السياسة الخارجية التركية.. زلزال دفع الرسوم المتأخرة

وجدت تركيا نفسها توشك على الخروج خالية الوفاض من احتفال صاخب تعقد فيه صداقات وتوثق تحالفات وتجني مكاسب، الأمر الذي دفع الرئيس رجب طيب أردوغان إلى تقديم تنازلات، كانت في وقت ما بمثابة مبادئ رئيسية في سياسته الخارجية ولم يكن أكثر خصومه يتصور قبل عام واحد من الآن أنه يمكن أن يقدم على القيام بها.
السبت 2016/07/16
دفع الثمن مضاعفا

لندن- كادت تركيا تخسر ما تبقى لها من حلفاء في منطقة الشرق الأوسط عندما سارع رئيس الوزراء بن علي يلدريم إلى الإقرار بأن بلاده تأمل في “تقوية العلاقات مع سوريا”، إذ أغضبت تصريحاته السعودية وقطر، وزعزعت ثقة طبقة واسعة من المتشددين الداعمين لفصائل إسلامية سورية في تركيا.

ولم يلبث يلدريم أن تراجع مبكرا عن تصريحاته الخميس في حوار أجراه مع هيئة الإذاعة البريطانية قال فيه إنه لن يكون هناك حل للنزاع في سوريا ولن يزول الخطر الذي تمثله التنظيمات الجهادية طالما بقي الرئيس بشار الأسد في السلطة.

وقالت مصادر دبلوماسية تعمل في منطقة الشرق الأوسط لـ”العرب” إن مسؤولين خليجيين بعثوا برسائل شديدة اللهجة إلى تركيا عبروا فيها عن استيائهم من “نهج جديد في السياسة التركية لا يتوافق مع دعائم الحلف بين الجانبين” الذي يقوم على دعم فصائل معارضة تقاتل لإسقاط نظام الأسد منذ أكثر من خمسة أعوام. ووجدت تركيا نفسها وحيدة وسط احتفال صاخب تُعقد فيه صداقات وتوثق تحالفات وتجنى مكاسب، وتوشك هي على الخروج منه خالية الوفاض.

ودفع ذلك حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى تقديم تنازلات لم يكن أكثر خصومه يتصورها قبل عام واحد من الآن. وقدم أردوغان اعتذار بلاده للرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إسقاط سلاح الجو التركي، أواخر العام الماضي، قاذفة روسية على الحدود مع سوريا. ويقول توماس غروف، المحلل المتخصص في الشؤون التركية “أردوغان أدرك أن الوقوف في وجه الأسد شيء.. لكن الدخول في معركة مع بوتين شيء مختلف تماما”.

وقبل ذلك أعلنت تركيا توصلها إلى اتفاق مع إسرائيل لتطبيع العلاقات منذ هجوم نفذته قوات خاصة إسرائيلية في عام 2010 على سفينة تركية كانت تحمل مساعدات لقطاع غزة. كما أكد أحد نواب يلدريم في وقت لاحق أن بلاده تسعى لاستعادة العلاقات مع مصر. وتقول أسيل ادينتاسباس، الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، “تركيا تحولت من شعار ‘صفر مشكلات’ مع الدول المجاورة الذي ساد طوال عقد، إلى ‘صفر دول من دون مشكلات’ اليوم”.

تركيا تحولت من شعار "صفر مشكلات" مع الدول المجاورة الذي ساد طوال عقد، إلى "صفر دول من دون مشكلات" اليوم

وأضافت لـ”العرب” أن “علاقة تركيا مع العراق وروسيا ومصر تراجعت بشكل حاد. علاقتها مع الولايات المتحدة شهدت توترا كبيرا، وروابطها مع أوروبا باتت على المحك. كل هذا جاء مع انقسام داخلي حاد، وهو ما بات يعني أن استقرار تركيا على المدى البعيد صار على المحك. كان على الأوضاع أن تتغير. الجميع يدرك ذلك”. وكي يتحقق تغير جذري في الأوضاع القائمة كان على أردوغان أن يتبنى تغييرا أوسع في دائرة علاقاته مع حلفائه الذين دعموه في السابق للوصول إلى مقعد الرئاسة.

وكان أول الخاسرين إزاء التحول الذي طرأ على نهج أردوغان، رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو الذي توجب عليه الرحيل مع الفلسفة التي وضعها بنفسه لسياسة تركيا الخارجية قبل نحو 13 عاما. وأول الرابحين هو الرئيس السوري بشار الأسد، الذي لم يعد على رأس أعداء أردوغان. ويقول خصوم الرئيس التركي إنه أقدم على إبعاد أقرب أصدقاء اليوم من أجل إعادة تقريب أصدقاء الأيام الخوالي.

صداقة الخصوم

لم تكن العلاقات بين تركيا وروسيا وطيدة منذ استقلال سوريا عن الخلافة العثمانية التي ظلت خاضعة لها طوال 400 عام. ووصل تراجع العلاقات إلى محطة جديدة من العداء إثر ضم تركيا لواء اسكندرون بقرار فرنسي عام 1938. ورفضت تركيا أيضا الاعتراف بأن نهر الفرات الذي ينبع من جبال طوروس في تركيا ويمر عبر سوريا والعراق نهر دولي، كما تجاهلت الحكومات التركية المتعاقبة حل مشكلة أملاك السوريين على الجانب التركي من الحدود. وأخيرا انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي وأقامت علاقات تعاون مع إسرائيل.

