السياح في رحلة الوداع الأخيرة إلى صخرة آيرز بأستراليا

حظر تسلق مرتفع أولورو الصخري بدافع احترام قداستها عند السكان الأصليين.
الأحد 2019/10/20
طابور طويل يسابق الزمن

تكتسب بعض المواقع شهرتها من خلال تشبث سكان البلد الأصليين بها،  ما يزيد من إقبال الزوار محاولة اكتشاف أسرار قداستها وسحرها، فصخرة آيرز في استراليا ترتبط بتاريخ السكان الأصليين، إضافة إلى سحر األوانها التي تتغير كل يوم وكل فصل، هذا السحر زاد من تدفق الزوار وزاد إزعاجهم ما دفع السلطات الاسترالية بحظر الصعود إليها وسط جدل واسع.

 أولورو (أستراليا) - يتجمع حشد كبير من الزوار وهم يتصايحون للحصول على فرصة لتسلق مرتفع صخري أحمر اللون حاد الانحدار، يقف وحيدا وسط صحراء ترابية تقع في منطقة نائية بوسط أستراليا خالية تقريبا من أي شيء آخر.

هذه الصورة تذكرنا تماما بالتكالب على تسلق قمة إيفرست بجبال الهيمالايا في نيبال، وهو التكالب الذي أدى إلى وقوع حوادث مميتة في مطلع العام الحالي.

غير أن هذه هي منطقة “أولورو” التي تعرف أيضا باسم “صخرة آيرز”، وهي تكوين صخري من الحجر الرملي، تشتهر بتغير ألوانها في الأوقات المختلفة من اليوم والسنة، فمع غروب الشمس وشروقها تتوهج باللون الأحمر، وعلى الرغم من ندرة هطول الأمطار في هذه المنطقة شبه القاحلة تكتسب الصخور خلال الأمطار اللونين الفضي والرمادي.

والصخرة جزء من حديقة “أولورو-كاتا تجوتا” الوطنية، أدرجتها اليونسكو ضمن مواقع التراث العالمي، ويقع بالقرب من الصخرة عدد كبير من الينابيع والبحيرات الطبيعية والكهوف الصخرية والرسوم القديمة، وتتمتع منطقة أولورو أو آيرز بقداسة بالنسبة إلى السكان الأصليين.

السياحة في المستقبل حول المرتفع
السياحة في المستقبل حول المرتفع

ويعد مرتفع أولورو أحد أهم المقاصد السياحية الأسترالية التي تلقى إقبالا، حيث بلغ عدد زواره العام الماضي أكثر من 370 ألفا، وهو رقم هائل بالنسبة إلى مقصد يقع في منطقة نائية حيث أن أقرب مدينة إليه -وهي أليس سبرينجز- تبعد عنه مسافة 470 كيلومترا.

وتم بناء سلسلة من الحلقات المعلقة في الجبل يستخدمها المتسلقون للصعود، ووُضعت الحلقات للمرة الأولى عام 1964، وتم تمديدها عام 1976 ليصبح التسلق أسهل، ولكن لا يزال الانحدار الشديد في الجبل أكثر ما يصعّب مهمة المتسلقين.

وأصدر المسؤولون عن المتنزهات عام 2017 حظرا على تسلق مرتفع أولورو اعتبارا من عام 2019، ويرجع السبب في ذلك إلى أهميته الروحية بالنسبة إلى التجمعات السكانية المحلية من قومية أنانجو، وهي من السكان الأصليين للقارة، وظلت قومية أنانجو تطلب من الزوار منذ عام 1985 عدم تسلق المرتفع.

يقول ستيفن بالدوين (50 عاما) مدير عمليات المتنزهات في أولورو، إن “قرار الحظر ليس ناجما عن الخضوع للضغوط، وإنما لأننا خططنا لتنفيذ الحظر منذ فترة طويلة”.

ويشكل السكان الأصليون في أستراليا أقل من 3 بالمئة من إجمالي السكان الذين يبلغ تعدادهم حوالي 25 مليون نسمة، ويعتقد أن أفراد قومية أنانجو يعيشون في منطقة أولورو منذ قرابة 30 ألف عام.

