السياحة في مصر على موعد مع المعاناة، هذه المرة من كورونا‎

إغلاق المنتزهات والحدائق العامة لمنع تفشي الوباء وسط معاناة إضافية للسياحة الداخلية في مصر.
الخميس 2020/04/16
انتظار انتهاء الأزمة

اصطدمت السياحة المصرية بمواجهة فايروس كورونا لتجدد موعدا آخر مع المعاناة التي طالما فرضت نفسها لتكبّل القطاع المتعطش للنمو بعد تخطيه المضني لتداعيات الإرهاب الذي حرم البلاد من عوائد السياحة طيلة سنوات.

سامي مجدي /ناريمان المفتي

القاهرة - مثلت إجراءات الحظر المفروض على زوار الأهرامات المصرية الشهيرة بسبب جائحة كورونا صدمة لبائع الهدايا التذكارية سيد الجبري وعمال السياحة الآخرين.

ومع انتشار الفايروس، كثفت الحكومة من الإجراءات الوقائية، وبلغت ذروتها بحظر جميع الرحلات الجوية الدولية، إلا في استثناءات طفيفة لجلب مواطنين عالقين في بعض الدول.

وأصدرت الحكومة قرارا، الأربعاء، بغلق جميع المنتزهات والحدائق العامة في أثناء الاحتفال بعيد شم النسيم، مطلع الأسبوع المقبل، مع تنبيه مسؤولي الأقاليم المختلفة إلى ضرورة التشدد في تطبيق القرار، وهو آخر مسمار جرى وضعه في نعش السياحة الداخلية.

ولم يكن هناك شيء يستطيع الجبري فعله، وقال بينما كان يحدق في الموقع الأثري الخالي في الجيزة، القريبة من القاهرة، “كل شيء إنهار في غمضة عين”.

ويمكن أن يؤثر الوباء العالمي على الوضعية المالية لمعظم فئات الشعب المصري بشكل قاس، خاصة العاملين في مجال السياحة التي توقفت داخليا وخارجيا.

وبحسب أرقام حكومية، فإن الحظر الجزئي يهدد مصادر عيش العديد من سكان مصر البالغ عددهم مئة مليون نسمة، حيث يعيش واحد من ثلاثة بالفعل في مربع الفقر المدقع.

ولم يشهد الكثير من المصريين، ولاسيما أولئك الذين يعملون في مجال السياحة، تحسنا في ظروف المعيشة إلا مؤخرا، عقب الانكماش الذي أحدثته الانتفاضة الشعبية في 2011، وما تلاها من توترات داخلية انعكست على حركة السياحة.

وتعرض القطاع لمشاكل مزمنة خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي، عندما استهدفت جماعات متطرفة مزارات سياحية ووفود أجنبية، كبدّت الدولة خسائر باهظة، احتاجت إلى سنوات طويلة كي تتعافى منها.

ووصل الموسم السياحي في مصر إلى ذروة انتعاشه عام 2010، وانتعشت حالة العالمين فيه، وبدا واعدا لما بعده من أعوام، حتى جاءت الانتفاضة الشعبية في بداية العام التالي وتعثر القطاع، وفقد قوته الرئيسية مع توالي العمليات الإرهابية.

وبذلت الحكومة المصرية جهودا مضنية في مكافحة الإرهاب، واستعاد قطاع السياحة عافيته بعد انقضاء نحو خمسة أعوام على الموجة الثانية للانتفاضة في يونيو 2013، وانتعشت أحوال الشركات والعاملين في السياحة، وقفز إلى ما يقارب استيعاب الطاقة الكاملة للفنادق والقرى السياحية، وازدحمت المزارات والشواطئ في أنحاء مصر.

وما إن حدثت هذه الطفرة التي عُلقت عليها آمال إنعاش القطاع خلال العام الجاري، حتى داهم الوباء البلاد وقلب التوقعات الإيجابية إلى سلبية، وعادت السياحة في مصر، مثل كل بلدان العالم، إلى نقطة الصفر تقريبا.