لكن بعد أن أصبح أردوغان رئيسا للوزراء في تركيا حوّل مع الأسد الابن العداء التاريخي، الذي كاد في عامي 1957 و1998 يشعل حربا بين البلدين، إلى صداقة وثيقة، ونظم الزعيمان رحلات صيد مشتركة، وإجازات عائلية، وامتدت العلاقات إلى مدى بات معه تراجعها مستبعدا تماما.

لكن سرعان ما تحقق التراجع بشكل لم يتوقعه حتى خصوم الجانبين، إثر قصف الجيش السوري بالأسلحة الثقيلة احتجاجات شعبية سلمية وإعلان أردوغان تأييد “الثورة” عام 2011. وذهبت تركيا إلى أبعد مدى في دعم معارضة مسلحة يهيمن عليها إسلاميون متشددون في سوريا، وسمحت للآلاف من مقاتلي تنظيم داعش بعبور الحدود التركية إلى سوريا.

واليوم ينسف أردوغان استراتيجيته في سوريا، التي كانت بالنسبة إليه “طاولة قمار” ألقى فوقها بجميع أوراقه وخرج من دون أي منها. وقال تقرير نشر في مجلة “فورين بوليسي” إن مسؤولين اثنين من حزب “وطن” القومي اليميني “دأبا على عقد لقاءات مع مسؤولين سوريين على مدار العام الماضي لمناقشة التمهيد لاستعادة العلاقات الدبلوماسية والتعاون السياسي بين البلدين”. وأضاف أن تقارير السياسيين كانت ترسل إلى مسؤولين كبار في الجيش ووزارة الخارجية التركيين.

ويقول مايكل كوبلو، محلل سياسات الشرق الأوسط والولايات المتحدة، “لا شك أن هناك سياسيين قوميين ينظرون إلى الأسد باعتباره تهديدا أقل خطورة من قوات سوريا الديمقراطية أو قوات حماية الشعب الكردية. أنا متأكد من أن بعضهم يجري محادثات مع نظام الأسد”. لكن الكثيرين يعتقدون أن نقطة التحول كانت التفجيرات التي استهدفت مطار أتاتورك في مدينة اسطنبول الشهر الماضي وأوقعت 45 قتيلا وأكثر من 150 مصابا.

ويقول سونر كاغبتاي، الباحث في شؤون تركيا بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى “بعد تفجيرات مطار أتاتورك تغيرت لهجة أنقرة تجاه الأسد تماما. غيرت الهجمات من أولويات تركيا والولايات المتحدة في سوريا. باتت الدولتان ترغبان اليوم في هزيمة تنظيم داعش”. وصب تركيز تركيا على داعش يعيد بناء البعض من الثقة المفقودة بين أنقرة وواشنطن التي شعر مسؤولون كثر فيها باحتقان كبير تجاه مسؤولين أتراك لطالما فضلوا المماطلة في ضرب داعش، ونادوا بدلا من ذلك باستهداف قوات الأسد.

كما تضع السياسة الجديدة تركيا في صف روسيا، التي مازالت طائراتها تعمل بنشاط ضد فصائل المعارضة وداعش في سوريا. وقالت ادينتاسباس لـ”العرب” إن “إصلاح العلاقات مع النظام السوري هو الثمن الذي على تركيا أن تدفعه مقابل إصلاح علاقتها مع روسيا. لن يعترف أحد بذلك علنا، لكن الروس لم يكونوا ليتسامحوا مع أردوغان من دون الحصول على موافقة ضمنية على مرحلة انتقالية في سوريا بقيادة نظام الأسد”.

وكل ما كان يطمح إليه أردوغان في سوريا هو تحويلها إلى حديقة خلفية سنية تأتمر بأمره، وتحظى فيها أنقرة بنفوذ كاف لتوجيه دفة السياسة في دمشق. ولم يعد هذا الطموح حاضرا على أجندة أردوغان الذي يشعر بتغير مزاج القوى الدولية التي غيرت نظرتها للأسد من “تهديد أقل خطورة” من تنظيم داعش، إلى “الضامن الوحيد” لعدم وصول الإسلاميين إلى الحكم، ومن ثم زيادة وتيرة الهجمات الإرهابية على الغرب.

ومساء الخميس قتل أكثر من 80 شخصا وأصيب العشرات إثر هجوم نفذه شاب فرنسي من أصول تونسية دهس بشاحنة كان يقودها حشداً من الناس تجمعوا لمشاهدة الألعاب النارية خلال الاحتفالات بالعيد الوطني بمدينة نيس الواقعة جنوبي فرنسا. وتعزز مثل هذه الهجمات نفوذ اليمينيين الأوروبيين الذين يناصر أغلبهم الأسد. وقالت مصادر في لندن إن تركيا باتت اليوم مستعدة لإلقاء ثقلها أكثر من أي وقت مضى خلف مفاوضات جنيف، وأنها “لا تمانع في بقاء النظام في سوريا إلى حين إشعار آخر”.

