السياحة في الجنوب التونسي رحلة في أعماق التاريخ

الصحراء التونسية موطن حضارة وحكاية تاريخ ورمز لإبداع الطبيعة يتمنى أن يعرفها ويغوص ‏في جوهرها كل الإنسان.. وهي عالم مفتوح يدعوك إليه ويحتضنك ويجعلك تنطلق بحرية في ‏أجواء تحملك إلى الماضي البعيد، إلى تاريخ تكون المدنية واكتشاف الإنسان لعالم التحضر.‏
الأحد 2015/10/25
الهندسة المعمارية البربرية في مواجهة المناخ والحرب

تونس – روعة تونس يلمسها السائح منذ وطأت ‏قدماه أرضها، ويزداد غوصه في ‏التمتع بذلك الجمال الطبيعي الذي ينسيه أنه جاء للسياحة والترفيه كل ما تقدّم إلى الداخل لأنه يعيش فعلا حالة الترفيه والطمأنينة والدفء الإنساني لما يلقاه من ‏حفاوة وترحاب كلما تقدم في أعماق البلاد.

فالسائح الزائر لا يكاد يغادر النزل أو المطار متجها إلى داخل البلاد التونسية، إلى منطقة الجنوب تحديدا، ‏حتى تبدأ ملامح الصحراء تظهر شيئا فشيئا أمام ناظريه. وتبدأ السيارات المميزة ذات ‏الدفع الرباعي تهتزّ قليلا بعد أن تعرّج عن المعبّد لتدخل أحد المسالك المهيأة خصيصا تحت ظلال ‏النخيل أو بين أشجار السنديان لتحمله إلى تلك النزل ذات الخصوصية المميزة.

وفي الطريق القادم من الشمال والمتعرج إليها من منطقتي جربة وجرجيس السياحيتين في ‏الجنوب، لا يمكن لأي سائح أن لا يتوقف بمطماطة، تلك القرية السياحية الغارقة بين النخيل ‏وبين الوهاد إلى الجنوب من قابس، والتي تشكل مفترق الطرق إلى السياحة في الصحراء بجناحيها ‏الجنوب الشرقي أو الجنوب الغربي.

فمطماطة هي واحدة من أقدم المواقع السياحية، اشتهرت ‏كأبعد مواطن العمران البربري إلى الشمال في كامل منطقة الجنوب التونسي. هناك يعيش السائح ‏كل يوم حالة من الانتشاء بالعودة إلى التاريخ حينما ينزل إلى تلك الغرف تحت الأرض، ويقف حائرا أمام ما بلغته القدرة ‏الإبداعية للإنسان في تصريف شؤونه وتوظيف الطبيعة لنمط عيشه.

إذا كانت أكلة الكسكسي التونسي تسلب عقول السياح، فإن أطباقا أخرى من ‏اختصاصات المنطقة أسرتهم وأخذت بمجامع قلوبهم

هناك ‏يتذوق الأطعمة التقليدية ويتمدد تحت النخيل أو يطلع السلم الحجري ليجتاز به غرفة ‏وثانية وثالثة وأكثر حتى يصل إلى أعلى إلى سطح الأرض. وما يكاد يغادرها إلا ويلبي لها ‏نداء العودة، حيث يستريح وينسى العالم خارجه بكل ما فيه ومن فيه، لا يعيش تحت الأرض إلا ‏لنفسه ولعقله وخياله.. ‏وعندما يصل إلى أقصى مدينة في الجنوب، تطاوين، يقف مشدوها أمام ما يعيش ويرى ‏ويلمس، فعلى بطن الجبل يقف نزل عصري امتزج بروح الجبل ‏وببشائر الصحراء وبكل خاصيات وخدمات النزل العصرية.. لكن المهم بالنسبة إلى الزائر السائح هو تلك النزل الأخرى التي لا ‏يمكن أن يجدها في أي مكان آخر لا غربا ولا شرقا. ففي هذه المنطقة تقوم شبكة من القصور ‏الصحراوية القديمة أنشأها في زمن مضى سكان تلك المناطق، وهم من البربر الذين يعرفون في التاريخ بالأمازيغ أو سكان الجبال.

