السياسة الخارجية الصينية تتحرر من قيود ماو تسي تونغ

نجحت الصين في السنوات الأخيرة، في كسر محدودية القبول الدولي بها، بعد أن قامت بمراجعة سياستها الخارجية وإعادة توظيفها بما يتماشى وسياسة الانفتاح الصينية الخاصة على العالم. وقد مكنها ذلك ليس فقط في رفد تحديثها الداخلي بمقومات الارتقاء، وإنما أيضا من تحقيق الاعتراف بها كإحدى الدول المؤثرة في التفاعلات الدولية.
الثلاثاء 2015/11/10
سياسة الانفتاح الصينية تقوم على تغليب الأمن الاقتصادي على الأمن العسكري

تتحرك الصين، باعتبارها إحدى القوى الدولية الصاعدة، وبثقة، إلى قمّة الهرم السياسي الدولي، على مستوى السياسة الخارجية وفق رؤية تعبّر عن أولويات مختلفة عن تلك التي كانت تنطلق منها خلال مرحلة ما قبل منتصف السبعينات من القرن الماضي.

وكان الإخفاق العام للسياسة الخارجية الصينية، قد دفع، متفاعلا مع عزلتها النسبية خلال مرحلة 1977-1949 إلى البدء، داخل الحزب الشيوعي الصيني، بالدعوة إلى ضرورة إعادة هيكلة هذه السياسة وعلى نحو جديد. بيد أن هذه الدعوة لم تجد استجابة عملية إلا بعد وفاة ماو تسي تونغ عام 1967 وإبعاد رموز الثورة الثقافية عن مواقع تأثيرهم السياسي. لذا أخذ المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي الصيني عام 1977، بسياسة، سيصبح عنوانها لاحقا، الانفتاح السياسي الشامل على العالم. وتعبّر هذه السياسة عن نوعين أساسيين من الأولويات السياسية الخارجية.

تقوم الأولوية الأولى على تغليب الأمن الاقتصادي على الأمن العسكري؛ وقد أكّدت التجربة أن القدرة العسكرية التي لا تدعمها قدرة اقتصادية تسهل تحمل الكلفة الباهظة الناجمة عن الأولى، ولا تستطيع أن تبقى فاعلة لزمان ممتد. وعليه أدركت الصين أن خيار الأمن أولا ينطوي على تحمّل كلفة عالية ترفد ديمومة تخلّفها الاقتصادي بعنصر مضاف. لذلك اندفعت، في نهاية السبعينات، إلى الأخذ ببرنامج واسع للتحديث الداخلي جعل موضوع الأمن والدفاع أسفل قائمة أولويات هذا التحديث؛ مقابل الاهتمام بالارتقاء بالزراعة والصناعة والبحث العلمي.

ينطوي قيام القائد الصيني، دنغ هيساو بنغ، بوضع موضوع الأمن والدفاع في أسفل قائمة الاهتمامات على دلالة مهمة مفادها أن تمضي المدة المحددة لاستكمال عملية التحديث حتى عام 2050، دون عقبات وأن يكون نجاحها سبيلا يؤمّن للصين الغاية النهائية لمشروعها القومي: أن تكون قوة عظمى. وتبعا لذلك كان الانفتاح الصيني الواسع على العالم مشروعا هادفا يرمي إلى تسخير مخرجات هذا الانفتاح لتأمين مستلزمات التحديث الداخلي؛ ومن ثمّ تحقيق الغاية القومية المنشودة. ويعكس الحرص الصيني على بناء علاقات دولية واسعة وتوظيفها إدراكا صينيا مفاده أن المهارة السياسية الخارجية تعد أيضا سبيلا مهما لاكتساب التأثير الدولي الفاعل.

استمرار الصين في تبني سياسة الحياد حيال الأزمات والصراعات العربية الإقليمية، بيد أن تبني مثل هذه السياسة لا يلغي احتمال تدخلها

تهتم الأولوية الثانية بتغليب التعاون على الصراع بين الدول. فخلال مرحلة ماوتسي تونغ تميزت السياسة الخارجية الصينية، في العموم، بتوجه أيديولوجي لم يكن بمعزل عن الصراع الحاد مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي السابق. بيد أن هذا التوجه أخذ بعد الانفتاح الصيني الواسع على العالم بالتراجع لصالح التعامل الواقعي (البراغماتي). وقد أفضى التحول في مضمون السياسة الخارجية الصينية، وبالتالي أدواتها، إلى نتيجة مهمة قوامها الحرص على بناء وتطوير علاقة تعاون مع مختلف الدول، لاسيما تلك التي تتوقع الصين أن العلاقة الجيدة معها ستعود عليها بفائدة متعددة المضامين.

وقد نجحت الصين، التي كانت سابقا تعد من بين الدول المتأخرة، فضلا عن محدودية القبول الدولي بها، عبر توظيف ماهر لسياستها الخارجية، ليس فقط في رفد تحديثها الداخلي بمقومات الارتقاء، وإنما في أن تحقق أيضا الاعتراف بها كإحدى الدول المؤثرة في التفاعلات الدولية، وكدولة أساسية في تفاعلات النظام شرق آسيوي، وأحد أبرز الشركاء الاقتصاديين للعرب، ضمن علاقة متينة تأثّرت بدورها بالتحولات التي عاشتها الصين وأيضا الدول العربية.

