السياحة النيلية تدعو عشاقها للاستمتاع بدفء مدينة الشمس في الشتاء

مصر تتفطن لأهمية السياحة النيلية وتبدأ في إعادة الحياة لهذا المقصد الذي ظل منسيا، ويشهد الآن إقبالا من محبيه.
الأحد 2019/01/13
رحلة تجمع الشمال بالجنوب والشتاء بالصيف

يدعو نهر النيل في فصل الشتاء عشاق السياحة الثقافية لاكتشاف المزيد من كنوز الفراعنة على شاطئ مدينة الشمس التي عرفت باسم طيبة خلال العصور الفرعونية، وظلت عاصمة للحضارة الحارسة لشريان الحياة في مصر، إلى أن تغير اسمها إلى الأقصر، وعلى شواطئها تنطلق رحلات الاستمتاع بدفء الشمس في فصل الشتاء.

الأقصر (مصر) - إذا كنت من محبي الاستجمام والبحث عن الدفء في فصل الشتاء الذي بدأت ثلوجه تضرب الكثير من أرجاء المعمورة، فأنت في ضيافة الفراعنة الذين اكتشفوا البعض من كنوز الأرض، وانطلقت من الأقصر أو مدينة الشمس الكثير من معجزاتهم وباتت حديث العالم.

تتسلل على ضفاف نهر النيل الهادئ أشعة الشمس وقت الشروق، وتمنحك دفئا يصعب أن تنساه، في الوقت الذي تكون مجازة فيه بالساعات بل والأيام في بعض المدن.

فطنت القاهرة مؤخرا لأهمية السياحة النيلية، وبدأت في إعادة الحياة لهذا المقصد الذي ظل منسيا، ويشهد الآن إقبالا من محبيه، داخليا وخارجيا، استعدادا لقضاء أوقات ممتعة خلال رحلات الاستجمام الشتوية.

وما أن تطأ قدماك الفنادق العائمة على سطح نهر النيل، ويطلق عليها “ذهبيات” وتشعر بنسمات الهواء الصافية للتواجد في قلب شريان الحياة النابض، وسط دغدغة المياه بجسد المراكب، استعدادا لقضاء ثلاث أو أربع ليال، وقد تمتد إلى أسبوع وفق البرنامج الذي تختاره، وهي تتحرك جنوبا أو شمالا، تشعر كأنك دخلت مرحلة انفصلت فيها عن صخب الحياة في مصر.

وتنطلق “الذهبيات” من الأقصر في رحلة ساحرة تمكن السائح من مشاهدة الجبال المتواجدة على جانبي شريان الحياة في مصر، ثم تنتقل للزراعات الرائعة التي ترمز لعودة الحياة والتي امتهنها المصريون وتوارثتها الأجيال.

يحكي تلك المتعة لـ”العرب” ألكسندر غيورافلف، وهو من مدينة مورمانسك الروسية، والتي لا ترى الشمس سوى ستة أسابيع في العام، ويطلق على ليلها خلال تلك الفترة “وايت نايت” أو الليل الأبيض.

قال غيورافلف “عندما حضرت للعمل بالقاهرة لبعض الوقت، كان حلمي أن أزور مدينة الشمس، وفي أول عطلة سافرت من القاهرة إلى الأقصر وقصدت ذهبيات النيل، وقبل أن ننطلق إلى أسوان بدأنا في جولة على الضفة الشرقية لنهر النيل”.

إيهاب عبدالعال: الرحلة النيلية من الأقصر إلى أسوان تستغرق 15 يوما وتشمل زيارة جميع المقاصد السياحية
إيهاب عبدالعال: الرحلة النيلية من الأقصر إلى أسوان تستغرق 15 يوما وتشمل زيارة جميع المقاصد السياحية

وأضاف “بدأنا بزيارة معبد الكرنك، وشعرت أمامه أنني فعلا في حضرة الفراعنة، وتلمست فيه مراحل تطور الفن القديم في العمارة الفرعونية”.

ولا يمكن أن تغادره دون الاستمتاع بعروض الصوت والضوء الساحرة في المساء، وتقدم شرحا وافيا عن المعبد، وكذلك طريق الكباش على جانبي طريق الوصول لمدخل الكرنك، وهي تماثيل أشبه بتمثال أبوالهول، ويعتبر هذا الطريق من أشهر المزارات السياحية.

ولا تكتمل المتعة في البر الشرقي إلا بزيارة معبد الأقصر والذي شيد لعبادة الإله آمون رع، وهو الإله الذي عبده الفراعنة وتم تشييده في عهد ملوك الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة، وأمر امنحتب الثالث بإنشاء معبد الأقصر ليؤكد نسبه للإله آمون وأحقيته في العرش.

وتنتقل بعد ذلك إلى البر الغربي من النيل، والذي يرمز لحياة الخلود واختاره الفراعنة، حيث تغرب الشمس عنده، لذلك قاموا ببناء مقابرهم هناك، والتي تعج بالكنوز والأسرار.

