السياحة في تونس قطاع مريض من أهله

كيف يمكن إنقاذ السياحة التونسية مما تعانيه وإعادة الاعتبار إليها لتساعد في دفع عجلة الاقتصاد وإنقاذ العاملين فيها من البطالة؟ الحلول المطروحة الآن لم تثبت جدواها في الاتجاه إلى سوق أوروبا الشرقية؛ إذ تبين أنها حلول مؤقتة وأن أوروبا الشرقية لا يمكن أن تكون سوقا دائمة، والسياحة الداخلية بهرجة إعلامية أطلقها الوزراء الذين أشرفوا على هذا القطاع ولم يوفروا التشجيعات ولا الأسعار المناسبة لمواطن أنهكه غلاء المعيشة.
الاثنين 2016/08/08
أسواق راكدة

تونس - رفعت صباح السبت الوحدات الأمنية بمدينة جربة السياحية جثة سائح روسي الجنسية يبلغ من العمر 24 عاما، يرجّح أنه رمى بنفسه من نافذة غرفته في الطابق الثالث بأحد نزل الجزيرة التونسية، وأفادت السلطات الأمنية أنه تم العثور بغرفة السائح على ورقة دونت عليها معطيات تفيد بأنه كان يعاني من مرض نفسي ويعيش حالة اكتئاب. هذه الحادثة تطرح سؤالا حول ما وصل إليه حال السياحة التونسية بعد الثورة والضربات الإرهابية التي هزت كلّا من متحف باردو ومدينة سوسة.

وشكل الاعتداء الذي استهدف متحف باردو بالعاصمة التونسية في مارس 2015 وقتل فيه 19 شخصا بينهم 17 سائحا أجنبيا، ضربة موجعة للسياحة التونسية التي تعيل 10 بالمئة من السكان، وقتل 38 سائحا أجنبيا بينهم 30 بريطانيا، في هجوم نفذه مسلح تونسي على فندق في محافظة سوسة يوم 26 يونيو 2015 ما زاد في تراجع عدد السياح الأوروبيين وإغلاق العشرات من النزل، وإحالة المئات من العاملين على البطالة.

ولإنقاذ هذا القطاع الذي يساهم بنحو 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، أعلنت وزارة السياحة آنذاك عن إجراءات عديدة لمساعدة أصحاب النزل شملت حينها الجوانب المالية والاجتماعية ومنها تأجيل خلاص أقساط القروض مع إعادة جدولتها حسب قدرة المؤسسة على التسديد بالإضافة إلى منح قروض جديدة وإقرار تخفيضات في تذاكر السفر وإطلاق حملة محلية ودولية لتشجيع الوافدين الأجانب على اختيار تونس وجهة سياحية.

لكن هل تعافت السياحة التي تشغل أكثر من 400 ألف شخص بشكل مباشر وغير مباشر وتقدر عائداتها بما بين 18 و20 بالمئة من مداخيل تونس السنوية من العملات الأجنبية؟

جشع أصحاب النزل

اتجهت الحلول المقترحة لإنقاذ القطاع السياحي إلى الأسواق غير التقليدية حيث ركزت السلطات المهتمة بالقطاع على افتتاح سوق أوروبا الشرقية بغية تعبئة النزل التي أصبحت تشهد فراغا خلال هذا الصيف دون الاعتناء بنوعية السائح، فكان المستفيد الأول أصحاب النزل ووكالات الأسفار بحسب شهادات البعض من العاملين في القطاع.

محمد المزالي منسق رحلات في شاطئ المنستير يؤكد لـ”العرب” أن القطاع السياحي مريض من أهله، فعندما فُتحت السوق الروسية لم يكلف أصحاب النزل أنفسهم عناء تكوين فريق من العاملين وتهيئتهم للتواصل مع الروسيين، فالذين يتقنون اللغة الروسية قليلون، والعارفون بطبائع الروسيين وثقافتهم قليلون أيضا، ولم يكتف أصحاب النزل بذلك إذ اختاروا التعويل على اليد العاملة الموسمية وغير المختصة والتي تتكون عادة من التلاميذ والطلبة.

منشط: مع السياح الروس أعود كل يوم بـ"أكياس من الشكر" التي لا تصرف في بنك ولا في متجر

ويؤكد محمود -رئيس مطبخ في نزل (3 نجوم) في ضاحية القنطاوي بمدينة سوسة- أن الفريق الذي يعمل معه والمتكون من خمسة تلاميذ ليس فيه من يحسن حتى تقطيع جزرة، وبدل أن يساعدوه في العمل أصبح يخاف عليهم كأن تنقلب عليهم قِدر ساخنة أو يقطعوا أصابعهم بالسكين، لذلك يوكل إليهم محمود مهمات سهلة ويتكبد هو كل العناء.

