السيارات الذكية أمام تحدي حماية محيطها الإلكتروني

التكنولوجيا تساهم في الارتقاء بنوعية حياة الأفراد والحد من الازدحام المروري من خلال تحقيق قفزة كبيرة تعزز الكفاءة والسلامة وتحد من التلوث.
الاثنين 2018/03/19
مفاهيم جديدة للتنقل مستقبلا

لندن – أدى وقوع حوادث مشهورة شاركت فيها مركبات ذاتية التحكم إلى نقاشات جرت مؤخرا حول السلامة الجسدية للناس.
وكانت سنة 2016 شاهدا على بعض هذه الحوادث، حيث توفي رجل أميركي وهو يستعمل منظومة تيسلا للقيادة الذاتية، كما حدث أول اصطدام لدى سيارات غوغل للقيادة الذاتية في نفس السنة عندما غيرت الممر ووضعت نفسها في مسلك حافلة قادمة.
ولذلك يتوجب على المستهلكين والمصنعين على حد السواء أن يكونوا منشغلين بدرجة أكبر بنقاط الضعف المحتملة في المركبات ذاتية التحكم.
وكان إيلون ماسك المدير التنفيذي لشركة تيسلا، حذر يوليو 2017، من أن أكبر المخاوف المتعلقة بالمركبات ذاتية القيادة تتمثل في أن يقوم “شخص ما بقرصنة أسطول كامل” من السيارات ذاتية القيادة.
وفي هذا السياق نجد وزارة النقل في الحكومة البريطانية سباقة ففي أغسطس 2017 أصدرت مبادئ جديدة تخص أمن الفضاء الإلكتروني بالنسبة إلى قطاع السيارات لرفع معايير الأمن لدى مصنعي المركبات ذاتية القيادة. ويؤشر هذا التحرك غير المسبوق من الحكومة البريطانية إلى أن أمن الفضاء الإلكتروني المتعلق بهذه المركبات هو ليس مسألة تخص النقل بقدر ما هو مسألة بنية تحتية وطنية مهمة.
وتهدف هذه المبادئ إلى معالجة مشاغل أمن الفضاء الإلكتروني قبل أن تأتي السيارات ذاتية القيادة إلى الطرقات البريطانية. وقال فليب هاموند وزير المالية البريطاني في نوفمبر 2017، إن ذلك قد يحدث بداية من 2021.

 

تتنافس كبرى الشركات العالمية لصناعة السيارات على تطويع التكنولوجيا في ابتكار أحدث موديلاتها لغزو الطرقات بمركبات قادرة تلقائيا على معالجة مشكلات الازدحام والانبعاثات، وهذا ما جعل المصنعين أمام جملة من التحديات الجديدة أهمها حماية الفضاء الإلكتروني للسيارات ذاتية القيادة وتغطية كل الثغرات الأمنية للأسطول المستقبلي من وسائل النقل والمواصلات

وتغطي المبادئ الثمانية لوزارة النقل نطاقا واسعا من مشاغل الأمن في الفضاء الإلكتروني، من الحلول التقنية مثل تصحيح وتحيين البرمجيات الحاسوبية بأمان، إلى الأشخاص والعمليات مثل الخضوع للمساءلة على مستوى مجلس الإدارة وتقييم مخاطر الأطراف الثالثة في سلسلة التزويد.
ويختلف مستوى المجهود والتطور التقني عبر هذه المبادئ، فمثلا توفير العناية بالمنتج بعد البيع والرد على الحوادث للتأكد من أمان أنظمة المركبات ذاتية القيادة، وتصميم نظام هذا النوع من المركبات ليصمد أمام الهجمات والرد المناسب عند فشل دفاعاته، وضمان التخزين الآمن للمعلومات ونقلها، كل ذلك يمكن أن يطرح تحديات أمام الشركات غير المتعودة على التكنولوجيات الرقمية.
وستكون الشركات التكنولوجية الكبيرة التي تملك بعد أنظمة قيادة خاصة بها مثل غوغل وأبل، أكثر تعودا على هذه المبادئ وقد تكون لها أسبقية على الشركات التقليدية للسيارات. وبناء عليه فإن مبادئ أمن الفضاء الإلكتروني تقدم توجيها في الوقت المناسب للشركات الأخرى التي تسعى من أجل تطوير خط الإنتاج الخاص بها للمركبات ذاتية القيادة قبل أن تصبح هذه التكنولوجيا أكثر انتشارا.
ويؤشر نشر مبادئ أمن الفضاء الإلكتروني على حدوث تحول في صنع السياسات في المملكة المتحدة بعيدا عن سياسة رد الفعل التي تحركها المشاكل وفي اتجاه محاولة لتشكيل المركبات ذاتية القيادة والتأثير فيها قبل استخدامها. وهو أيضا مثال على محاولة الحكومة البريطانية مواكبة التغير التكنولوجي السريع الذي كثيرا ما تتزايد سرعته قبل أن تحدث قرارات مهمة تخص السياسات.
وعموما يجب النظر إلى مبادئ أمن الفضاء الإلكتروني كخطوات تدريجية لتوجيه المصنعين والتشجيع على الابتكارات السليمة والآمنة المتعلقة بالمركبات ذاتية القيادة. ويمكن أن يساعد أمن الفضاء الإلكتروني بالتوازي مع إجراءات حول السلامة الجسدية، على توجيه المملكة المتحدة وصناعة السيارات في اتجاه مستقبل آمن دون سائقين.

