السياح الأوروبيون يعيشون أجواء رمضان في تونس

تونس تعجز عن مزاحمة الدول الأخرى في الترويج للسياحة الحلال، لكنها لم تتفطن إلى فكرة مختلفة تعتمد على استقطاب السياح الأوروبيين الذين يبحثون عن الاختلاف إلى عيش أجواء رمضان.
الأحد 2019/05/12
روحانيات رمضان تتحد مع المنظر البانورامي للمدينة القديمة

يزداد الترويج للسياحة العائلية في رمضان من الدول العربية والآسيوية والأوروبية لاستقطاب الصائمين في رحلة تعفي الزوجة من مهام المطبخ وتستمتع بإجازتها السنوية خاصة بعد خروج النساء للعمل فزاد حمل الشغل والبيت عليها لذلك تفضل بعض العائلات الراحة في رمضان والتفرغ للتجوال والتسوق، لكن ما لم يتم الترويج له هو دعوة الأوربيين ومن هم من ثقافات مختلفة إلى عيش أجواء رمضان، على الرغم من أن هؤلاء يعجبهم التجديد والاختلاف.

تونس ـ  حلّ شهر رمضان مع حلول الموسم السياحي في تونس، وعلى الرغم من علم السياح بشهر الصيام إلا أن بعضهم غامر وقدم لقضاء عطلته واكتشاف كيف يعيش التونسيون هذا الشهر ليكتشفوا، حتى من زارها في السابق، أنها مدينة مختلفة عما هي عليه خلال بقية السنة، حيث تشبه فيه العواصم الأوروبية في نمط حياة الناس فيها وحركيتها وضجيجها.

يذكر أن وزارة السياحة لا تروج لتونس على أنها وجهة رمضانية مفضلة على الرغم من معالمها الإسلامية المتميزة كالعاصمة ومدينة القيروان والمهدية ونابل وغيرها، والحال أن كل الدول تعمل على استقطاب الصائم في عطلة شيقة، فالدول الغربية تروج للسياحة الحلال لتستقطب السائح المسلم، وكذلك الدول العربية والآسيوية.

وعلى الرغم من أن تونس عاجزة في الوقت الحاضر عن مزاحمة الدول الأخرى على السياحة الحلال، فإنها لم تتفطن إلى فكرة مختلفة تعتمد على سوقها الأوروبية التقليدية في استقطاب السياح الأوروبيين الذين يبحثون عن الاختلاف إلى عيش أجواء رمضان.

سيدي بوسعيد والمرسى

بين سيدي بوسعيد والمرسى والمدينة القديمة يطيب التجول نهارا والسهر ليلا
بين سيدي بوسعيد والمرسى والمدينة القديمة يطيب التجول نهارا والسهر ليلا

يقول العاملون في قطاع السياحة، إنهم يستحدثون برامج خاصة بشهر رمضان للسياح الذين يفضلون قضاءه في العاصمة التونسية على اختلاف دياناتهم، فتهتم المطاعم بالمطبخ التونسي، كما تقدم المقاهي “القهوة العربي” والشيشة والشاي على أنغام موسيقى المالوف.

 في مطعم الصفصاف في المرسى الواقعة في الضاحية الشمالية من العاصمة، يتدفق السياح قبل موعد الإفطار، يجلسون إلى طاولاتهم بجانب العائلات التونسية، يطلبون الأكل الذي يختارونه من قائمة تحتوي على أكلات تونسية ومشاوي السمك، من يحب المغامرة يطلب أكلا تونسيا أسوة بمن يجلس من الصائمين إلى الطاولات التي تجاوره، فتقَدم له شوربة الفريك يليها طبق الكسكسي بالسمك أو اللحم وفق اختياره، ثم تقدم له البريكة مع قطعة ليمون، تبدو في منظرها غريبة، لكن الجميع يقبل عليها.

