السياحة الصوفية في سوق الجمعة بطنطا زيارة وتجارة

وسط إجراءات أمنية مشددة وفي منتصف شهر أكتوبر من كل عام يحتفل المصريون بمولد العارف بالله السيد أحمد البدوي، في مدينة طنطا شمال القاهرة، وأهم ما يشهده هذا الاحتفال هو نشاط الحركة التجارية في السوق الشهيرة باسم سوق الجمعة.
الثلاثاء 2016/10/18
المزارات الدينية ملتقى التجار والحرفاء

القاهرة – يظل مسجد “السيد البدوي” بمدينة طنطا، عاصمة محافظة الغربية من بين المئات من المساجد التاريخية في مصر، متفرّدا عن غيره، فهو الوحيد الذي استضاف في رحابه اجتماعا لمجلس النواب في عهد الخديوي إسماعيل، وتسابق الحكام على توسعته وتطويره باستمرار، على مدار تاريخه البالغ 781 عاما، فضلا عن احتوائه سوقا يقول عنها مشايخ الصوفية بمصر، إنها قد تتعرض أحيانا للركود إلا أنها أبدا لا تموت.

ولا ينظر إلى مسجد السيد البدوي بطنطا (في شمال مصر) على أنه دار عبادة فقط، إذ أضحت ساحته متنزها أسبوعيا لعشرات الآلاف من المواطنين بالمحافظة، التي تبعد عن القاهرة نحو 90 كيلومترا، ويعانون من غياب أماكن الترفيه، إلى جانب كونه متحفا إسلاميا، يضم مقتنيات نادرة، من بينها شعرة من رأس الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وآثار لقدميه، علاوة على مجاورته للكثير من الشوارع التجارية التي تضم صناعات تراثية، وأحدث البضائع الواردة من الصين.

والسيد البدوي، أو شيخ العرب، كما يطلقون عليه في مصر، هو أحمد بن علي بن إبراهيم، المولود بمدينة فاس بالمغرب في العام 1200م، وقدم إلى طنطا وفقا لرؤية رآها في منامه، بعد زيارته مكة المكرّمة والعراق، وقضى في طنطا بقية حياته حتى موته، في منتصف شهر أكتوبر 1276.

ويشهد الاحتفال بمولده مئات الآلاف من الزوار يفدون من كل بقاع مصر، لتستمر الاحتفالات طوال أسبوع كامل، وسط حراسة أمنية مشددة خوفا من حدوث أي أعمال إرهابية من قبل البعض من التيارات المتشددة، التي تُحرّم تلك الاحتفالات وتعتبر البدوي شيعيا باطنيا.

تعتبر منطقة السيد البدوي، سوقا تجارية مفتوحة، إذ تضم الكثير من الشوارع والحواري الجانبية القريبة من المسجد، الذي تبلغ مساحته الداخلية 6500 متر مربع، ويتخصص كل منها في سلعة واحدة، مثل “درب الأثر” وهو أشهر شارع للعطارة ولوازم الاحتفال بالمواليد الجدد، و”الصاغة” وهو موطن لبيع وتشكيل الحلي الذهبية، و”السكة الجديدة” الذي يضم العشرات من محال بيع الحلويات الشرقية، خاصة حلوى المولد النبوي، إلى جانب شوارع متخصصة في بيع الهواتف المحمولة والأجهزة الكهربائية والأخشاب ولعب الأطفال والملابس وغيرها.

وتنتظر المحال التجارية المجاورة الجمعة من كل أسبوع، وشهري أكتوبر وأبريل من كل عام بفارغ الصبر لترويج منتجاتها، إذ ينعش المبيعات الاحتفال بمولد السيد البدوي في منتصف أكتوبر، والذي يستمر أسبوعا كاملا، إضافة إلى الاحتفال ببداية الربيع، ويمثل هذا الاحتفال فرصة لعرض البضائع أمام مئات الآلاف من الزائرين من جميع أنحاء مصر.

كل يبحث عن ضالته

ولا توجد إحصائية ثابتة حول عدد من يزورن المسجد البدوي في أكتوبر، إذ تقدرها البعض من المصادر الأمنية بالمحافظة بنحو 750 ألفا، بينما تؤكد الطريقة الرفاعية (إحدى الطرق الصوفية)، أن العدد يبلغ 5 ملايين شخص على الأقل، يفدون من كل محافظات مصر.