تلاشي المخاوف

أظهرت دراسة أميركية ظهرت في يناير الماضي تزايد نسبة السائقين الذين أصبحوا يرحبون بفكرة وجود سيارات ذاتية القيادة على الطريق، رغم أن فكرة التخلي عن قيادة السيارة لصالح نظام كمبيوتر مازالت صعبة بالنسبة للكثيرين.
وبحسب الدراسة التي أجرتها شركة “أيه.أيه.أيه” لتأجير وخدمات السيارات في الولايات المتحدة، فإن 63 بالمئة فقط من السائقين الأميركيين قالوا إنهم سيشعرون بالخوف في حالة ركوب سيارة ذاتية القيادة.
ورغم أن النسبة ليست قليلة، لكنها أقل كثيرا من النسبة التي أظهرها المسح الذي أجري أوائل العام الماضي وكانت 78 بالمئة من السائقين.
ووفقا للدراسة الجديدة، فإن 20 مليون سائق أميركي إضافي سوف تكون لديهم الثقة في السيارة ذاتية القيادة مقارنة بالعام الماضي.
وقال 73 بالمئة من النساء إنهن يشعرن بالخوف من ركوب سيارة ذاتية القيادة، مقابل 52 بالمئة فقط من الرجال يشعرون بنفس الخوف. وكان جيل الألفية الأكثر استعدادا لقبول فكرة السيارة ذاتية القيادة، حيث قال 49 بالمئة فقط من الشباب إنهم يخشون ركوب سيارة ذاتية القيادة، مقابل 73 بالمئة منهم قالوا ذلك في العام الماضي.
وفي الوقت نفسه فإن الآباء الذين لديهم أطفال كانوا أقل ثقة في السيارات ذاتية القيادة حيث قال 68 بالمئة منهم إنهم يخشون ركوبها.

واحة التنقل الذكي
واحة التنقل الذكي

وأشارت الدراسة إلى أن الكثيرين من السائقين لا يشعرون بالراحة أثناء القيادة إلى جوار سيارة ذاتية القيادة على الطريق.
ويجمع خبراء السيارات على أن استخدام تقنية القيادة الذاتية سيكون السمة السائدة في معظم الجيل الجديد من المركبات خلال هذا العام.
ويتوقع المختصون أن يشهد عام 2018 التحول إلى المستوى الثاني من القيادة الذاتية في معظم الموديلات، حيث يتولى كمبيوتر السيارة في هذا المستوى الثاني بعض مناورات القيادة الفردية ولفترة محدودة.

