السياسة الإيرانية الحاثة على الإنجاب: طموحات النظام وهواجس المجتمع

السعي الإيراني الرسمي إلى الرفع من نسق الإنجاب، أو المحافظة على معدلاته الحالية على الأقل، يطرح إشكاليات عديدة متصلة أولا بالعدد الحالي لسكان البلد الذي تجاوز 80 مليون نسمة، وثانيا بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية المتداخلة التي تعيشها إيران، ما يحتم البحث في دواعي هذه السياسة الرسمية وفي مراميها وأهدافها.
الأربعاء 2017/01/18
الربيع في المخيال الإيراني يصنع بعدد كبير من الأطفال

السياسة الرسمية الإيرانية الحاثة والمشجعة على رفع مستوى الإنجاب يمكن تبينها مما راج مؤخرا من أخبار قادمة من طهران، تذهب مجتمعة هذا المذهب، وتتفق على تأكيد هذا التوجه. مجلس الشورى الإسلامي في إيران صادق الأحد الماضي، على قرار جديد يمنح العاملين الذكور في كافة القطاعات الرسمية وغير الرسمية إجازة لمدة أسبوعين عند إنجاب زوجاتهم لمولود جديد، في إطار تصور رسمي عام يهدف إلى تشجيع العائلات على الإنجاب وتقوية الأواصر الأسرية.

مصادقة مجلس الشورى الإسلامي الإيراني على القرار الجديد الذي يمنح العاملين الذكور إجازة لمدة أسبوعين عند إنجاب زوجاتهم لمولود جديد، تتقاطع مع ما أشار إليه رئيس مركز الإحصاء في إيران، (مركز رسمي) في الـ26 من ديسمبر الماضي، من أن الهاجس الإيراني الرئيسي هو أن يتزايد معدل الخصوبة، أثناء إعلانه أن عدد السكان في إيران تخطى حدود الـ80 مليون ساكن. أميد علي بارسا أشار إلى عدم وجود مخاوف حول انخفاض نسبة نمو السكان التي كانت خلال السنوات الأخيرة الماضية لأن النمو سيكون 1.29 بالمئة وذلك بالنظر إلى النتائج الأولية لعملية الإحصاء هذه.

القرار الذي اتخذه مجلس الشورى الإيراني، كما تصريح رئيس مركز الإحصاء، تضاف إليهما بعض القرارات ذات العلاقة التي صدرت في السنوات الأخيرة، مثل إعلان إيران في مايو من العام الماضي خفض 3 شهور من الخدمة العسكرية لكل أب ينجب طفلا، وذلك للتشجيع على الإنجاب وزيادة تعداد السكان كما يشمل القانون المتغيبين عن تأدية الخدمة العسكرية حال عودتهم، هي كلها إجراءات وسياسات تحث على الإنجاب تفاديا (وفق التصريحات الرسمية) لشيخوخة المجتمع كما ورد في تحذير المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي.

اجتماع هذه العناصر والمواظبة على إصدار مثل هذه الإجراءات، فضلا عن التصريحات المتتالية التي تؤكد هذا التوجه، تعزز مصداقية التساؤل عن الدوافع الحقيقية لهذه السياسة، إضافة إلى المرامي والغايات.

تراجع معدلات الإنجاب في إيران نابع أساسا من الوضع الاقتصادي الذي تردى في العشرية الأخيرة، وأيضا من الوضع السياسي الخانق الذي جعل الآلاف من الأزواج يترددون قبل إنجاب طفل

لا يمكن استبعاد الدوافع الدينية في فهم هذه السياسة، ذلك أن إيران التي تقوم على تصور سياسي يدمج الدين بالسياسة، تعتبر أن تحديد النسل واستخدام وسائله محرمان دينيا، والتحريم انتقل بالضرورة إلى دائرة المنع القانوني. لكن مقارعة الدوافع الدينية بحقيقة الواقع الاجتماعي والاقتصادي الإيراني تدفع إلى اعتبار مواجهة الظواهر الاجتماعية المترتبة على التردي الاقتصادي أولوية يمكن أن تسبق الدوافع الدينية عند مباشرة رسم السياسات العامة، وهو ما يسمح بالقول إن لهذه السياسة دوافع أخرى لا تتناقض مع البعد الديني، بل ربما تكمله أو تعززه.