ويرتبط أصحاب المحال التجارية بعلاقة تبادلية وثيقة مع رموز المشايخ الصوفية، إذ يوحدهم الهجوم على التيارات السفلية، التي تعتبر الوفود إلى البدوي “حراما”، بدعوى أن الرحال لا تُشدّ إلا إلى المسجد الحرام والمسجد النبوي، ووصل الصراع بين الطرفين إلى درجة توزيع منشورات “صوفية”، تتهم السلفية بأنها “جماعة إسلامية تكفيرية متشددة تسعى للوصول إلى الحكم”.

وإذا كانت الطرق الصوفية تراهن على المحال بمساعدة الأمن في توفير الحماية، خصوصا بعد الإصابات التي شهدها الاحتفال عام 2014، على خلفية انفجار ثلاث قنابل صوتية بالمنطقة، فإن البائعين يستفيدون من ترويج بضائعهم، التي تعاني الركود، وتعتمد على أيام الجمعة فقط للبيع في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعانيها مصر الآن.

كرامات الشيخ

يعتبر مشايخ الطرق الصوفية بقاء تلك السوق لما يزيد على ثمانية قرون، إحدى كرامات “شيخ العرب”، إذ يقولون إن مدينة طنطا كلها تبيع وتشتري طوال العام من هذه السوق التي يرزق فيها الفقير قبل الغني، ويؤكدون أن البعض من المستشرقين الفرنسيين كتبوا عنه في كتبهم، إلا أن الحال ربما اختلفت مع ظهور أزمة الدولار بمصر.

ويقول أصحاب المحال التجارية، إن أزمة الدولار تؤثر على مبيعاتهم، حيث يشير بائع الحلوى محمد الفلاح لـ”العرب”، إلى أن ارتفاع الدولار أثّر على الخامات المستوردة من الخارج، كالدقيق والسمن والسمسم والحمص والفول السوداني، وهي مستلزمات أساسية لصناعة الحلوى إلى جانب ارتفاع أسعار السكر محليا، والذي وصل في البعض من المناطق إلى دولار كامل.

وتشتهر مدينة طنطا، ولا سيما منطقة السيد البدوي بصناعة الحلويات، التي استوطنتها منذ 200 عام، حتى باتت مهنة تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، إلا أن ارتفاع أسعار السكر محليا ووصوله إلى مستويات قياسية بات يهدد تلك الصناعة.

ووفقا للفلاح، فإن المعارض رفعت الأسعار بنسبة 10 بالمئة خلال الأيام الماضية لمواجهة رفع مصانع الحلوى للأسعار، ويعول البعض على أيام الجمعة والاحتفالات بالسيد البدوي والمولد النبوي الشريف لتحسين المبيعات، فالزائرون يحرصون على شراء الحلوى بكميات لتوزيعها على الأقارب.

البعض من التجار لا يخشون ارتفاع الدولار بل يخافون من اندثار المهنة ذاتها، إذ أن أصحاب الورش باتوا لا يورثونها لأبنائهم

وفي شارع الصاغة القريب من المسجد البدوي، يقول صلاح عبدالهادي، رئيس شعبة الذهب، إن حجم مبيعات الذهب انخفضت بنسبة تزيد على 90 بالمئة، بسبب ارتفاع قيمة الدولار، وهو ما ينطبق على جميع مناطق بيع الذهب في مصر. وأصبح الدولار يمثل “بلوى” لمعظم الصناعات في مصر، فأثر ارتفاع سعره أيضا على صناعة “الطرابيش” الورقية المزخرفة أو التي تسمّى محليا بـ”الطراطير”، وفقا لأيمن حمدي، الذي يأتي من حلوان بجنوب القاهرة، لبيع منتجاته التي يصنعها بالاشتراك مع زوجته في مدينة تبعد عنها بحوالي 100 كيلومتر.

وقال متولي، لـ”العرب”، إن الخامات التي يستخدمها في صناعة الطرابيش المزخرفة والأراجوزات يتم توريدها من الصين، وتلك القبعات التي يسعد الأطفال باقتنائها وارتدائها أيام الجمعة والاحتفالات بالمولد، زادت أسعارها بنسبة 80 بالمئة، بسبب الدولار.

