائدة كبيرة على مستويات العلاقات والنشر والصداقات الإنسانية التي لا نريد أن نفتقدها لا سيما في هذا العصر الذي يريدون فيه تغييب مثل هذه العلاقات.

كاتب عراقي

14