لا يمكن فصل الدوافع الحقيقية لهذه السياسة السكانية الإيرانية عن المرامي والغايات، تبعا للتداخل الكبير بينهما؛ تداخل تؤكده التصريحات الرسمية الإيرانية من ناحية، وتقارير المنظمات الدولية من ناحية أخرى، كما تعززه مواقف ومخاوف الشعب الإيراني من القوانين والتشريعات الحاثة على الإنجاب.

المرشد الإيراني علي خامنئي حذر من مخاطر تحديد النسل على مستقبل بلاده قائلا إنه “قد يؤدي إلى شيخوخة المجتمع ويحرم الدولة من فرص التقدم والإبداع والحيوية والنشاط”، وقال من المهم “الحيلولة دون هبوط نسبة الشباب”.

وأضاف “وردة واحدة لا تصنع ربيعا.. المزيد من الأطفال حياة أكثر سعادة”، هو محتوى معلقات إعلانية منتشرة في شوارع طهران، تعزز السياسة الإيرانية التي ترنو إلى تحقيق الهدف المرسوم منذ سنوات قليلة وهو مضاعفة عدد السكان والوصول إلى مستوى 150 مليون ساكن خلال 50 عاما.

تجمع الدراسات الاجتماعية القادمة من إيران على أن الهاجس الإيراني نابع من التنبه الرسمي إلى حقائق اجتماعية خطيرة، منها ارتفاع سن الزواج (لدى الجنسين) وانخفاض الزيجات والزيادة الحادة في معدلات الطلاق وانخفاض الرغبة في الزواج في السنوات العشر الأخيرة. التقارير ومنها إحصائيات رسمية، تكشف أن نحو ثلث الزيجات في طهران تنتهي بالطلاق، وتؤكد انخفاض معدل الولادة للمرأة الواحدة من 7 حالات ولادة خلال الثمانينات من القرن الماضي، إلى 1.8 حالة ولادة للمرأة في عام 2014، وهي نسبة تقل حتى عن معدلات الولادة للمرأة البريطانية التي تصل إلى 1.9 حالة ولادة للمرأة، كلها أدلة توفر حقائق اجتماعية تتناقض مع الحملة الرسمية الإيرانية.

تراجع معدلات الإنجاب في إيران نابع أساسا من الوضع الاقتصادي الذي تردى في العشرية الأخيرة في إيران، وأيضا من الوضع السياسي الخانق الذي جعل الآلاف من الأزواج يترددون قبل إنجاب طفل في واقع محكوم بالأزمة الاقتصادية واستشراء الفساد وسوء الإدارة وهيمنة رجال الدين. حقائق اجتماعية لم تبدد مخاوفها كل القرارات والسياسات والقوانين المتخذة في السنوات الأخيرة، وهو ما أثارته تقارير منظمات دولية كثيرة اتهمت النظام الإيراني بالتعسف على المرأة وتحويلها إلى “آلة إنجاب”، تقرير منظمة العفو الدولية ندد في عام 2015 بمشروعي قانون للتشجيع على الإنجاب، يحظر أحدهما تعقيم المرأة اختياريا والترويج لتحديد النسل، فيما يزيد مشروع قانون آخر صعوبة حصول النساء اللاتي ليس لديهن أطفال على وظائف، واعتبرت المنظمة أن المشروعين يعنيان تراجعا لوضع المرأة الإيرانية عقودا إلى الوراء، بما احتوياه من زجر وتدخل في القرارات الشخصية للمرأة وللأسرة.

السياسة الإيرانية الدؤوبة الحاثة على الإنجاب، والرامية إلى الوصول إلى سقف 150 مليون نسمة في العقود القليلة القادمة، ليست منطلقة فقط من دواع دينية، بل لا نبالغ إن قلنا إن الأسباب الدينية هي آخر الأسباب. تقف وراء هذه السياسة دواع سياسية وإستراتيجية متصلة بالتخوف من تحول المجتمع الإيراني إلى مجتمع شيوخ، ومرتبطة ثانيا بالاستشعار الإيراني المبكر للتحسن الاقتصادي المترتب على الاتفاق النووي ورفع العقوبات، ومنطلقة أساسا من الرؤية الإيرانية الإستراتيجية القائمة على المنافسة وعلى السعي للسيطرة على المنطقة ما يتطلب توفير كل العناصر بما في ذلك الغلبة السكانية والديمغرافية.

صحافي تونسي

12