تحوّلت أنماط الحركة السياسية الخارجية الصينية حيال العرب من مضمون إلى آخر تبعا للتحولات الجوهرية التي مرت بها عموم هذه السياسة عبر الزمان. ففي عهد ماو تسي تونغ لم تحل مجموعة من الكوابح، ومنها محدودية القدرة الصينية على الفعل، والانشغال بالصراع مع الأميركيين والسوفييت، والبعد جغرافيا عن الوطن العربي، دون إرساء علاقات صينية عربية؛ بيد أن هذه العلاقة لم تتجاوز حدود العلاقة الديبلوماسية الرسمية.

بعد تحول الصين إلى سياسة الانفتاح الواسع على العالم، دفعت متغيرات إيجابية، إلى علاقات صينية عربية متطورة لم تقتصر على الأصدقاء القدامى، وإنما إمتدت لتشمل دولا عربية أخرى، ومنها دول الخليج العربي. وانطلاقا من ركائز السياسة الخارجية الصينية الجديدة وتفاعلا مع معطيات الواقع العربي الراهن، نرى أن السلوك السياسي الخارجي الصيني حيال العرب سيتمحور حول الآتي:

الأمن والدفاع أسفل قائمة أولويات البرنامج الصيني الجديد، مقابل الاهتمام بالارتقاء بالزراعة والصناعة والبحث العلمي

* استمرار الصين في حرصها على تطوير علاقاتها مع الدول العربية عموما، والمحورية خصوصا، ومنها دول الخليج العربي، إدراكا منها لأهمية هذه الدول بالنسبة لها، لاسيما على صعيد إشباع حاجاتها النفطية والاقتصادية والاستثمارية. ويتبع هذا الحرص ثلاثة أمور أساسية: أولها، الاستمرار في تعاملها مع العرب، كإرادات سياسية متنافرة، مستفيدة من واقع إيلاء الدول العربية الأولوية لمصالحها القطرية، وبالتالي محدودية السياسات العربية المشتركة. والأساس الثاني، فهو مقايضة دعمها، بأنواعه المتعددة، للعرب بالمحافظة على مصالحها وتطويرها. وأما عن الأمر الثالث، فيكمن في تجنب تدخلها في الشؤون الداخلية العربية، الذي كان إحدى سمات السياسة الصينية حيال العرب في عهد ماوتسي تونغ، خشية من تأثيرها السلبي.

* استمرار الصين في تبني سياسة الحياد حيال الأزمات والصراعات العربية الإقليمية. بيد أن تبني مثل هذه السياسة لا يلغي احتمال تدخلها.

*من المرجح أن الصين ستتعامل أيضا مع الدول العربية وفق مخرجات نوعية علاقاتها هي مع الولايات المتحدة، ونوعية علاقات العرب بالأخيرة.

* اتجاه الصين إلى أن تكون قوة عظمى سيجعلها تتصرف حيال العرب كقوة عظمى. ومما يسهل ذلك أمران: أولهما، أن المصالح الصينية في الوطن العربي ستكون، في المستقبل، قد تطورت على نحو أعمق وأشمل، ومن ثم صارت حاجتها للعرب أوطد. وهذا يفضي بها إلى الأخذ، وتبعا لطبيعة الموقف السائد، بسياسة الترغيب و/أو الترهيب لحماية هذه المصالح. وثانيهما، أن التراجع التدريجي المحتمل للدور الأميركي، سيفضي بالمقابل إلى تسريع اقتران الهيكلية الدولية بخاصية تعدد الأقطاب.

وتفيد تجارب التاريخ أن هذه الهيكلية اقترنت دائما بالتنافس و/أو الصراع بين الأقطاب الدولية على تلك المناطق الجغرافية المهمة في العالم . وبما أن الوطن العربي سيبقى من بينها، ستكون الصين من بين تلك الأقطاب، التي ستتنافس و/أو تتصارع عليه، وبمحصلة قد تجعله يعود، مرة أخرى، إلى تلك الأجواء التي عاشها خلال فترة اشتداد حدة الحرب الباردة، والتي استنزفته مخرجاتها.

ومعطيات الواقع العربي الراهن، بشقيها الداخلي والخارجي، إن استمرت على هذا النحو فإنه لا يمكن القول، موضوعيا، إنها قابلة للتغيير خلال زمن قصير، ولن تفضي قريبا إلى مستقبل أفضل بل سيكون هذا المستقبل استمرارا للحاضر وسيبقى مقترنا بمشهد ديمومة التردي والانكشاف.

وبالتالي فإن أنماط السلوك السياسي الخارجي الصيني تؤكد أن مشهد ديمومة التردي العربي يلغي حاجة الدول الأخرى، إقليميا وعالميا، إلى إعادة هيكلة سياساتها الخارجية حيال الوطن العربي وعلى ذلك النحو الذي يأخذ المصالح العربية بعين الاعتبار. بيد أن مثل هذه الحاجة ستصبح أكثر إلحاحا عندما يقترن المستقبل العربي بمشهد يعكس قدرة العرب الكامنة على الارتقاء الحضاري والتأثير الدولي لصالحهم، كدول وأمة.

أستاذ العلوم السياسية ودراسات المستقبليات

6