السياسة البريطانية في مواجهة التشدد: الإرهاب لا ينشأ من فراغ

الخميس 2017/04/06
الغطاء الأمني لا يكفي لوحده لسد منافذ الإرهاب

لندن – أعلنت وكالة الاستخبارات البريطانية رفع درجة التأهب والاستنفار الأمني في المطارات ومحطات الطاقة النووية، تحسبا لهجمات إرهابية محتملة لكنها غير متوقعة من ناحية أسلوب تنفيذها. وصرح رئيس جهاز إم.آي 5 (المخابرات الداخلية البريطانية) من قبل بأنهم لا يستطيعون إلا “ضرب التماسيح القريبة من القارب”. فمثلا لم يكن منفذ هجوم ويستمنستر خالد مسعود يعتبر تهديدا وشيكا؛ ومن المستحيل منع كل الأشخاص المتطرفين الذين لديهم رغبة في القتل من استئجار سيارة أو شراء سكين.

ونقلت صحيفة تليغراف في عددها الصادر يوم 1 أبريل 2017 عن وزير الطاقة البريطاني نورمان جيسي تأكيده التزام “الحكومة بالدفاع عن المملكة المتحدة ضد جميع أنواع الهجمات، حيث استثمرت 1.9 مليار جنيه في الأمن ضد الهجمات الإرهابية”، فيما قالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، خلال زيارتها إلى السعودية والأردن، إن الإرهاب شر يطول الجميع ويدفعهم إلى التكاتف معا لمكافحته.

لكن روبن سيمكوس الخبير في مؤسسة هنري جاكسون للأبحاث الأمنية، والمؤلف المشارك في كتاب “الإرهاب الإسلامي- الصلة البريطانية”، يرى أن لندن يمكن أن تقوم بأكثر من ذلك لمحاربة التطرف، فالتحالف الذي تدعو إليه ماي والأموال التي يتم استثمارها في مجال الأمن لا يكفيان لمواجهة التهديدات ما لم يتم التعامل مع الأزمة من جذورها.

يقول سيمكوس في تحليل نشرته مجلة شؤون خارجية “فورين أفيرز”، التي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، “كانت المسألة على الدوام تتعلق بالسؤال متى، وليس ما إذا، ستتلقى المملكة المتحدة هجمة إرهابية أخرى”.

روبن سيمكوس: ليست هناك أدلة على أن جماعة مثل الإخوان تلتزم بالقيم الليبرالية الغربية

بلغ عدد القتلى في الضربة الإرهابية الأخيرة التي وقعت في ويستمنستر أربعة إضافة إلى العشرات من الجرحى. منفذ العملية هو خالد مسعود، مواطن بريطاني معتنق للإسلام. وأصدر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بيانا يصف فيه مسعود بأنه “جندي من جند الإسلام”.

ما فتئت المملكة المتحدة تكون هدفا من أهداف المتطرفين الإسلاميين، والأدلة على ذلك كثيرة منها تفجيرات يوليو 2005 التي استهدفت شبكة النقل في لندن (راح ضحيتها 52 قتيلا) وطعن الجندي لي ريغبي حتى الموت في مايو 2013، وكذلك سفر ما يقارب 850 شخصا من البلاد إلى سوريا للقتال في صفوف داعش وتنظيمات متطرفة أخرى.

وفي مجابهة الخطر الإرهابي لم تبق بريطانيا مكتوفة الأيدي أبدا، ففي الخارج سخّرت جيشها للجهود الحربية في أفغانستان والعراق وسوريا. ونفذت تدريبات في محاربة الإرهاب في كل من الصومال ومالي. وداخل البلاد أصدرت المحاكم البريطانية 264 حكما بالإدانة عن جرائم إرهابية مستوحاة من التطرف الإسلامي. وأعدت وزارة الداخلية إستراتيجيتين؛ واحدة لمكافحة الإرهاب وأخرى لمكافحة التطرف، وتقوم المصالح الأمنية بمراقبة ثلاثة آلاف شخص في المملكة المتحدة يشتبه في استعدادهم لتنفيذ هجمات.

وفي إطار هذا المجهود تقوم أجهزة إم.آي 5 وإم.آي 6 وجي.سي.ايتش.كيو (وهي على التوالي وكالات الاستخبارات البريطانية الداخلية والخارجية والاتصالات) والشرطة بالعمل معا بطريقة فعالة، إذ لا تشكو بريطانيا كثيرا من صراع مختلف الأجهزة الاستخباراتية على مجال النفوذ مثلما هو الحال في البلدان الأوروبية الأخرى.

وفي سنة 2014 تمكنت تريزا ماي وزيرة الداخلية حينذاك من تمرير إجراءات لتجريد المشتبه بهم البريطانيين بالإرهاب من جنسيتهم إذا كانوا يحملون جنسية مزدوجة أو إذا توفر سبب معقول للاعتقاد بأنه يمكنهم الحصول على جنسية أخرى. كما تمكنت المملكة المتحدة أيضا من ترحيل بعض المشتبه بهم بالإرهاب (بالرغم من أن المعارضة القضائية الكبيرة اعتمادا على تعارض الإجراء مع مبدأ حقوق الإنسان).

ردة فعل المملكة المتحدة على الإرهاب الإسلامي بعيدة عن المثالية، ومع ذلك فإن إجراءات كهذه، إضافة إلى قرار المملكة المتحدة عدم الدخول في منطقة شنغان وحذرها من قبول أعداد كبيرة من اللاجئين، نتج عنها تمكّن لندن من حماية نفسها بشكل أكثر نجاعة من عواصم أخرى. لكن هناك المزيد مما يجب فعله.

بيد أن ذلك لا يعدو أن يخدش سطح المشكل. توجد مجالات على الحكومة أن تركز جهودها عليها، وكبداية من الواضح الحاجة إلى تفكيك ما يسمى بـ”دولة الخلافة في العراق والشام”. وبينما تبقي المملكة المتحدة تركيزها على داعش لا يمكنها تجاهل المخاطر التي تمثلها القاعدة والتنظيمات المنضوية تحتها.

وفي النهاية هذه المعارك ليست إلا معارك هامشية طالما ينظر إلى الإسلام السياسي على أنه أيديولوجيا قابلة للحياة. فمثلا من المؤسف أن مكتب الخارجية والكومنولث قدم مؤخرا أدلة للجنة علاقات خارجية بريطانية تجري تحقيقا عن الإخوان المسلمين أن بعض أشكال الإسلام السياسي تتبنى “مبادئ ديمقراطية وقيما ليبرالية”. هذا عبارة عن تعصب ناعم يفضي إلى توقعات منخفضة، فليس هناك أي أدلة على أن مجموعات مثل الإخوان المسلمين تلتزم بالقيم الليبرالية بالشكل الذي تُفهم به عموما في الغرب.

ربما يساهم الهجوم الذي نفذه خالد مسعود في إحداث تغيير في الموقف في المملكة المتحدة نحو اتخاذ مواقف أكثر قوة وحزما تجاه تهديدات الأيدولوجيا الإسلامية المتشددة (من قبل الدولة والإعلام والمجتمع المدني الأوسع) بما قد يضمن ألا تكون الجريمة التي حدثت مؤخرا في لندن نذيرا لما هو أسوأ في المستقبل.

للمزيد:

البارونة سعيدة وارسي تكشف أسرار "العدو في الداخل"

6