السياحة الحزبية في تونس.. فجوة فكرية وخواء تنظيمي

الترحال الحزبي يتنزل في جزء منه صلب الغنائمية السياسية، وفي جزء آخر ضمن الهوان الفكري والضعف الاستراتيجي الذي بات ينخر الكثير من الأحزاب السياسية.
الثلاثاء 2018/10/16
فبحيث إن الدوائر تدور على أصحابها

يضعنا الانتقال السياسي والترحال الحزبي الذي قام به حزب التيار الوطني الحرّ في تونس، من كتلة الائتلاف التي اختارت دعم حكومة يوسف الشاهد وتأييد خياراتها إلى الانصهار التام مع حزب نداء تونس، صلب فرضية تفسيرية واحدة مفادها أنّ المشهد السياسي في تونس ما بعد 2011 هش ومضطرب ويسوده لا فقط انعدام الثوابت والرؤى والمقاربات الكبرى، بل أيضا العجز عن رسم مسار التحالفات قصيرة ومتوسطة المدى.

المفارقة أنّ الحزب اختار الانتقال من ضفة إلى ضفة، ومن سفينة إلى أخرى، دون إجراء الحوار السياسي العميق الذي قد يفسر اختيار الشاهد في مرحلة أولى، والانقلاب عليه في مرحلة ثانية، ما يفسر حقيقة الارتجال والتخبط والعشوائية التي تقاد بها جملة من الأحزاب.

من الواضح أنّ هناك “نقلة” يعرفها المشهد السياسي التونسي من السياحة الفردية للنواب من حزب إلى آخر ومن كتلة إلى أخرى، وهو أمر كان راجعا إلى طبيعة المصالح الشخصية والمطامح والمطامع الذاتية، إلى “السياحة الجماعية” من موقع إلى آخر وهو ما يتنزل في جزء منه صلب الغنائمية السياسية، وفي جزء آخر ضمن الهوان الفكري والضعف الاستراتيجي الذي بات ينخر الكثير من الأحزاب السياسية.

فالنقلة الجماعية إن صحّ التعبير، هي تجسيد لجملة من الأسباب والاعتبارات التي لا بد من التوقف عندها مليا.

لعل أولها الاصطفاف الأعمى والتراتبية الكاملة التي تطبع علاقة “الرجل المؤسس” بشبكة النواب والسياسيين التابعين له، حيث يوجد ولاء شبه تام للرجل الأول الذي اجترح الحزب عبر شبكة مصالحه وأسس التنظيم من عدم، وهو تفكير يحيل إلى “عمودية” و”عبودية ناعمة” للزعيم الملهم خلنا بأنه مقتصر على التنظيمات الدينية.

فأن يكون حزبا بمثل التسويغات المدنية التي يقدمها عن نفسه، ثم يكتنف في أدائه تبعية وولاء لأعلى الهرم السياسي، يضعنا صلب التشكيل الهجين للأحزاب السياسية لا فقط في مستوى الشكل والمضمون بل أيضا في مستوى العلاقات بين الزعامة والقيادات السياسية المتقدمة دون تطرق إلى العلاقة مع القواعد.

المشهد السياسي في تونس هش ويسوده لا فقط انعدام الثوابت والرؤى والمقاربات الكبرى، بل أيضا العجز عن رسم مسار التحالفات قصيرة ومتوسطة المدى

وقد يفسر هذا المعطى، الطريقة التي تم على أساسها اتخاذ القرار الاستراتيجي بالاندماج مع نداء تونس، وهي طريقة فردية وذاتية تحيل الحزب إلى غنيمة سياسية وملكية شخصية يفعل بها الرئيس ما يريد ويشتهي دون محاسبة أو مراقبة من طرف الهياكل.

أمّا ثانيها، فهو انعدام التصور الاستراتيجي لطبيعة المرحلة والتي تقتضي وجود تخطيط يضع ارتسامات التحالفات والتقاطعات والتباينات مع الفاعلين السياسيين.

فالسياسة ليست فقط إدارة التحالف مع الأصدقاء وإدارة الاختلاف مع الفرقاء، ولكنها أيضا فهم طبيعة التباينات مع الحلفاء واستجلاء التقاطعات مع الفرقاء، وفي حال صار الاندماج فهذا يعني عدم وجود أي تباينات أو اختلافات وهو ما لا تؤشر إليه المدونة السياسية للحزب سواء في مستوى علاقته بوثيقة قرطاج 2، أو في مجال تقييمه لأداء نداء تونس وللانشقاقات الكبرى التي ضربته.

أما ثالثها فهي انعدام المقاربات الكبرى لجزء كبير من الأحزاب في تونس اليوم، والتي، أي الأحزاب، استحالت إلى كيانات مستنسخة شبيهة ببعضها البعض في مستوى المشاريع والمقترحات وحتّى الخطاب السياسي.

ذلك أنّ جزءا كبيرا من الأحزاب باتت شبيهة بالدكاكين المفلسة التي تشتغل بالحدّ الأدنى المطلوب ولا تفتح إلا عند المواعيد الانتخابية الكبرى.

فالعمل التوعوي والتأطيري والتفكيري والمدني لمثل هذه الأحزاب شبه معدوم، والنقاشات السياسية والفكرية المطلوب فتحها للتعاطي مع الشأن العام والقرب من الجمهور وصناعة الرأي العام حيال القضايا الكبرى محليا وإقليميا ودوليا، باتت عملة نادرة لدى هذه الأحزاب.

ولئن تذمر الرأي العام المحلي من كثرة الوجوه السياسية وقلة البدائل، ولئن سجل جزء كبير من الشباب التونسي استقالته من العمل السياسي عبر مقاطعة الانتخابات الرئاسية في 2014 والبلدية في 2018، فلأنّ غالبية الأحزاب التونسية تعيش سباتا سياسيا طويلا واحتضارا غير معلن.

هكذا يصير الانتقال السياسي نتيجة عادية لمقدمات الفجوة الفكرية والخواء التنظيمي وتمثل الحزب ضمن مقولة الشخصنة والتملك الفردي، وهي أمراض سياسية خلنا أن الثورة تجاوزتها إلا أنّ العلة أقوى من الترياق، ما يسرع بضرورة إيجاد البدائل التي يستحقها الشباب وتستحقها تونس.

12