السياحة الحزبية في تونس.. أصوات الناخبين أسهم في سوق المضاربات

كتل تتغير تحت قبة البرلمان وصدمة منتخبيها، وحالة عرضية تفرضها مرحلة الانتقال الديمقراطي أم آفة تهدد الحياة السياسية
الثلاثاء 2018/10/16
إضعاف كتل وظهور كتل جديدة

تونس - ظاهرة ما بات يعرف في تونس بـ”السياحة الحزبيّة” تتمثّل أساسا في انتقال نوّاب من كتلة حزبيّة إلى أخرى تحت قبّة البرلمان، وتنكّرهم لأحزابهم الأصليّة التي نشأوا في محاضنها وتبنّوا برامجها، ورفعوا شعاراتها وترشّحوا باسمها إلى مجلس النوّاب.

وتثير الظاهرة قلق طيفٍ من التونسيين واهتمامهم في آن معا، وتباين الشارع التونسي في تقويم ظاهرة السياحة الحزبيّة بين من يراها حالة عرضية وطبيعية في ظل ديمقراطية ناشئة وبين من ينظر إليها كتهديد يمكن أن يعصف بالحياة السياسية ويفقد الجماهير والقواعد ثقتها بأحزابها.

وفي هذا الصدد، أعلن حزب الاتحاد الوطني الحر في تونس، يوم الأحد الماضي، عن اندماجه مع حزب حركة نداء تونس الذي يقود الائتلاف الحكومي، في خطوة قد تخفف الضغوط على النداء الذي يواجه موجة استقالات وأزمة داخلية.

كما أعلن الحزب في بيان له، عقب اجتماع مكتبه السياسي، عن قرار اندماجه في حزب حركة نداء تونس مع تفويض رئيس الحزب سليم الرياحي اتخاذ جميع الإجراءات القانونية لإتمام عملية الاندماج.

ودعا الحزب الممثل بـ12 نائبا في البرلمان، إلى تغيير شامل للحكومة الحالية بما في ذلك رئيسها يوسف الشاهد، وهو نفس مطلب حركة نداء تونس.

وكان الاتحاد الوطني الحر شريكا في الائتلاف الحكومي بعد انتخابات، 2014 لكنه انسحب منه في 2016 وسيسمح اندماجه مع نداء تونس بتعزيز الكتلة البرلمانية للأخير بعد موجة استقالات بسبب أزمة داخلية.

وفقد نداء تونس نصف مقاعده التي فاز بها في 2014 ليخسر بذلك موقعه الأول في البرلمان. وتعمقت أزمة الحزب بسبب خلافات مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، حيث جمّد عضويته وطالب بإقالة حكومته بدعوى فشلها في حل الأزمة الاقتصادية.

قوائم انتخابية متلونة
قوائم انتخابية متلونة

لكن الشاهد يلقى دعما من كتلة جديدة في البرلمان تتكون أساسا من مستقيلين من النداء ونواب من تيارات سياسية قريبة منه.

وقال رئيس الاتحاد الوطني الحر، الملياردير سليم الرياحي، إن خروج بعض النواب من أحزاب وتكوينها لتكتلات برلمانية جديدة هو بمثابة “الانقلاب الناعم”، مشيرا إلى أن حزبه لن يكون شريكا في ذلك.

ويذكر أن الارتحال السياسي انتشر في تونس ما بعد 2011، وقد تختلف ظاهرة ما يعرف بـ”السياحة الحزبية” أي انتقال الأشخاص من حزب إلى آخر في بعض الأحيان في الرؤى والمرجعية والمشاريع السياسية، علما أن القانون التونسي لا يمنع انتقال الأشخاص من حزب إلى آخر. وفي الفترة الأخيرة، تعددت استقالات النواب من كتل في البرلمان وانضمامهم إلى كتل أخرى، مما أدى إلى إضعاف كتل وظهور كتل جديدة.

وفي وقت سابق، أدى قبول نداء تونس بضم نواب منشقين عن كتلة حزب الاتحاد الوطني الحر في البرلمان، إلى أزمة سياسية بين الحزبين.

كما أدت الاستقالة الأخيرة لثمانية نواب من النداء والتحاقهم بكتلة الائتلاف الوطني، إلى المزيد من توتير العلاقة بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد والمدير التنفيذي للنداء حافظ قائد السبسي.

وإن يفسر المحللون ظاهرة “السياحة الحزبية” بمرحلة الانتقال الديمقراطي التي تعيشها البلاد بعد الثورة وكثرة الأحزاب السياسية وعدم قدرتها على التنظم والتهيكل، فإنهم يعتبرون كذلك أن هذه الظاهرة من شأنها أن تلقي بظلالها على الكتل البرلمانية وبالتالي على الاستقرار في البلاد.

الاستقالات المتكررة والمستمرة أدت إلى إعادة تشكيل الكتل داخل البرلمان التونسي بشكل جعل الخارطة الحزبية غير مستقرّة. هذا ما يعتبره الباحثون في العلوم السياسية تهديدا لنظام الحكم ولاستقرار الدولة. إذ تشهد الكتل النيابية في البرلمان التونسي كل مرة عملية إعادة تنظيم، في ظل تقلص عدد نواب بعض الأحزاب السياسية، وازدياد عدد ممثلي أحزاب أخرى. وقد يؤثر هذا الوضع على المصادقة على القوانين والاتفاق حولها.

ويعتبر الباحث في العلوم السياسية علي بالنور، أن هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى تفشي ظاهرة السياحة الحزبية. ووفق الباحث فإن جميع الأسباب مردها “سبب واحد هو غياب الأخلاق السياسية لأغلب ‘النواب –السياح'”، وفق قوله.

وأكد الباحث أن غياب الالتزام الأخلاقي للنواب لما روجوا له في حملاتهم الانتخابية سبب تفشي الظاهرة في تونس.

وأشار بالنور إلى أن التنقل من كتلة نيابية إلى أخرى ومن حزب إلى آخر، ينطوي على عدم احترام لإرادة الناخب. وقال: “الناخب يختار مرشحا مستقلا فيتفاجأ بوجوده في حزب رفض منذ البداية التصويت له، أو يعطي صوته لحزب بعينه ليجد صوته قد فاز به حزب مخالف”.

اقرأ أيضا:

السياحة الحزبية في تونس.. فجوة فكرية وخواء تنظيمي

السياحة الحزبية في تونس.. ظاهرة عرضية وقد تكون صحية

12