وتقول ادينتاسباس “خفضت تركيا من أهدافها ولم يعد لدى تركيا أي طموح كبير في سوريا. لم تعد الحكومة التركية معنية مباشرة سوى بعرقلة توسع الإقليم الكردي في الشمال، وباتت تعتبر المعضلة الكردية مشكلة وجودية. منع سيطرة الأكراد على حدودها الجنوبية هو الأولوية الأكثر أهمية من أي أهداف أخرى الآن”.

فشل تاريخي

في المرحلة الراهنة خلق فريق أردوغان – داود أوغلو مشاكل خارجية في تركيا أكثر من أي مرحلة أخرى في تاريخها الحديث. ولعب داود أوغلو دور مهندس السياسة الخارجية التركية منذ أن تولى أردوغان رئاسة الوزراء. ويقول سونر كاغبتاي “عندما أصبح رئيسا للوزراء، تحول داود أوغلو إلى وكيل لأردوغان، بدلا من أن يتصرف كشخصية سياسية. كان الدور الذي يقوم به أشبه برؤساء الحكومة في الحكم الملكي في بلدان كالأردن أو المغرب، حيث يخضع رئيس الوزراء لنفوذ وسلطات مطلقة لملك قوي”.

وبالتوازي مع نهج “صفر مشكلات” تبنى داود أوغلو تحويل تركيا إلى قوة وحيدة في منطقة الشرق الأوسط. وفي عهده، باتت تركيا مستعدة أكثر من أي وقت مضى لتخفيض ارتباطاتها بالولايات المتحدة إذا ما اقتضت الضرورة، كما أصبحت جاهزة لتبني دور أكثر فاعلية في صراعات المنطقة. لكن أردوغان وجد نفسه في مأزق كبير بعدما أثبتت هذه السياسة فشلها على كل الجبهات، وأصبحت تركيا اليوم تحظى فقط بثقة قطر وإقليم كردستان العراق، وإلى حد ما السعودية.

وفي مواجهة احتقان داخلي إثر فشل السياسة الخارجية، تقود وسائل إعلام قريبة من حزب العدالة والتنمية الحاكم حملة واسعة النطاق لتحويل داود أوغلو إلى “كبش فداء”، وتحميله مسؤولية عزلة تركيا غير المسبوقة. وقالت ادينتاسباس لـ”العرب” “لا أتصور أن المجتمع سيقتنع بذلك. الجميع يعلم أن أردوغان كان يدعم سياسة تركيا تجاه مصر وإسرائيل وسوريا.

في الواقع كان صوت أردوغان تجاه مصر وسوريا خصوصا أعلى بكثير من صوت داود أوغلو. الحالة الوحيدة التي يمكن فيها تحميل داود أوغلو المسؤولية هي تراجع العلاقات مع روسيا وإسقاط القاذفة الروسية، لأنه كان قراره هو”. روسيا هي الخصم التاريخي لتركيا، ولا تقلق عودتها مرة أخرى إلى المنطقة أردوغان فحسب، إنما كل طبقة صناع القرار في أنقرة. ويريد أردوغان تحييد روسيا التي تقول تقارير إنها أرسلت أسلحة إلى القوات التابعة لحزب العمال الكردستاني في تركيا. كما يعرقل دعم روسيا لقوات سوريا الديمقراطية في سوريا أجندة أردوغان الداخلية.

ويرأس أردوغان الدولة منذ عام 2014، لكنه لا يقود الحكومة وفقا للدستور التركي، ويحاول تحشيد المناصرين للفوز باستفتاء شعبي يدعم تعديلات دستورية تمنحه صلاحيات مطلقة، أو حصد الصلاحيات الجديدة عبر الفوز بأغلبية كاسحة لحزب العدالة والتنمية في انتخابات برلمانية مبكرة. وأي من الخيارين سيحول تركيا إلى نظام تنفيذي يقوده رئيس حزبي.

ووصل حزب العدالة والتنمية إلى أقصى تأييد يمكن أن يحققه خلال انتخابات عامي 2011 و2015. وستتطلب أي من الخطتين بناء قاعدة جديدة للحزب. ويحاول أردوغان اجتذاب الناخبين اليمينيين المؤيدين لحزب الجبهة القومية، عبر تحقيق انتصار عسكري على حزب العمال الكردستاني. وإذا ما نجحت هذه الخطة فسيكون قد ضمن نتيجة الاستفتاء أو الفوز بأغلبية مطلقة في أي انتخابات مقبلة. وقال كاغبتاي لـ”العرب” “كسب المعركة ضد الأكراد يتطلب نفس الاستراتيجية التي يقوم بها أردوغان الآن: إنهاء علاقتهم المباشرة مع روسيا. أردوغان يأمل في أن يحظى عبر هذه السياسة بدعم طبقة صناع القرار غير الحزبيين، وفي مقدمتهم قادة الجيش العلمانيون”.

كاتب مصري مقيم في لندن

7