السياحة في ملكوت الديانات القديمة

الأحد 2014/11/30
مدائن صالح معلم أثري يجهله العالم

الحجر- (السعودية)- تتساءل السائحة الأيرلندية أنجيلا بينما كانت تتجول برفقة زوجها في مدائن صالح شمال غرب السعودية عن قلة أعداد السياح في هذا المعلم “الحضاري المهم للبشرية”.

وتقول: “إنه مكان مذهل يحبس الأنفاس. جئت من أيرلندا (…) الموقع الأثري مدهش حقا لم أر في حياتي كلها شيئا مثل هذا المعلم المهم جدا للحضارة والبشرية “.

وتضيف أنجيلا ميسكيلي الأربعينية الشقراء التي ترتدي عباءة وتضع غطاء رأس شفاف أسود اللون “لماذا لا يوجد سياح؟ أعتقد أنهم يتوجهون إلى البتراء لمشاهدة آثار الأنباط لكن عددهم هنا لا يذكر”.

وتتابع “إنه أمر مميز أن تكون هنا (…) لو كانت هذه الآثار المبهرة في بلادي لكنت شاهدت الملايين تهرع لرؤيتها”.

وتبلغ مساحة مدائن صالح أو موقع الحجر الأثري أقل من 15 كلم مربعا وتتوزع على مجموعات من المقابر الكبيرة والصغيرة المحفورة في صخور وردية اللون وعددها 138 بعضها يتميز بالأبّهة والفخامة تبعا لمكانة المتوفى وعائلته.

وقد سيطر الأنباط على الحجر (22 كم شمال العلا) واسمها قديما “حجرا”، من القرن الثاني قبل الميلاد حتى مطلع القرن الثاني بعد الميلاد مع مجيء الرومان الذين شنوا ثلاث حملات قبل إخضاعهم المنطقة.

وتشير الألواح الاشورية إلى وجود الأنباط بين القرن الثامن والسابع قبل الميلاد في مناطق المشرق. وقد امتدت دولتهم من دمشق شمالا حتى مدائن صالح جنوبا وشملت سيناء وغزة ووادي عربة وشرق البحر الميت ونهر الأردن وحوران وجبل الدروز والبقاع. واستمرّت حتى سيطرة الرومان عليها في سنة 106 ميلادية.

آلهة الأنباط ورثها العرب في الحجاز وعبدوها قبل الإسلام وخصوصا اللات ومناه والعزة وهبل. كما عبد الأنباط عشتروت آلهة الخصب لدى الفينيقيين

وقد تحكم الأنباط بطريق البخور والعطور والتوابل قديما قبل أن يتحول إلى طريق الحج الشامي والمصري بعد الفتوحات الإسلامية.

وقاموا بحفر القبور وأبرزها “الفريد” الذي أطلقت عليه هذه التسمية نظرا لفرادته في الحجم والزخارف المحفورة في واجهته البالغ ارتفاعها 22 مترا. وقد تم تشييده لـ”حيان بن كوزا وذريته”.

وغالبا ما يكون هناك نسر أو تيجان أو زهرة اللوتس فوق مدخل القبر ونقش باللغة النبطية يشير إلى تاريخ تشييده واسم صاحبه. وقد حدد تاريخ 22 قبرا ليس بذكر السّنة فقط وإنما بشهري نيسان/أبريل وأيار/مايو أيضا.

وكتب فوق أحد القبور أن تشييده كان “العام أربعين من حكم الحارثة الرابع″ أي الموافق عام 23 ميلادي.

من جهته، قال الشاب السعودي طارق العدوي من تبوك بينما كان برفقة شقيقه وعائلته “إنها المرة الأولى. أشجع الجميع على زيارة المكان (…) شعرت بالرهبة فور مشاهدتي المقابر. ما هي هذه القوة التي حفرت الصخور على هذا الشكل؟”.

ووفقا للمصادر التاريخية، فان “أهم نحاتيْن لدى الأنباط هما عبد عبادة وخلف الله”. وقد بنى عبادة قبرا ضخما هو “قصر البنت” المخصص لابنته “وائلة وذريتها” العام 27 ميلادي.

وقد أبدى الأنباط اهتماما ملحوظا بأمواتهم وكانوا يتوسلون “كبير الهتهم ذو الشرى”، ورمزه النسر بأشكال متعددة، ليصفح عن أخطائهم وكذلك “مونوتو” آلهة الينابيع التي يرمز إليها بواسطة جرة من الفخار.

وتؤكد المصادر التاريخية أن آلهة الأنباط ورثها العرب في الحجاز وعبدوها قبل الإسلام وخصوصا اللات ومناه والعزة وهبل. كما عبد الأنباط عشتروت آلهة الخصب لدى الفينيقيين.

تشير الألواح الاشورية إلى وجود الأنباط بين القرن الثامن والسابع قبل الميلاد في مناطق المشرق

إلى ذلك، كان لهم أسلوبهم الخاص في الري وحفظ المياه فقاموا بنحت خزانات إما في الصخر أو من خلال برك فوق الجبال.

ويعبر السعودي الأربعيني أحمد المغربي عن “الدهشة حيال عظمة المكان”، قائلا “أنا في غاية التأثر (…) لم أتوقع أن تكون بهذا الحجم والضخامة. إنها رائعة كيف قاموا بذلك وكم استغرقهم ذلك من الوقت؟”.يشار إلى أن المقابر كانت مأهولة عندما اكتشفها الرحالة البريطاني تشارلز داوتي العام 1876.

ويقول مسؤولون في المكان إن أعداد الزائرين كانت حوالي الأربعين ألفا العام الماضي، لكنهم يتوقعون أن تتضاعف العام الحالي مع المزيد من التسهيلات لزيارة الموقع.

ويؤكدون أن الزيارة بحاجة إلى إذن يمكن الحصول عليه من العلا أو الرياض وأكثر الأوقات ازدحاما تقع بين ديسمبر ومارس أي خلال فصل الشتاء نظرا للحرارة المرتفعة ربيعا وصيفا.

وفي الموقع متحفان أحدهما خاص بسكك حديد الحجاز الشهيرة التي عبرت المكان أوائل القرن العشرين والآخر لطريق الحج تم افتتاحهما قبل شهرين. وخط سكك حديد الحجاز الذي ربط بين دمشق والمدينة المنورة بدأ العمل فيه العام 1900 وانتهى العام 1908. ويحل السعوديون في طليعة السياح ويأتون غالبا يوم الخميس.

وما تزال أعمال التنقيب والحفريات جارية في المنطقة السكنية ويتولاها فريق فرنسي من المركز الوطني للأبحاث وجامعات عدة بالاشتراك مع فريق سعودي.

وتغطي كتابات بعضها ديني الطابع جدران المقابر الداخلية وخصوصا المعبد الرئيس للأنباط إذ لحقت بها أضرار كبيرة جراء الشعارات المكتوبة بواسطة البخاخ الذي تصعب إزالته.

17