وتشير الاكتشافات الأثرية إلى أن البشر استقروا في المنطقة منذ أكثر من 10 آلاف عام، في حين وصل الأوروبيون عام 1870، ويعتبر إرنست غايلز وويليام جوس من الأوائل الذين استكشفوا المكان.

ويتدفق السياح  من مختلف أنحاء العالم على أولورو خاصة خلال الأسابيع الأخيرة، للقيام بما يشبه رحلة الوداع الأخيرة إلى قمة هذا المرتفع الصخري الذي يبلغ ارتفاعه 348 مترا فوق مستوى سطح البحر، والكائن في متنزه “أولورو تجوتا” الوطني قبل أن يتم تنفيذ الحظر في 26 أكتوبر من العام الحالي.

وكانت الحرارة تزيد عن 38 درجة مئوية في صباح أحد أيام أكتوبر، عندما هبط من أعلى المرتفع مارك باسبي (49 عاما) القادم من مدينة ملبورن.

يقول باسبي “كانت عملية التسلق تشوبها الفوضى في يوم حار وعاصف مع وجود أعداد غفيرة من الناس، وأعترف بأنها محفوفة بالمخاطر”، واستغرقت فترة صعوده إلى القمة وهبوطه ساعتين.

وبدأ حراس المتنزه يمنعون الزوار من التسلق في وقت لاحق من ذلك اليوم بسبب ارتفاع درجة الحرارة، وشعر العشرات من الزوار في سفح المرتفع بالضيق حين فاتتهم فرصة التسلق لأنهم وصلوا متأخرين ساعة من الزمن.

وعلى الرغم من الارتفاع الكبير في الأسعار، تم بالكامل حجز جميع الفنادق والنزل في “يولارا”، المستوطنة السياحية الوحيدة بالمنطقة التي تمتلكها شركة واحدة، بالإضافة إلى المخيمات الأرخص سعرا وذلك حتى شهر نوفمبر المقبل.

ومن المتوقع أن يزور أولورو عدد آخر من السياح يصل إلى 40 ألف زائر، خلال الفترة المتبقية من 2019.

صورة قبل أن يتغير لون الصخرة
صورة قبل أن يتغير لون الصخرة

وتراجع عدد الزوار الذين يتسلقون مرتفع أولورو من 74 بالمئة في تسعينات القرن الماضي إلى 16 بالمئة خلال الأعوام الأخيرة، على الرغم من أنه عاود الارتفاع خلال الأشهر الأخيرة بسبب الحظر المرتقب على تسلقه، ومعظم من يستمرون في تسلق أولورو سائحون أستراليون، يليهم الزوار اليابانيون.

ويعلق بابسي على الحظر قائلا “أعتقد أنه سيؤثر سلبا على حركة السياحة إلى حد ما، غير أن هذه هي رغبة السكان الأصليين، ومن الأفضل كثيرا ألا يكون هناك الكثير من السخافات السياسية التي أحاطت بالحظر”.

وأثار الحظر على تسلق أولورو -وهو مرتفع يقدر تاريخه بقرابة نصف مليار عام- بعض الجدل، فقد أيده بعض الأستراليين بدافع احترام السكان الأصليين، بينما عارضه آخرون ومن بينهم بعض السكان الأصليين، قائلين إنه منحة طبيعية لا تنتمي إلى تجمع سكاني بعينه.

ولا يتسلق السكان المحليون أولورو بسبب أهميته الروحية العظيمة عندهم كمكان مقدس، كما يطلبون من الزوار عدم تسلق الصخور، حيث يقول دليل الزوار المحلي “نحن لا نحظر التسلق بصورة مطلقة، لكننا نفضل أن يحترم الزائر كضيف على أرضنا عاداتنا وتقاليدنا ولا يتسلق الصخرة”. ومن المقرر فرض غرامة على من ينتهك الحظر تبلغ في حدها الأدنى 630 دولارا أستراليا (427 دولارا أميركيا)، وقد تصل العقوبة إلى السجن.

ويقول منظمو الرحلات السياحية المحليون ومسؤولو المتنزهات الوطنية إن الدخل من السياحة في المنطقة لن يتراجع بعد الحظر، حيث توجد أنشطة سياحية أخرى.وتشمل هذه الأنشطة جولات في المنطقة باستخدام السكوتر والدراجات الهوائية والنارية وركوب الجِمال.

16