السياسة الخارجية لترامب: نهاية التحالفات

الاثنين 2016/12/05
ترامب سيضعف أميركا

عند تنصيب رئيس جديد للولايات المتحدة، جرت العادة أن نقدم صاحب المنصب على أنه “زعيم العالم الحر” إضافة الى كونه رئيس أركان أكبر بلد على وجه الأرض وقائدها الأعلى. ويقال إن هذا اللقب يستمد من مقام أميركا الذي ادعته لنفسها بوصفها محور مجتمع دولي من البلدان الديمقراطية ذات الاقتصاد الحر وأهم المدافعين عنه، بالطبع تم استخدام هذا الادعاء لتبرير التدخل لمصلحة الأنظمة المستبدة الصديقة أكثر من استخدامه لتوسيع شبكة الديمقراطية، بالرغم من أنه يوحي بأن الولايات المتحدة هي جزء من عالم أرحب من البلدان المشابهة في التفكير، لكن ذلك المفهوم يتم حاليا إيداعه للتاريخ في الوقت الذي يبني فيه دونالد ترامب سياسة خارجية تهدف حصريا إلى تنفيع الولايات المتحدة.

لم يجعل ترامب من التزاماته تجاه “أميركا أولا” في الشؤون الدولية أمرا سريا إذ كان ذلك جليا في كل خطاب من خطاباته أثناء الحملة، وكذلك في كلمته في الصباح الباكر من يوم التاسع من نوفمبر، “أريد أن أقول للمجتمع الدولي إنه في حين أننا سنجعل مصالح أميركا في المقدمة، سنتعامل بإنصاف مع الجميع كل الناس وكل البلدان الأخرى”. وعلى عكس أسلافه ليس هناك أي تعهد بالدفاع عن العالم الحر أو توسيع وضع الأولوية لبلدان معينة على أساس قيمها الغربية الليبرالية، ويبقى المحدد الوحيد لعلاقة كل بلد بواشنطن هو “ماذا يمكنكم فعله لفائدتنا؟”.

هذا يمثل تغييرا كبيرا في السياسة الخارجية والعسكرية الأميركية، وما لذلك من استتباعات واسعة النطاق. عوضا عن النظر إلى الولايات المتحدة كونها الزعيمة النهائية لشبكة واسعة من البلدان ذات التوجهات المتشابهة (التي تسمى بصفة عامة “الغرب”)، يرى ترامب عالما تكون فيه هذه البلاد مجرد واحد من بين الكثير من الفاعلين الكبار في بيئة تتسم بالمنافسة الوحشية ويتحصل فيها الفائز على كل شيء. ليس للولايات المتحدة أي حلفاء في هذا العالم، ومن ثم، ليس لها كذلك أي أعداء غير قابلين للإصلاح، بل لها فقط منافسون في صراع من أجل الأفضلية السياسية، فيه القوي يأكل الضعيف.

وفي هذا الصنف من العالم، تكون الغاية النهائية للسياسة الخارجية الأميركية خدمة مصالح واشنطن في كل منعرج، مهما يكن الخاسر في المسار. ربما تبقى الدول التي كانت تعتبر حليفة (أعضاء الناتو، واليابان، وكوريا الجنوبية، الخ) أصدقاء مقربين لكن ينتظر من هذه الدول أن تعتني بحاجاتها الأمنية، لا أن تعتمد على العم سام (اللهم طبعا تكون مستعدة لتدفع مقابل الخدمة)، أما الأعداء السابقون مثل روسيا ونظام بشار الأسد في سوريا يمكن إعفاؤهم من وضعية الدول المارقة إذا ساعدوا على تحقيق الأهداف الأميركية مثل استئصال داعش. والمنافسون الاقتصاديون الكبار مثل الصين سيطلب منهم التراجع عن سلوكهم التجاري العدواني وإلا سيواجهون انتقاما قاسيا من الولايات المتحدة، ففي ما تتمثل بعض النتائج المرجحة لهذا الموقف؟ في حين أنه من المبكر جدا القيام بتكهنات صلبة، تبدو بعض النتائج حتمية.