السيدة جوزيفين القادمة من مدينة غرونوبل الفرنسية تعرف جيدا الأجواء الرمضانية لأن لها أصدقاء في ضاحية المرسى وقد سبق أن أتت في موسم الصيام على الرغم من أنها لا تصوم ولكن طقوس هذا الشهر تعجبها، وخاصة السهر في الليل فبجانب مطعم الصفصاف هناك المقهى أيضا الذي يقدم الشاي و”القهوة العربي”، والأطفال يلاعبون الجمل.

تقول جوزيفين، ما يعجبني في شهر رمضان الصمت الذي يسود قبل موعد الإفطار، إنها ساعة صفاء أعيشها مع الجميع الذي ينتظر الأذان، الشوارع خالية إلا من القليل الذين يسرعون الخطى، لا ضجيج سيارات، صوت البحر يملأ الآذان في المرسى، لا أستطيع أن أعبر عن هذه الحالة إلا بسنمفونية الحياة، التي تفسح المجال لصوت المؤذن، ليبتسم من حولي في المطعم مقبلين على الأطباق التونسية.

المرسى ليست وحدها التي تعيش هذه الحالة من الصفاء، فبجوارها سيدي بوسعيد، ضاحية يليق ببناياتها الأبيض والأزرق، لونان يزدادان نصاعة في شهر رمضان.

وأهم ما يميز منطقة سيدي بوسعيد موقعها الإستراتيجي، فقد اعتلت الجبل في أعلى المنحدر الصخري المطل على قرطاج وخليج تونس وغاصت مياه البحر فجاورت المرسى لتكون قريبة من العاصمة حتى أنها تستهوي كل زائر وفي كل الفصول.

تقول جوزيفين، في مدينة سيدي بوسعيد المطلة على البحر المتوسط يحلو السهر في المقاهي حتى آخر الليل، هناك جربت بريجيت القادمة من سويسرا الشيشة وتذوقت “القهوة العربي” التي تفوح رائحتها في أرجاء المقهى، تقول هذه السائحة التي اكتشفت تفاصيل شهر رمضان في هذه العطلة، “التجار في الأسواق التي تبيع المشغولات التقليدية أكثر طيبة، يتخلون عن شراسة الإلحاح أثناء البيع والشراء، أحيانا أشعر بأنهم متسامحون في الأسعار، اشتريت عُدة ‘القهوة العربي’؛ الركوة النحاسية مع الطبق المزخرف بنقوش عجيبة، كما اشتريت الفناجين لتكتمل طقوس هذا المشروب الذي يختلف عن مذاق القهوة العصرية أو الإيسبرسو كما يسميها الإيطاليون”.

سياح يسعون لاكتشاف حضارة وتقاليد الشعب التونسي
سياح يسعون لاكتشاف حضارة وتقاليد الشعب التونسي

التجول في سيدي بوسعيد في الليل أو النهار يشكل سحرا للسياح الذين يستقبلهم بائع المشموم التونسي، لتجذبهم حلويات “البامبالوني” (فطائر بالسكر) في كل الشوارع التي تزينت بألوانها التي انصهرت في لون أشجار الياسمين والفل والقطع الأثرية التي غطت أبواب المحلات وأبدع التجار في ترصيفها فيبتهج المارون لرؤيتها.

يذكر مارك الذي قدم مع زوجته هذه الأيام من ألمانيا، أن الصدفة هي التي جمعته بأجواء رمضان، فعلى الرغم من أنه زار العديد من المناطق في الصيف كجربة وسوسة والمنستير، إلا أنه لم يعش الأجواء الرمضانية، وهي مختلفة اختلافا كليا، يقول “كأنني أتيت إلى تونس أخرى؛ الناس لا يدخنون في الشارع، ولا يأكلون أيضا، لكن التجول في الشوارع في النهار مريح، حدثني عون الاستقبال عن هذه الأجواء بأنني سأكتشف سر المدينة وسحرها ليلا”.