أحدث تقنيات النقل

كشفت شركة أبوظبي لطاقة المستقبل “مصدر” خلال فعاليات أسبوع أبوظبي للاستدامة 2018 عن نتائج أحدث تقاريرها حول تقنيات النقل المستقبلية في المدن الذكية.
وسلط التقرير الضوء على أهمية تقنيات النقل الناشئة والدور الواعد الذي يمكن أن تضطلع به في المستقبل من خلال توفير فوائد كبيرة للمدن.
وأشار إلى أن دمج التقنيات بنجاح والاستفادة منها على النحو الأمثل يستدعيان التركيز على التخطيط الحضري الذكي والاستثمار بعيد الأمد ونشر أحدث الحلول المبتكرة.
وتوقع التقرير أن التقنيات الجديدة كالسيارات الكهربائية وذاتية القيادة وإنترنت الأشياء وتحليل البيانات وسلسلة الكتل والطرق الذكية سوف تمثل الركائز الأساسية لإحداث التحول في مشهد النقل الحضري على مدى العقدين المقبلين، وبتكامل هذه التقنيات سيكون قطاع التنقل مؤهلا لتحقيق قفزة كبيرة تعزز الكفاءة والسلامة وتنقذ الأرواح وتحد من التلوث.
وأفاد التقرير أن الدول التي تمتلك شبكات نقل حضرية جديدة نسبيا، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج الأخرى لديها ميزة مهمة تجعلها في موقع أفضل من الدول الأخرى كون بنيتها التحتية الخاصة بالنقل أحدث وأقل توسعا وبالتالي يسهل تحديثها ودمجها مع التقنيات الرقمية الحديثة.
وقال يوسف باصليب المدير التنفيذي لإدارة التطوير العمراني المستدام في “مصدر” إن قطاع النقل الحضري اليوم يقف على مفترق طرق، حيث تتكامل التقنيات الناشئة لتضعنا على أعتاب نقلة جديدة وجذرية ستحدث ثورة في القطاع ليصبح أكثر أمانا وكفاءة واستدامة وحفاظا على البيئة.
وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط في موقع مثالي الآن للاستفادة من هذه التطورات، ولكن تحقيق هذه التطلعات يتطلب ضخ استثمارات كبيرة على مدى العقود القليلة المقبلة.

الذكاء الاصطناعي يمثل الركيزة الأساسية لإحداث التحول في مشهد النقل الحضري على مدى العقدين المقبلين

ولفت إلى أنه سيكون من الضروري أيضا أن يتعاون القطاعان الحكومي والخاص للاتفاق على معايير التكنولوجيا التي ستتحكم بالسوق وتحديد أولويات الابتكار وريادة التكنولوجيا.
وتواجه مدن العالم تحديات متشابهة في مجال النقل تشمل الازدحام والتلوث، لا سيما في المدن المكتظة بالسكان وذات الدخل المنخفض للفرد وحوادث المرور حيث يقضي 1.25 مليون شخص سنويا بسبب هذه الحوادث وفقا لتقديرات منظمة الصحة العالمية.
ويعتقد رئيس النقل الذكي في بلومبرغ (بلدة ألمانية) لتمويل الطاقة الجديدة أن المدن ونظرا لكثافة السكان العالية والمتطلبات المتزايدة لتوفير خدمات النقل العام الموثوقة قد تشكل حقل اختبار مثاليا للابتكار لمعظم مشاريع النقل الذكية المتطورة.
وقال إنه يمكن للمدن اعتماد الحافلات الكهربائية واللوائح التنظيمية والبنية التحتية التي تدعم استخدام المركبات ذاتية القيادة وخدمات طلب سيارات الأجرة عبر المنصات الرقمية والتنقل المشترك وحلول الاتصال ما بين المركبات والبنية التحتية والمراقبة الذكية لحركة المرور وأنظمة الدفع الرقمية في كافة أنحاء المدينة.
وشدد على أن هذه التقنيات ستسهم في الارتقاء بنوعية حياة الأفراد والحد من الازدحام المروري وتعزيز التنقل الاجتماعي وتسريع وتيرة الابتكار.
وأشار إلى أن تقنيات أخرى مثل إنترنت الأشياء “أجهزة الاستشعار المتصلة بالإنترنت والتي يمكن أن تشارك البيانات” ستساعد على ربط المركبات والمباني وإشارات المرور والطرقات، مما سيدعم اعتماد الوسائل الذاتية القيادة في النقل الحضري ويجعلها أكثر سهولة للمستخدمين.
وذكر أنه للاستفادة من الإمكانيات والقدرات الكاملة لهذه التقنيات الجديدة يجب مواجهة الكثير من التحديات، فهذه التقنيات غالبا ما تكون باهظة الثمن مقارنة بوسائل النقل التقليدي في حين يشير معدل التغيير إلى أن التكنولوجيا قد تفقد فعاليتها بسرعة وبالإضافة إلى ذلك يجب الاتفاق على معايير متسقة لأنظمة تكنولوجيا المعلومات المختلفة لتتمكن من التواصل ويصار إلى دمجها بشكل فعال.
واختتم الدكتور إزادي نجف أبادي بالقول “سنواجه حتما عقبات كثيرة عند تنفيذ نماذج جديدة لوسائل النقل، ولكن المدن الطموحة والرائدة تقف أمام فرصة ذهبية ستمكنها من تحقيق فوائد كبيرة في حال قررت تبني تقنيات جديدة لتحسين قطاع النقل الحضري”.

12