لكن سعيد الشيخ علي، صاحب محل لبيع البعض من المنتجات التراثية، كالسبح والأرجيلات المصنوعة من الألمنيوم، لا يخيفه ارتفاع سعر الدولار لكن خوفه الأكبر من اندثار المهنة نفسها، إذ أن “أصحاب الورش باتوا لا يورثون المهنة لأبنائهم، ومن ثم تتقلص أعدادهم باستمرار، بسبب التقاعد أو الوفاة”.

وأشار علي لـ”العرب”، إلى أن الخامات المستخدمة في صناعة معظم مبيعاته مستوردة من الخارج، خاصة الألمنيوم، الأمر الذي يزيد من أسعار منتجاته ويقلل من قدرتها على منافسة مثيلاتها المصنوعة من الزجاج، ممّا قد يؤدي إلى اختفاء منتجاته من الألمنيوم، مثلما حدث مع المنتجات النحاسية.

وقال أحمد فريد المزيدي، الباحث في شؤون الحركات الصوفية، والذي دقق الكتب الثمانية التي تحدثت عن سيرة البدوي، إن الادعاءات التي تم توجيهها للعارف بالله السيد أحمد البدوي كونه كان شيعيا باطنيا وأنه كان يمارس الجاسوسية و”السكر الصوفي”، غير صحيحة، وأكد أن تلك الاتهامات كان وراءها العديد من المستشرقين الغربيين، وتم تفنيدها من علماء كبار، أمثال نورالدين الحلبي والمقريزي والعيدروس، وأيضا من العلماء المحدثين مثل محمود الديداموني.

وأوضح المزيدي لـ”العرب”، أن الوفود والاحتفال بالمولد، يمثلان عادة مصرية قديمة تعود إلى العصر الفاطمي، الذي شهد ظهور الموالد للاحتفال بآل بيت الرسول صلي الله عليه وسلم، ويشدد على أنه ما دامت تلك الاحتفالات تتم داخل المسجد بتأدب ولا تخالف العقيدة، فلا مانع لإقامتها.

ولطالما حظي المسجد الأحمدي بتقدير من معظم حكام مصر طوال تاريخه، ربما لكسب شعبية الملايين من مريديه، والمسجد تم بناؤه في البداية على شكل خلوة كبيرة تحولت إلى زاوية للمريدين، ثم جامع له قباب ومقصورة نحاسية فاخرة في عهد علي بك الكبير حاكم مصر في العام 1772، الذي أنشأ “وقفا” مخصصا للإنفاق عليه حتى أصبح من أكبر مساجد الوجه البحري.

وجرت للمسجد توسعات في عهد عباس باشا في 1854، لكنه سجل حضورا سياسيا قويا في عهد الخديوي إسماعيل، حينما انعقد مجلس شورى النواب المصري في رحابه عام 1867، لبحث قانون يقضي بدفع ضرائب 6 سنوات مقدما، بغرض سداد ديون الحكومة، التي خشيت عدم الحضور للانشغال بمولد “البدوي”، فقررت عقد الاجتماع في رحابه، كما أجرى الخديوي عباس حلمي عام 1902 توسعات جديدة أعقبتها أخرى في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وكانت آخر التوسعات في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2008.

وأشار المزيدي إلى أن الصوفيين يعتقدون دائما بحضور البدوي بينهم، علاوة على كراماته التي أكدتها الكتب الواردة عنه، ومنها تخليص الأسرى المصريين من أيدي الصليبيين في معركة المنصورة، وأنه لم يره أحد في منام بوجهه كاملا قط، كما أن سوقه لا تبور منذ وفد إلى طنطا (وكان اسمها قديما طنتدا)، كما اختار الكثير من العلماء مثل عبدالوهاب الشعراني، مجاورة ذلك المسجد، واعتبروه أمرا عظيما، لأن “الشيخ الأحمدي” كان مجاهدا وعالما وزاهدا وعابدا.

وللأطفال نصيب في اللعب

حلقات ذكر وغناء

تدور حلقات ذكر الله وغناء الأناشيد الصوفية كل يوم جمعة بجانب قبر البدوي، الذي يبلغ ارتفاع قبته 30 مترا، ويضم حجرا يقال إن به آثار قدمي الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وشعرة من رأسه أيضا، والحجر موضوع في صندوق زجاجي ويحرص الوافدون إلى المسجد على التبرّك به وتقبيله.

