السيارات الآمنة حق حصري للأغنياء في لبنان

الثلاثاء 2015/04/07

إذا أردت أن تعرف ما هي السيارات الأكثر شيوعا في لبنان فإنك لن تكون محتاجا إلى إحصاءات ودراسات وبيانات. يكفي أن تطل من شرفة منزلك على الشارع وتحدق لدقائق قليلة حتى يصطدم نظرك بحشد متتال من سيارات كيا وهيونداي.

الثابت الوحيد عند جرائد الإعلانات والذي لا يتغير إطلاقا هو الإعلانات الخاصة بهذه الأنواع من السيارات، حيث تحتل الصفحة الأولى من جريدة الوسيط اللبنانية التي تعتبر الجريدة الإعلانية الأكثر انتشارا وتداولا.

تعود أسباب شيوع اقتناء السيارات الكورية والصينية الصنع إلى سعرها الذي لا يتجاوز غالبا عتبة 10 آلاف دولار، ولكن يبدو أن هناك سياسة اقتصادية عامة في لبنان تسعى إلى إشاعة استخدامها.

يمكن الدفاع عن وجهة النظر هذه عبر تتبع شبكة الضرائب الجمركية المفروضة على استيراد السيارات، والتي تحرص على خلق فارق كبير في قيمة الرسوم المتوجبة على السيارات التي يقل سعرها عن 20 مليون ليرة (13.3 ألف دولار) وتلك التي يزيد سعرها عن هذا المبلغ.

قيمة الضريبة على النوع الأول تبلغ 15 بالمئة، في حين تبلغ قيمة الضريبة على النوع الثاني 45 بالمئة. هذا يعني أن الضريبة المتوجبة على سيارة بقيمة 10 آلاف دولار تقف عند نحو 1500 دولار، في حين تصل قيمة الضريبة على سيارة بقيمة 30 ألف دولار إلى نحو 13500 دولار.

منطق الضريبة الذي تسبب في شيوع السيارات الكورية والصينية رديئة الصنع وازدهار سوقهما في لبنان، تسبب في ارتفاع نسبة حوادث السير القاتلة بشكل خاص، حيث يؤدي صغر حجمها وانخفاض كمية الحديد المستعمل فيها إلى تدني مستوى الأمان إلى حد كبير وخطير، الأمر الذي يؤدي إلى إمكانية تحول حادث عادي إلى حادث قاتل.

ما يؤكد هذا الأمر هو الارتفاع الهائل في أعداد قتلى حوادث السير في السنوات الماضية في لبنان، حيث تسجل الإحصائيات سقوط أكثر من 550 قتيلا كل عام.

ويحدد قانون استيراد السيارات المستعملة في لبنان عمر السيارات المسموح بإدخالها إلى البلد بثماني سنوات، وكانت محاولات عديدة قد جرت لخفض تلك الفترة إلى 4 سنوات ولكنها لم تنجح. هذا القانون يبقي القيمة الضريبية كما هي، إذ لا فرق بين الجديد والمستعمل لناحية احتساب الضريبة، حيث يبقى سعر السيارة هو المحدد الرئيس لقيمتها.

وقد ساهم هذا القانون في تكريس واقع تفضيل شراء الجديد الكوري والصيني، لأن السيارات المستعملة الجيدة القادمة من أوروبا وأميركا يفوق غالبا سعرها حاجز 20 مليون ليرة، ما يجعلها خاضعة لنسبة 45 بالمئة التي يفرضها القانون الضريبي ويجعل اقتناءها متعسرا على ذوي الدخل المحدود الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من الشعب اللبناني.

وتملك الشركات المستوردة للسيارات الكورية والصينية الجديدة مقرات في لبنان تتوفر فيها قطع الغيار الجديدة بشكل دائم وبأسعار زهيدة، في حين تؤمن شركات استيراد السيارات الأوروبية قطعا جديدة للسيارات الجديدة بأسعار مرتفعة.

هكذا يجد صاحب السيارة الأوروبية المستعملة نفسه مضطرا إلى البحث عن قطع غيار مستعملة ذات جودة متدنية في ما يطلق عليه في لبنان اسم سوق “الكسر”، وهو عبارة عن سوق يبيع قطع سيارات مأخوذة من سيارات محطمة، أو سبق لها التعرض لحوادث قوية وباتت غير صالحة للاستعمال.

يقودنا هذا السياق إلى الخروج باستنتاج يقول إن هناك استهتارا مقصودا بمصالح الناس وأمنهم واقتصادهم، بات مكرسا في بنية قانونية ينتجها أصحاب المصالح من السياسيين الذين هم في الوقت نفسه كبار أصحاب رؤوس الأموال.

ويكاد السياسيون اللبنانيون يحتكرون قائمة أثرى أثرياء البلاد، ويندر أن يشذ اسم عن هذه القاعدة. هؤلاء يتحكمون بكامل النشاط الاقتصادي، ويقتنون سيارات فخمة وآمنة، في حين ليس للفقراء سوى “الكسر”.

11