ويضيف “خلال النهار تجولت في شارع الحبيب بورقيبة، مررت بالكاتدرائية الشامخة يجاورها تمثال المفكر ابن خلدون، التقطّ صورة لي وأنا بجواره، ثم مررنا إلى الأسواق القديمة. الحركة لا يشوبها الاكتظاظ، ترحيب تجار الهدايا والمطارق الخفيفة التي تدق النحاس يحدثان موسقى استقبال خاص، الأجواء باردة عكس الشارع الرئيسي العصري الذي تستطع فيه الشمس، علمنا أن الأجواء في رمضان تكون أفضل في الليل في هذه المدينة متشعبة الأنهج الضيقة”. يقول مارك إنه زار مختلف الأماكن في العاصمة سابقا لكنه كان يأتي ضمن رحلة ودليل سياحي، عرف من خلالهما المدينة العتيقة ومتحف باردو وقرطاج، “كان الدليل السياحي يشرح الحقبة التاريخية التي تأسس فيها جامع الزيتونة أو المسرح البلدي أو غيرهما من المواقع التاريخية، لكن التسكع مع زوجتي مع وقت كاف لزيارة كل موقع على حدة أفضل، لذلك قررنا قضاء العطلة في تونس العاصمة”.

رمضان يفوح في المدينة

اكتشاف ثراء المطبخ التونسي
اكتشاف ثراء المطبخ التونسي وتنوع أكلاته

يبدو أن هذا السائح الألماني لا يبحث عن الاسترخاء والهدوء بل يبحث عن اكتشاف حضارة وتقاليد الشعب التونسي، تماما كما الشابة ناتالي القادمة من باريس، اختارت الإقامة في بيت الشباب بالمدينة العتيقة لأنها طالبة جامعية، اختيارها ليس بسبب المال أو التكاليف، بل دور الشباب تفسح لها المجال للتعرف على أصدقاء تكتشف معهم المدينة، وهي اليوم ترافقها شابة تونسية تدعى هالة، هي طالبة لها هوس بالمدينة العتيقة أيضا وخاصة خلال شهر رمضان.

تقول ناتالي إنها اكتشفت المطبخ التونسي في بيت صديقتها التونسية، هو مختلف عن المطاعم التي زارتها من قبل والتي تقدم تقريبا وجبات شبيهة بما لديهم في فرنسا، لكنها تعرفت على السلطة المشوية والملوخية في بيت هالة التي حرصت على ألا تطبخ الأكل حارا، تذوقت ناتالي أيضا مختلف أنواع البريك والطاجين، لم تكن تعرف ثراء المطبخ التونسي من قبل وهو مختلف عن المطاعم.

في البيت تذوقت ناتالي في السهرة حلويات المخارق والزلابية، وهي حلويات لا تصنعها ربات البيوت، بل يتم شراؤها من محل له سمعة في صناعة الحلويات التقليدية، أما في المدينة العتيقة فقد اشترت المقروض القيرواني لتحلية السهرة في المقهى على أنغام العود. تقول ناتالي، التي كانت تراقب خروج الناس من جامع الزيتونة بعد صلاة التراويح، إن هذه الملابس، وتقصد خاصةً الجبة والشاشية، تقليدية تكمل المشهد الروحي الذي يطغى على المدينة العتيقة.

وتتساءل هالة لماذا لا تروج السلطات للسياحة الرمضانية وتطلع الأوروبيين على هذا النوع من السياحة، كما تروج الدول الأخرى للسياحة الحلال، لتصبح بذلك منفردة في هذا الجانب، خاصة وأن أغلب السياح صاروا يفضلون الاطلاع على ثقافة الشعوب لا على ما تقدمه من فخامة هي متوفرة أفضل في المدن الأوروبية؟ مؤكدة أن تونس العاصمة ومدينة القيروان لهما رونق خاص في شهر رمضان يستحق الاكتشاف.

16