هؤلاء العمال الموسميون لا يعرفون التعامل مع السائح الذي أتى للراحة والاستجمام، فالأمر يتطلب خبرة كبيرة كما يؤكد المزالي الذي قام بدورة تدريبية في موسكو استعدادا لاستقبال السياح من روسيا، ويروي حادثة مشادة بالأيادي بين عاملات في أحد النزل من أجل الظفر بالحريف الذي يتكرّم عليهن ببعض المال، والطريف أن سائحة أبلغت صاحب النزل بالحادثة فضحك وكأن الأمر لا يعنيه.

عبدالعزيز -يعمل منذ 25 سنة في القطاع السياحي في أحد نزل القنطاوي بمدينة سوسة- يشتكي هو الآخر من تضييق الخناق عل العامل من قبل أصحاب النزل خاصة وأن السائح ينتظر معاملة لطيفة من العمال، فمثلا يمنع عنه أن يسلم كأسا أو ملعقة أو صحنا من المطعم إلى الحريف كي يأخذه معه إلى الغرفة التي يقيم فيها، ويمنع عنه شرب فنجان القهوة الصباحية خارج المطعم، هذا التعامل يجعل الحريف يمتعض من النادل الذي لا ذنب له سوى أنه ينفذ أوامر صاحب النزل حتى لا يطرد من عمله.

يذكر أن البعض من النزل لا يقدم جهاز التحكم في التلفزيون (الريموت كنترول) إلا بعد أن يقدم الحريف ضمانا بعشرين دينارا، كما لا يوفر نفاضات السجائر في الغرف، وهو ما اعتبره السائح الجزائري بوعلام -الذي يأتي إلى تونس بمعدل خمس مرات في السنة- عدم ثقة في الحريف الذي يدفع للنزل مقابلا يمكنه من شراء جهاز تحكم من البضاعة الصينية لكل حريف جديد دون أن يؤثر ذلك على ميزانية النزل. وأكد أن هذه الظاهرة لم تكن موجودة في النزل الذي يقيم فيه الآن في القنطاوي بسوسة والذي أقام فيه السنة الماضية والسنة التي قبلها، متسائلا عن الغلاء الذي ظهر هذه السنة، فإيجار الغرفة كان في السنة الماضية نصف المبلغ الذي دفعه هذه السنة، حتى أنه أصبح يفكر في أن يغير وجهته في السنة القادمة الى إحدى الدول الأوروبية مثل البرتغال أو أسبانيا، خاصة أن الإجازة في هذه البلدان تكلفه المبلغ نفسه الذي تكلفه إياه الإجازة في تونس.

تأبين السياحة

عادل -المنشط في نزل (5 نجوم) بالقنطاوي- يتحسر على أيام السياحة الأوروبية (الدول الغربية)، قائلا “مع السياح الروس أعود كل يوم بـ”أكياس من الشكر” التي لا تصرف في بنك ولا في متجر ولا في مقهى”، وانتقد السياحة التي تتم في جماعات منظمة عن طريق وكالات الأسفار، وقال إن المستفيد الأول والأخير هو صاحب النزل؛ فالقادمون من روسيا لا يصرفون ولو مليما واحدا خارج النزل لأن الإقامة كاملة، فلا تنشط الحركة التجارية في المناطق السياحية، إذ مازالت المحلات التي تبيع التحف والتذكارات تشهد الركود الشتوي إلا ما تجنيه من بعض السياح القادمين من أوروبا الغربية وهم قليلون أو من السائح الجزائري الذي يشارك المواطن التونسي التاريخ نفسه والتراث ذاته تقريبا، لذلك لا تستهويه التحف والتذكارات. أما المقاهي والمطاعم فينشطها السياح التونسيون الذين بدورهم يشتكون من تعريفة النزل مقارنة بالسياح القادمين من أوروبا.

الزبون التونسي

خلال الأزمة التي حلت بالقطاع السياحي منذ الضربات الإرهابية، هبّ التونسيون لإنقاذ القطاع الذي يحرك عجلة اقتصاد البلاد، ونظموا حملات ترويجية على صفحات التواصل الاجتماعي لكن تفاجأوا بغلاء الأسعار، فرجب مثلا بحث خلال إجازته عن نزل يقضي فيه أياما مع زوجته وطفليه قبل حلول العودة المدرسية وما يستتبع ذلك من التزامات وإجراءات، فوجد أن غرفتين يكلفانه نصف راتبه الشهري مقابل ليلة واحدة، لذلك اختار التخييم في أحد الشواطئ. وأكد أنه قضى ثلاثة أيام في خيمة استأجرها على شاطئ غار الملح في محافظة بنزرت، وهناك يشتري كل يوم السمك ويعد السلطة بنفسه لكل العائلة، الأمر الذي أسعد زوجته كما يقول لأنه أراحها من عناء الطبخ. الأمر الهام في تجربة رجب أن عطلته القصيرة لم تكلفه ما يكلفه استئجار غرفة واحدة لليلة في نزل عادي في المدن السياحية كجربة والحمامات أو منطقة مسيوتة.

