السياسة الثقافية الناجحة

تجربة كتاب "عالم المعرفة" تجربة ثقافية رائدة وغنية وسط جدب مشهدنا الثقافي وتستحقّ منّا ألف تلويحة تقدير وعرفان.
الجمعة 2018/06/22
سلسلة ثرية وفريدة

تابعتُ ومازلت أتابع السلسلة الكويتية الفريدة من كتاب “عالم المعرفة” التي صدر أول كتاب منها بعنوان “الحضارة” في سنة 1978، وصار من تقاليدي الثقافية الشهرية التي أحرص عليها الحصول على نسخة من هذا الكتاب أو نسختين، أحتفظ بواحدة وأهدي الثانية لصديقة أو صديق، وتعززت لديّ خلال العقود الماضية ولدى كل إصدار جديد من كتب “عالم المعرفة” قناعة مؤكدة بأن هذا المطبوع الثقافي المهمّ يمثل جانباً أساسيا من أهم جوانب السياسات الثقافية المؤسساتية الناجحة على مستوى العالم العربي وربما العالم، فقد أثرى المكتبة العربية بترجمات رصينة ومؤلفات منتقاة عوضت نقصا كبيرا في مشهدنا الثقافي.

وتكتسب السلسلة أهميتها من هيئة التحرير التي تشرف عليها بخاصة اسم الدكتور – الفيلسوف الراحل فؤاد زكريا الذي عمل لسنوات طويلة أستاذا للفلسفة بجامعة الكويت والذي لطالما أتحفنا بمؤلفاته ومترجماته الفلسفية والفكرية الرائعة التي كانت أحد أسس تكويننا الثقافي، ثمّ تناوب في السنوات اللاحقة بعض أهم الأسماء الثقافية العربية في الإشراف على هذه السلسلة، ولو أردت ذكر مثال واحد فسوف أذكر اسم الدكتور محمد الرميحي الذي عمل رئيسا لتحرير مجلة “العربي” الرائدة على مدى سنوات طويلة.

لا نشك أن هناك عوامل عديدة دعمت نجاح هذا المشروع الثقافي الرائد وأمدّته بأسباب الاستمرارية، وأوّل تلك العوامل هو: توفّر السياسة الثقافية الداعمة لنشر الثقافة على أوسع رقعة جغرافية يمكن بلوغها في العالم العربي وبعض مناطق العالم،إضافة إلى موقف يرى في المطبوع الثقافي وسيلة ناعمة من وسائل الارتقاء الحضاري إلى جانب تعزيز سمعة الدولة الراعية لهذا المشروع وترسيخ مكانتها الاعتبارية على الخارطة الجيو – سياسية في المنطقة والعالم، ثمّ يأتي عامل ثانٍ مكمّل للعامل الأوّل ويكمن في أن تبنّي هذا المشروع كان في سياق هيكل مؤسساتي يؤمّنُ الدعم المالي اللازم له من غير تعثّر من جانب، ويساعد على طباعة أعداد معقولة من هذا الكتاب من جانب آخر، ولو علمنا أن سعر النسخة من الكتاب تُباعُ بما يعادل دولارا أميركيا واحداً، وأنّ ثلاثة وأربعين ألف نسخة من الكتاب تُطبَعُ شهرياً لعلمنا حجم الدعم اللوجستي والمالي الهائل الذي يقدّم لهذا المشروع الثقافي الرائد.

أمّا إذا شئنا الحديث عن هيكلية المواد المنشورة ضمن سلسلة “عالم المعرفة” لوجدنا أنها ابتعدت منذ البداية عن المؤلفات والمترجمات السائدة في أوساط النشر العربية التي تعتمد على “الصرعات” الثقافية المرحلية لبعض الأسماء الرنّانة، وانتقت بدلاً عنها أعمالاً أكاديمية وفكرية رصينة في ميادين العلوم والفلسفة والدراسات الأدبية والثقافية، ويُلاحظُ في هذا السياق الاهتمام على جبهات العلوم والمعارف المتقدمة والمشتبكة من جهة، والتأكيد على ترجمة الأعمال حديثة النشر من جهة أخرى، مما منح هذه السلسلة خصوصية فريدة من نوعها مقارنة مع المطبوعات الأخرى.

لن يخفى على المتابع لهذه السلسلة الشهرية مدى التطوّر في اختيار العناوين الحيوية ذات المساس المباشر بأكثر الموضوعات المعرفية راهنية وتأثيراً في حياة الإنسانية مثل: الكوارث البيئية، تأثير المعلوماتية في إعادة تشكيل الوعي الفردي، الدراسات المستقبلية… إلخ.

تجربة كتاب “عالم المعرفة” تجربة ثقافية رائدة وغنية وسط جدب مشهدنا الثقافي وتستحقّ منّا ألف تلويحة تقدير وعرفان.

14