السياسة الخارجية المصرية: الحفاظ على الأمن الإقليمي دون نزوع نحو الزعامة

دول خليجية مثل السعودية والإمارات، تلعب دورا مهما للحفاظ على الأمن الإقليمي وتدرك تداعيات سياسات القوى الدولية التي فتحت المنطقة على أخطار عديدة.
الجمعة 2018/03/16
أمن السعودية من أمن مصر

القاهرة- نادين عوض الله وجون ديفيسون- عندما أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن عزمه القيام بأول رحلة رسمية له إلى الخارج، منذ أن تولى ولاية العهد، كان من الطبيعي أن مصر هي الوجهة الأولى للأمير محمد بن سلمان لاعتبارات تاريخية وسياسية واستراتيجية واقتصادية وثقافية، وانطلاقا من قناعة عبّر عنها ولي عهد السعودية بقوله “عندما تقوم مصر، فالمنطقة كلها تستطيع أن تنهض”.

ولطالما كانت السعودية ومصر القلب النابض في الشرق الأوسط، وحتى بعد تغيّر الكثير من المعطيات الاستراتيجية في المنطقة، وصعود قوى إقليمية أخرى فاعلة ومؤثرة، وتراجع دور مصر، وتأثّر البلاد بتداعيات ثورة 25 يناير ثم حكم الإخوان وسقوطهم مع ثورة 30 يناير، ظلت مصر محافظة على تلك المكانة المحورية الإقليمية.

في إشارة إلى الاضطرابات التي اجتاحت مصر في أعقاب الانتفاضة الشعبية عام 2011، قال الأمير محمد لرؤساء تحرير الصحف في القاهرة “كنت فاقد الأمل تماما في أن تقوم مصر، وكنت أدعو الله ألا تنهار، وما رأيته اليوم أكد لي أن الله استجاب لدعائي، فقد رأيت تفاعلا كبيرا في مستقبل المنطقة”.

ويتزايد الدور الذي تلعبه دول خليجية مثل السعودية والإمارات للحفاظ على الأمن الإقليمي وتدارك تداعيات سياسات القوى الدولية، وخصوصا الأميركية، التي فتحت المنطقة على أخطار عديدة خصوصا التهديدات الإيرانية والإرهاب، لكن توضح تصريحات ولي عهد السعودية أن مصر تبقى طرفا مهما ضمن الكتلة الإقليمية في المنطقة.

من هنا، يأتي الدعم الذي تقدمه السعودية والإمارات إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي تخوض قواته حربا على تنظيم الدولة الإسلامية في شبه جزيرة سيناء، ضمن سياسة تهدف إلى الحفاظ على الأمنين المصري والإقليمي، دون نزوع “سلطوي” إلى الاستفراد بالزعامة الإقليمية.

ومع اقتراب عدد سكان مصر من 100 مليون نسمة أي نحو ربع سكان العالم العربي فإن استقرار مصر مازالت له أهميته بالنسبة للمنطقة، لكنها نادرا ما تتولى القيادة الآن عندما تقع الأزمات، وهي سياسة انتهجتها مصر منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويقول أنصار السيسي، الذي يسعى للفوز بفترة رئاسية ثانية في الانتخابات الرئاسية هذا الشهر، إنه بإمكانه أن يحقق الأمن ويحيي الدور المحوري لمصر في الوساطة ضمن محادثات السلام في الشرق الأوسط. غير أن دبلوماسيين يقولون إنه ما دامت مصر تواجه مشاكل أمنية داخلية والمنطقة تشهد اضطرابا فستركز القاهرة على قضايا أقرب إليها جغرافيا.

مصر تحاول التقليل من عمليات تهريب السلاح والمتطرفين عبر حدودها الصحراوية الممتدة على 1200 كيلومتر مع ليبيا، في حين أنها تريد في غزة المساعدة في تهدئة الوضع

وقال الدبلوماسي نبيل فهمي، الذي كان مسؤولا في مقتبل العمر عندما أصبحت مصر أول دولة تبرم معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979، “ما من شك في أننا خلال أوقات معينة قد حسمنا الحرب والسلام في الشرق الأوسط”.

وأضاف فهمي، الذي شغل منصب وزير الخارجية عاما بعد أن أمسك السيسي بزمام الأمور في مصر عام 2013 كما شغل منصب سفير مصر في واشنطن في عهد مبارك، أنه “عندما تمر بعملية انتقالية ينظر الناس إليك ويقولون ’يبدو أنك مشغول’ ولذلك لا يمكنك فعلا أن تمتلك ذلك النفوذ”.

ورغم أن السيسي سار في مسار منفصل في ما يتعلق بسوريا واختار ألا يتبع النهج المتشدد الذي التزمت به الرياض ضد الرئيس السوري بشار الأسد، فإن ذلك لا يلغي الاتفاق في مجالات أخرى حيث تشترك مصر والسعودية في معارضة جماعة الإخوان، كما أنه أيّد مواقف الرياض وأبوظبي فانضمّ إلى مقاطعة قطر ودعّم بقدر محدود حربهما على المقاتلين الحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن. خلال فترة الرئاسة الأولى عزز السيسي علاقاته مع روسيا والصين محاولا التقليل من الاعتماد على الشراكة المستمرة منذ أربعة عقود مع الولايات المتحدة.

غير أن شواغل السياسة الخارجية الأكثر إلحاحا لدى مصر تكمن في حدودها. فمن ناحية الغرب خلقت حالة الفوضى في ليبيا منذ الإطاحة بمعمر القذافي قبل سبع سنوات وضعا أمنيا خطيرا على أعتاب مصر، ومن الشرق خلقت الخلافات الفلسطينية وضعا غير مستقرّ في قطاع غزة رغم أن الأزمة في شبه جزيرة سيناء حيث تقاتل القوات المصرية المتطرفين تطغى على هذا الوضع.

أما في الجنوب فتشعر القاهرة بالانزعاج من السدّ الذي تبنيه إثيوبيا على نهر النيل ويهدّد موردها من المياه الذي تعتمد عليه مصر في الزراعة. وقد أعلنت إثيوبيا بدء العمل في بناء السد بعد أسابيع من الإطاحة بمبارك عندما لم تترك الاضطرابات الداخلية مجالا يذكر أمام مصر للرد.

وقال فهمي إن مصر في الوقت الراهن “ستضطر للتعامل مع الحرائق المشتعلة حولها لأنها تخلق إحساسا بالضرورة الملحة”. وقال دبلوماسي غربي إن الأولويات الداخلية التي حددتها المؤسسة العسكرية المهيمنة في مصر قلصت الآفاق الدبلوماسية للقاهرة. وأضاف أن “مياه النيل وليبيا وغزة هي القضايا الرئيسية الثلاث التي تهتم بها مصر. وكلها يحركها جدول الأعمال الداخلي لا الرغبة في لعب دور إقليمي”.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية أحمد أبوزيد إن ليبيا وغزة تمثلان مشكلتين أمنيتين في الأساس. وقال إن “مصر تحاول التقليل من عمليات تهريب السلاح والمتطرفين عبر حدودها الصحراوية الممتدة على 1200 كيلومتر مع ليبيا، في حين أنها تريد في غزة المساعدة في تهدئة الوضع والوساطة بين حركة حماس التي تحكم القطاع وبين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية”. وأضاف أن الشرق الأوسط يواجه تحديات أمنية وإنسانية هائلة وبالتالي “يتطلب ذلك اهتماما أكبر بالقضايا الأمنية”.

7