ويروي غيورافلف لـ”العرب” “فن العمارة في البر الغربي، وتحديدا معبد الملكة العظيمة حتشبسوت لا يمكن أن يفارق ذاكرتك، ومقبرة توت عنخ آمون وغيرها من مقابر الأسر الفرعونية الحاكمة”.

وبعد زيارة تلك المعالم تنطلق ذهبيات النيل العائمة إلى أسوان وتشعر وكأنها تشق طريقها نحو عصور الحضارة الفرعونية بعد رحلتي البر الشرقي والغربي.

وفي الطريق إلى أسوان تكتمل متعتك مع المبيت ليلة في الذهبيات النيلية في حضرة معبد كوم أمبو الذي تم إنشاؤه في عهد البطالمة على يد بطليموس السادس لعبادة الإله سوبيك وحورس، ولم تنته زخرفة المعبد إلا في العصر الروماني، وكان يعبد فيه اثنان من الآلهة في آن واحد، وتتميز رؤوس الأعمدة بزخرفة خاصة على شكل زهرة اللوتس.

وتتوج الرحلة بزيارة معبد أدفو، والذي يعود إلى العصر البطلمي، وهو من المعابد التي تكاد تكون كاملة دون سرقة. ويكتمل الاستجمام بقسط من الراحة في جزيرة فيلة، وهي جزيرة في وسط نهر النيل، وكانت حصنا من الحصون القوية في جنوب مصر، فهي تفصل نهر النيل إلى قناتين متقابلتين في محافظة أسوان، وأصبحت من أشهر المزارات السياحية.

وكان يوجد فيها معبد فيلة الذي تم تفكيكه وتجميعه مرة أخرى على جزيرة “إغيليكا” بعد بناء السد العالي في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر.

وتتواصل الرحلة إلى عمق مدينة أسوان في جنوب مصر، وهناك معبد أبوسمبل وهو من أفضل المواقع الأثرية، ويضم اثنين من الصخور الضخمة، في غرب بحيرة ناصر على مسافة 290 كيلومترا جنوب غرب محافظة أسوان، وتطلق منظمة اليونيسكو اسم آثار النوبة على المنطقة من أبوسمبل إلى فيلة.

ويفضل السياح من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا واليابان والصين وهولندا وروسيا السياحة النيلية، وتسعى الحكومة المصرية لتنظيم رحلات مباشرة تبدأ من القاهرة إلى أسوان عبر نهر النيل، بدلا من بدء الرحلة من الأقصر إلى أسوان.

وقال إيهاب عبدالعال عضو غرفة شركات السياحة، لـ”العرب”، إن الرحلة النيلية من الأقصر إلى أسوان تستغرق 15 يوما، ويمكن زيارة جميع المقاصد السياحية في محافظات مصر التي تقع على نهر النيل.

الاستمتاع بجولة بحرية محاطة بطبيعة خلابة
الاستمتاع بجولة بحرية محاطة بطبيعة خلابة

وأوضح عبدالعال أن عدد الفنادق العائمة في مصر يصل لنحو 290 فندقا، يعمل منها فقط 20 فندقا في الأقصر بسبب تعثر السياحة النيلية مؤخرا، ما أدى إلى تهالك الكثير من الفنادق وحاجتها إلى تجديدات تتطلب مبالغ كبيرة تفوق قدرة أصحاب الذهبيات.

وأكد سطوحي مصطفى رئيس جمعية مستثمري أسوان، أن حركة السياحة النيلية تشهد انتعاشة حاليا، ويتجاوز حجم الإشغالات الفندقية نحو 70 بالمئة.

وأشار مصطفى لـ”العرب” إلى أن سعر الرحلة النيلية من أسوان إلى الأقصر والعكس يتوقف على درجة ونوع الفندق أو المركب وهو يتراوح بين 60 دولارا إلى 120 دولارا.

وتندرج السياحة النيلية تحت مظلة السياحة الثقافية، لكن الاهتمام خلال الفترات الماضية منح أولوية للسياحة الشاطئية، والتي تمثل نحو 85 بالمئة من حجم السياحة المصرية.

ولفت باسم حلقة نقيب السياحيين، لـ”العرب”، إلى أن ازدهار السياحة النيلية يتطلب التأمين الكافي على ضفاف النيل، وإقامة مراسي حديثة في المدن المطلة عليه، ومواجهة ظاهرة “شحوط” المراكب (الفنادق العائمة)، وهي اصطدام المراكب بقاع النيل في وقت انخفاض منسوب المياه.

وأضاف أنه من ضمن المعوقات أيضا، ارتفاع الرسوم التي تحصل عليها وزارة الري، حيث يدفع الفندق الواحد نحو 55 دولارا في اليوم، سواء كان يعمل أو متوقفا.

وأعلنت وزارة النقل الانتهاء من إعداد خرائط إلكترونية مرتبطة بالأقمار الصناعية، لترشد الفنادق العائمة للسير في المناطق العميقة من خلال جهاز تتبع في كل فندق، ما يقضي على الظاهرة.

ومرجح أن يضاف الاهتمام بالسياحة النيلية إلى الأنواع الأخرى من السياحة التي بدأت تدب فيها الحياة بمصر.

16