السياحة اللبنانية تترنح بسبب عزوف الزوار الخليجيين

بدأت أثار تحذيرات الدول الخليجية لمواطنيها من زيارة لبنان تظهر بصورة كبيرة بعد أن ضرب الكساد كل مرافق هذا القطاع الحيوي ودخلت معه البلاد في أزمة أخرى. ويبدو من المستبعد أن تتغير الصورة القاتمة، في ظل السياسة الخاطئة المتبعة من قبل الحكومة.
الجمعة 2016/08/12
السبات الصيفي

مازال لبنان يعاني من جمود حركة السياحة بسبب الأوضاع السياسية والأمنية المضطربة داخله وفي البلدان المجاورة له، رغم تفاؤل البعض بتحسنه باعتبار أنه لم يصل إلى حد الآن إلى درجة الكارثة.

وتكشف الأرقام الرسمية وغير الرسمية أن القطاع تكبد خسارة بلغت قرابة 4 مليارات دولار خلال الفترة الماضية جراء انحسار السياحة الخليجية ولا سيما السعودية التي تشكل عصب السياحة في لبنان، وأن تأثير ذلك التراجع كارثي بكل المقاييس.

ودخلت صناعة السياحة اللبنانية في أزمة بإعلان دول الخليج أواخر فبراير الماضي، تعليق الرحلات إلى بيروت وحثت مواطنيها على مغادرة لبنان، باستثناء حالات طارئة تستدعي وجودهم هناك.

وجاء القرار بينما كانت الحكومة اللبنانية والعديد من مؤسسات القطاع الخاص تنفذ خطوات وحملات ترويجية لزيارة البلاد بسبب تراجع الوفود السياحية، تزامنا مع استمرار التوتر في الشرق الأوسط.

ويعول لبنان بصورة كبيرة جدا منذ سنوات طويلة على السياحة الوافدة من دول الخليج في تحصيل عائدات تشكل أحد الإيرادات الرئيسة لخزينة الدولة وسط شح كبير في الموارد، إلى جانب ارتفاع مطرد في حجم الدين الخارجي.

ولا يخفي الخبراء، ومن قبلهم أرباب صناعة السياحة من القطاع الخاص، خشيتهم الشديدة من تكرار الوضع مرة أخرى هذا العام، والذي سيكون الأسوأ على الأرجح منذ اندلاع الأزمة السورية في 2011.

18 بالمئة نسبة تراجع الإنفاق السياحي بمقارنة سنوية، خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي

ووفقا لأرقام وزارة السياحة فإن التراجع في القطاع استمر بوتيرة عالية منذ ذلك التاريخ، إذ بلغ في 2012 حوالي 40 بالمئة، وزاد في العام الموالي ليصل إلى نحو 57 بالمئة، وليرتفع العام الماضي إلى مستوى قياسي بلغ قرابة 74 بالمئة.

وقلل خبراء اقتصاد في لبنان من الصورة القاتمة للوضع السياحي الذي تمر به البلاد، ودعوا إلى عدم المبالغة في تقدير آثار انكفاء السياحة الخليجية رغم أن نتائج هذا الانكفاء سيئة ولكنها مضبوطة، وأن الحديث حول خسائر هائلة أصيبت بها الفنادق هو كلام غير دقيق.

وقال الخبير لويس حبيقة في تصريح لـ“العرب” إن “هناك مبالغات كبيرة في الحديث بشأن هذا الموضوع. صحيح أن دخل الفنادق تراجع ولكنها نجحت في استيعاب الأزمة، وأقامت عملية إعادة هيكلة، ولم يسجل إقفال أي فندق بارز”.

وأشار إلى أن مناطق قليلة تأثرت أكثر من غيرها من قبيل مناطق بحمدون وعاليه وصوفر، التي يمتلك فيها الخليجيون بيوتا ومراكز إقامة، وكانوا قد شكلوا لفترة طويلة القسم الأكبر من شاغلي المرافق السياحية في تلك المناطق. وأوضح أن مناطق أخرى من قبيل المتن وكسروان لم تتأثر بهذا التراجع حيث تقوم السياحة فيها على السياحة اللبنانية الداخلية والخارجية في الغالب.

ومع ذلك، يؤكد حبيقة أن لبنان لم ينجح في استعادة أمجاد السياحة الخليجية التي كانت قائمة قبل الحرب الأهلية إطلاقا، وأن السياحة الخليجية بعد الحرب فقدت بريقها وزخمها، وضاق كثيرا حجم الإنفاق بالمقارنة مع الإنفاق الضخم الذي كان سمة السياحة الخليجية قبل الحرب.

لويس حبيقة: لبنان لم ينجح في استعادة أمجاد السياحة الخليجية قبل الحرب الأهلية

وأظهرت بيـانات شركـة غلـوبال بلـو ليبانون في تقريرهـا للربـع الثـاني لسنـة 2016 تراجع الإنفاق السياحي الذي يظهر طلبات استرجاع الضريبة المضافة على المشتريات. وقد سجلت هبوطا بنحو 18 بالمئة بمقارنة سنوية في النصف الأول من العام الحالي.

ولا يعتبر الخبير إيلي يشوعي أن الكلام عـن الأثـر الكـارثي لغيـاب السيـاحـة الخليجيـة ينطـوي علـى مبـالغـات لعـدة أسبـاب تعـود فـي رأيه إلى أن غيـاب السيـاح الخليجيـين مـرتبط أساسا بغيـاب الاستثمـارات الخارجية.

وقال في هذا الصدد لـ“العرب” إن “الخليجيين كانوا من أكبر المساهمين في كل القطاعات في لبنان ومن ضمنهـا القطاعات التجارية”، مشيرا إلى أن جملـة الآثـار الكارثية تتحدد في عدة عوامل مرتبط بعضها ببعض.

وأكد أن ميزان المدفوعات يسجل عجزا بقيمة 3 مليارات دولار سنويا إلى جانب الانكماش الحاد في النمو وغياب الاستثمارات المنتجة. وهذا الأمر يمثل الخطر الأكبر لأن هذا النوع من الاستثمارات يساهم في تكبير حجم الاقتصاد وغيابه يؤدي إلى انحسار الإيرادات، ما من شأنه أن ينعكس سلبا على كل القطاعات.

وعاب يشوعي السياسة المتبعة من قبل الدولة في هذا المضمار وحملها في ذات الوقت أزمة عزوف السياحة الخليجية، إذ أن الدول من المفترض أن تعمل على جذب المستثمرين والسياح عبر إنشاء شبكة قوانين تطمئن السائح الذي هو في الحالة الخليجية مستثمر أيضا.

وقال إن “الدولة اللبنانية لم تعمل على تشجيع الاستثمار، بل ساهمت في تنفير المستثمرين والسياح عبر سياسة نقدية انكماشية، وغياب الإطار القانوني المريح، إضافة إلى نظام الفوائد العالية”.

يذكر أن السياح السعوديين استحوذوا على النصيب الأكبر من السياحة الخليجية الوافدة على لبنان العام الماضي بنسبة 14 بالمئة، بينما جاء الإماراتيون في المرتبة الثانية بنسبة 13 بالمئة، ثم من مصر والأردن بالتساوي بواقع 7 بالمئة، بحسب الإحصاءات الرسمية.

10