كما يتبرع البعض من الصوفية بتقديم “الرقية” مجانا للراغبين من النساء والرجال، والدعوة لهم ومباركة المواليد، كما يقدم البعض النذور في صناديق المسجد، ويحيطون بالقبر يطلبون من الله فك كرب أو تزويج ولد أو تيسير رزق، وهو ما تهاجمه التيارات الدينية السلفية على وجه التحديد.

وربما زاد من الإقبال على مسجد السيد البدوي، وقوعه في محافظة حبيسة بين فرعي نهر النيل، تعاني من قلة الأماكن المفتوحة للتنزّه، وعدم وجود ظهير صحراوي يسمح بالامتداد العمراني، الأمر الذي يدفع البعض من الطبقات الفقيرة إلى اصطحاب أسرها وقضاء أيام الجمعة في رحاب ساحة البدوي، والتسوق من الأسواق الشعبية التي تتسم بانخفاض أسعارها.

ووضع مشايخ الصوفية للسيد البدوي قائمة بنحو 39 اسما كل منها يحمل صفة من صفاته فهو “السيـد” لنسبه إلى آل بيت الرسول، والعلوي لنسبه إلى الإمام الحسين، والبدوي لأنه كان يشبه أهل البادية في تغطية وجهه، وأبوالفتيان لفتوّته وقوته، وأبوالعباس أو أبوالأسود، أو أبوفراج أي كاشف الهموم والغموم، وشيخ العرب لكرمه وسخائه وحبه للخير، وقضاء حوائج الناس، والسطوحي لجعله سطح منزله مدرسة للتعليم لمدة 38 عاما، و”عيسوي المقام” لجمعه صفات من النبي عيسى عليه السلام.

لكن المزيدي أكد أن أشهر أسمائه هي الأحمدي والبدوي و”باب المصطفى”، لنسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأن مقامه ترتاح فيه النفوس، باعتباره أحد الأقطاب الأربعة للصوفية، إلى جانب “أبوالحسن الشاذلي وأحمد الرفاعي وإبراهيم الدسوقي”.

ويسمى أيضا بـ”القطب النبوي”، لأن طريقته بنيت على الكتاب والسنة، و”باب النبي” لقربه من أخلاق الإمام علي، و”بحر العلوم والمعارف” لكثرة علمه، و”الصامت” إذ كان في البعض من الأحيان لا يتكلم إلا بالإشارة، و”القدسي” لشدة عبادته للقدوس، و”الزاهد و”العطاب” لكثرة ما كان يقع من الضرر لكل من آذاه، وولي الله، والعارف بالله.

وتضم مقتنيات المسجد نسخا نادرة من القرآن الكريم، وقطعة من الكسوة النبوية، ومسبحة عمرها 860 عاما طولها 9 أمتار، كل حبة منها ذات شكل مختلف مصنوعة من العود والعنبر، وعمامة ضخمة وعصا خشبية طويلة استخدمها في الحروب، علاوة على عباءتين إحداهما صيفية وزنها 9 كيلوغرامات وأخرى شتوية من صوف وبر الجمل، وزنها 20 كيلوغراما، وقد ارتداها الرئيس الأسبق أنور السادات، وكذلك الشيخ متولي الشعراوي.

وحظي الرئيس الراحل السادات بمكانة خاصة عند أقطاب الصوفية، إذ يؤكدون أنه كان محبّا لآل البيت، وأن لقبه ذاته كان مشتقا من “السادات الوفائية”، وهو اسم مسجد بني بالمقطم عام 1777، للشيخين الصوفيين محمد وفا الكبير وابنه علي وفا، واكتسب الأول صفته “وفّا” لأن النيل شحّ ماؤه فدعا ربه فوفّا النهر فلقبوه بـ”وفّا”، وهو من أكبر العارفين وله العديد من المؤلفات الصوفية وفقا للمزيدي.

وهكذا حافظت منطقة السيد البدوي بطنطا على مدار ثمانية قرون على بقائها ورغم التوسعة ونقل المحال في أكثر من مرة وإحاطتها بسور ضخم مليء بالفتحات، إلا أن البائعين والتجار يؤكدون أن الصلة التي تربطهم بشيخ العرب، سوف تبقى تمثل نافذة لهم تربطهم بأسباب الرزق.

20