الكثير من الشباب اختاروا أيضا سياحة التخييم؛ يختارون مناطق بحرية لا يرتادها السياح وتكون قليلة الاكتظاظ فيقيمون خيامهم لأيام إن كانوا في إجازات، أو ينصبونها في كل عطلة نهاية الأسبوع، هذا ما فعلته أحلام (رسامة) مع ثلة من صديقاتها وأصدقائها الذين يختارون في كل سبت التوجه الى منطقة بحرية، فيقضون الليل على شاطئ البحر، كانت آخر مرة في قرية “كاب سيرات” في مدينة بنزرت القريبة من كل المرافق التجارية والبعيدة عن الاكتظاظ. وتقول أحلام “الممتع في الرحلة هو المغامرة”، مؤكدة أن النزل والفنادق لا تستهويها لأن الأكل فيها في توقيت محدد ووتزعجها الضوضاء في الليل، لذلك تختار عادة أن تستأجر بيتا أو خيمة تشعر فيها بالحرية وتجديد النشاط والحيوية. وحول المخاطر الأمنية، قال ناجي (زوج أحلام) “إن الخطر وارد لكن حين تكون مع مجموعة تستطيع مواجهة أي خطر وارد”، على الرغم من أنه لم يتعرض لأي إزعاج يثنيه عن إجازته القصيرة.

سياحة تترنح

وحدهم المتزوجون الجدد يفضلون النزل في إجازتهم الصيفية أو في شهر العسل دون حسابات مالية، فلطفي (حلاق) اختار أن يقضي أسبوعا مع زوجته في أحد نزل مدينة المنستير لأنه لا يريد أن يقضي الوقت في الطبخ أو الذهاب إلى السوق، فهو يفضل أن يستمتع بكل الوقت مع زوجته قبل أن يعود إلى العمل وساعاته الطويلة بعيدا عن البيت.

يذكر أن أحد التونسيين نشر صورا له على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” في مطعم النزل الذي يقيم فيه، ووضع كميات من الأكل تكفي أربعة أفراد، معلقا على أنه يريد تعويض ما دفعه لإدارة النزل، وقد أكد عاملون في نزل في القنطاوي أنهم يرمون كميات هائلة من الأكل يوميا بعد أن تعود من السياح العرب، متسائلين لماذا لا يقتصر السائح التونسي أو الجزائري على ما يكفيه من الأكل؟

بقية العائلات التونسية اعتادت على استئجار بيت في إحدى المدن الساحلية مثل بنزرت ومدن الوطن القبلي والمنستير لتقضي أسبوعا أو أكثر، وعلى الرغم من عناء التبضع والطبخ فإن أغلبها يفضل هذه الطريقة في قضاء الإجازة الصيفية، فالمنصف (أستاذ إنكليزية من الجنوب) يقضي شهرا كاملا

من كل صيف في مدينة قليبية، ويقول إن ما يمكن أن يدفعه لنزل خلال أسبوع يكفيه لمدة شهر مع عائلته المتكونة من أربعة أفراد، إضافة إلى هامش الحرية الذي يستمتع به مع أطفاله، وهو يعتبر أن نظام الفنادق يذكره بنظام السجن أو المستشفيات.

ما يعيبه المنصف على المصطافين هو عدم الحفاظ على نظافة الشواطئ حيث تترك العائلات بقايا الأكل وقناني المياه الفارغة وغير ذلك من القمامة التي يمكن أن يضعوها في الحاويات المخصصة لذلك وما خف منها يمكن أن يعودوا به إلى البيت، حسب رأيه.

ومؤخرا استاء المنصف كثيرا بعد أن زار جزيرة “قورية” في محافظة المنستير وهي محمية السلاحف البحرية أين فوجئ بما يمكن أن يتسبب فيه الإنسان لصديقه الحيوان كما يقول، هذه الجزيرة التي أصبحت تنظم لها رحلات بحرية لقضاء يوم كامل على شاطئ ذهبي صارت مهددة بقمامة الإنسان وما يتركه من سموم بلاستيكية وفضلات أكل حتى أنه يتوقع فناء السلاحف في المستقبل القريب ما لم تنظم السلطات هذه الرحلات وتهيء الشاطئ لاستقبال المصطافين.

20