هذه القصور شيّدت ‏بمواد أولية للبناء متوفرة في جهة، ومنها الحجر والجير على وجه الخصوص، وأقيمت غرفها على طوابق من ‏الأرضي إلى الرابع بشكل معماري بديع يمنع التصادم بين النزول والطلوع على السلم الحجري ‏الخارجي لكل غرفة، التي تتسم بالطول، وتوجد داخلها مقاسم تيسّر قضاء الحاجة سواء للنوم ‏أو الجلوس أو الطعام، في حين خصص بعضها لخزن المؤونة التي هي عادة لمدة سنة فأكثر، وبعضها ‏الآخر لخزن السلاح أو للحراسة الليلية، نظرا لما اتسم به التاريخ القديم من غزوات وما ‏اشتهر به البرابرة من لجوء إلى الجبال لتسهيل الدفاع عن أنفسهم.

هذه القصور تحوّلت إلى نزل سياحية من طراز فريد بعد أن لفها الإهمال والنسيان لعقود ‏عديدة، وهي نزل تشدّ السياح إليها لما توفره من متعة الفرجة والإقامة البديعة. إقامة تجعل الواحد يتمدد مغمض العينين سابحا في خياله ‏وتصوّراته على أرض إحدى الغرف، لا يوقظه منها إلا مناد يناديه للغداء أو العشاء أو ‏الإفطار، حيث ‏يتجمع السياح فقط للأكل وليس كما جرت العادة في تقاليدهم، ولكن أيضا وأساسا حسب عادات ‏وتقاليد الجهة واستيحاء من تاريخ المكان أيضا.‏

رحلة ممتعة عبر رمال الصحراء في مدينة دوز

وإذا كانت أكلة الكسكسي التونسي تسلب عقول الزوار من السياح، فإن أطباقا أخرى من ‏اختصاصات المنطقة أيضا قد أسرتهم وأخذت بمجامع قلوبهم، وجعلت الغالبية العظمى منهم تعود ‏إلى المنطقة الساحرة عاما بعد عام. ومن هذه الأطباق ما يعرف في الجهة “بالمسلان” وهي طريقة ‏في تهيئة لحم الضأن على نار هادئة تحت الأرض، ودون أن تمسسه النار بما يجعل اللحم ذا نكهة وروعة ‏لا مثيل لهما. إضافة إلى ما يعرف بخبز الملة، وهو خبز يتم طهيه مباشرة في ‏الرمل الصافي، وحين يجهز لا تبقى به ذرة رمل واحدة، وطعمه يبزّ جميع أنواع الخبز الأخرى ‏بما يجعل السياح يعشقونه عشقا.‏

ولكن سائح الصحراء لا يتمتع بذلك فقط، فهو ينطلق عبر الصحراء نفسها والتي ‏اشتهرت في تونس بأنها موطن الغزال والوعل وموطن الحبارى، ذلك الطائر الجميل الذي لم ‏يذق الإنسان لحم طير أشهى ولا أحلى منه. وهي بلد الزواحف أيضا، التي يعجب السائح بكيفية تمكن ‏أهاليها من الحصول على الكثير منها، من أفاع وعقارب وملال وأورال، ثم تحنيطها وعرضها على ‏السياح في لوحات عجيبة، يقتنيها هؤلاء كنوع من التذكار التي لا يجدونها في أماكن أخرى. ‏

وفي انطلاقته لاستكشاف الصحراء والغوص في أعماقها وتجاوز ما يعرف ‏بسلسلة جبال مطماطة إلى الجنوب، يكون الالتفاف غربا عبر برج بورقيبة حيث تلك الوهاد العميقة ‏وربى الرمال الممتدة على مدى البصر ليس أروع منها سوى الوقوف عندها للتأمل في غروب ‏الشمس، ثم مواصلة الطريق الصحراوي غربا وصولا إلى دوز وقبلي.

وعند عودة السائح من رحلة ممتعة عبر رمال الصحراء تجده في مدينة دوز الشهيرة بإنتاج ‏أشهر أنواع التمور وأجودها لغاباتها الممتدة من النخيل، عدة فنادق تقدم خدمات من طراز رفيع ‏يجمع بين المتعة والراحة، تماما مثلما هو الأمر في قبلي المجاورة لها.‏‏

17