وقال الجبري (42 سنة)، وهو أب لأربعة أطفال، “كنا نتعافى للتو”، وكان الجبري يكسب ما يصل إلى 900 جنيه مصري (حوالي 57 دولارا) في الأسبوع، وهو ما يكفي لإعالة أسرته، وكل هذا ذهب الآن مع الريح.

وأغلقت الحكومة المصرية، منذ منتصف مارس الماضي، المدارس والمساجد والكنائس والمواقع الأثرية والسياحية، وأمرت بإغلاق المطاعم والمقاهي ومراكز التسوق وصالات الألعاب الرياضية لتشجيع الناس على البقاء في منازلهم، وتم فرض حظر التجول من الساعة الـ8 مساء وحتى 6 صباحا.

شوارع فارغة.. أزمة متنامية
شوارع فارغة.. أزمة متنامية

وناشد الرئيس عبدالفتاح السيسي المواطنين احترام إجراءات التباعد الاجتماعي والبقاء في منازلهم، ولكن يبدو أن إبقاء 6 أقدام (حوالي 2 متر) كمسافة بعد أمر صعب في المدن المزدحمة، حيث يعيش معظم المصريين، والكثير منهم عمال يتقاضون أجرا يوميا، ما دفع بعضهم إلى عدم الالتزام بالتعليمات.

وفي القاهرة الكبرى، وهي منطقة تضم ثلاث محافظات مجاورة، القاهرة والجيزة والقليوبية، ويزيد عدد سكانها عن 20 مليون نسمة، غالبا ما يجلس الركاب أو يقفون بالقرب من بعضهم في قطارات السكك الحديدية ومترو الأنفاق والحافلات العامة، ومعظمهم لا يرتدون أقنعة الوجه أو القفازات.

وأكد الرئيس السيسي أنه لن يطبق حظرا كاملا خوفا من وقوع المزيد من الضرر على الاقتصاد المصري الذي كاد يسترد نموه المعتاد، لولا مباغتة كورونا.

وتستمر الحياة في القاهرة خلال ساعات النهار، وتتواصل حركة المرور في التدفق، وتشغل زوارق الاحتفالات على نهر النيل الموسيقى الصاخبة، على الرغم من أنها لا تحمل الركاب، ولا تزال العديد من الأسواق في الأحياء الأكثر فقرا في المدينة صاخبة وتعج بزوارها.

ويتم إغلاق المحلات التجارية الساعة الخامسة مساء، وتصبح شوارع القاهرة وميادينها الرئيسية هادئة تماما، وتحرص أجهزة الأمن على تطبيق قوانين الحظر لمنع الاختلاط وزيادة العدوى.

وخصصت مصر نحو 6.5 مليار دولار لمواجهة الفايروس، وأمر البنك المركزي بتطبيق أكبر خفض لسعر الفائدة في تاريخه، وبدأت الحكومة في صرف إعانات البطالة للعمالة غير الرسميين بحوالي 32 دولارا شهريا لمدة ثلاثة أشهر، ولكن بالنسبة للبعض فقد وقع الضرر بالفعل، حيث تجاوز قطاع السياحة وملحقاته إلى مجموعة كبيرة من الحرف الموازية.

وأغلق عبدالكريم سيد، صاحب مقهى في القاهرة، مقهاه وسرّح موظفيه، وقال إنه يعرف أصحاب الأعمال الآخرين الذين يفعلون الشيء نفسه “لقد دُمرنا جميعا من الناحية المالية”.

وتعد المقاهي والمطاعم في القاهرة من القطاعات الأكثر رواجا، ومن أهم أدوات الجذب، خاصة في مجال السياحة العربية، وبعد أزمة كورونا تكبدت خسائر باهظة، ولا يعرف أصحابها متى يستأنفون نشاطهم.

11