بادئ ذي بدء، لم يعد هناك أي مجال للنظر إلى تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية على أنها هدف من أهداف السياسة الخارجية الأميركية. سيتم الحكم على الدول فقط من خلال مساهمتها المحتملة في خدمة مصالحها الفورية، وليس طبيعة أنظمتها أو تعاملها مع الأقليات فيها. لن ينتقد الدبلوماسيون الأميركيون بعد الآن نظام أردوغان في تركيا بسبب قمعه للصحافيين والأكراد، ما دام باستطاعتنا استخدام قاعدة أنجرليك الجوية لشن ضربات على داعش. ولن يتم تحذير النظام في بغداد ضد سوء معاملته للسنة في الموصل مادام داعش تم طرده من المدينة. ولن تُنتقد أوغاندا ونيجيريا بسبب سجن أفراد من جماعة المثليين ما دامتا تقدمان لنا المساعدة في مسائل أخرى.

هذه المقاربة هي بالطبع المقاربة بعينها التي تفضلها بكين منذ زمن طويل في علاقاتها ببلدان أخرى، وهي إحدى الطرق التي استعملتها الإدارات الأميركية السابقة لتمييزنا عن الصين. عندما قام الصينيون بحماية نظام عمر البشير في السودان من العقوبات الأممية على خلفية القتل الجماعي في دارفور، أدان الدبلوماسيون الأميركيون بكين بشدة، لكن الآن في حكم ترامب يمكن انتظار أن تقوم واشنطن بنسخ قواعد اللعبة الصينية، ولنودع القيم الغربية، لحسن حظ البعض وسوء حظ البعض الآخر.

بالنسبة إلى الأنظمة القمعية في الخارج سيكون ذلك خبرا سارا، إذ من الآن لن يخشوا التحرك الأميركي الذي قد يهدد قدرتهم على إسكات المعارضة أو القضاء على الخصوم. في أحد البيانات المعبرة أثناء رحلته الانتخابية تكلم ترامب مستحسنا هكذا أنظمة، حيث قال في سبتمبر “دعنا ننظر إلى الشرق الأوسط في بداية سنة 2009 قبل تولي هيلاري كلينتون المسؤولية. كانت ليبيا مستقرة، وكانت سوريا تحت السيطرة، وكانت مصر يحكمها رئيس علماني وحليف للولايات المتحدة”. واليوم، عندما ننظر الى الأمام، يمكننا تخيل أي أنظمة سيناصر وهو رئيس.

مثال معبر جدا لهذه النزعة حدث في أواخر أغسطس الماضي عندما دخلت زوارق حربية إيرانية فيما وصف بأنه “مناورة مضايقة” بجانب سفن حربية أميركية تقوم بدوريات بالقرب من المياه الإقليمية الإيرانية في الخليج العربي. في تناوله لهذا الحادث بعد بضعة أيام في اجتماع جماهيري في فلوريدا أكد ترامب بالقول “مع إيران عندما يطوقون مدمراتنا الجميلة على زوارقهم الصغيرة ويقومون بحركات يفترض ألا يسمح لهم القيام بها سيقذفون خارج الماء”.

هذا يبعث على الانشغال العميق بما أنه من المحتمل أن يكون أكبر خطر قد نواجهه في السنوات المقبلة، هو صدام من هذا النوع ينشأ في بحر البلطيق أو البحر الأسود أو بحر الصين الشرقي أو الجنوبي حيث كثيرا ما تكون السفن الصينية والروسية في مرمى نيران السفن الحربية التابعة للولايات المتحدة وحلفائها.

أخيرا، ننظر في مسائل المصاريف العسكرية والأسلحة النووية. في هذا الموضوع كان ترامب متصلب الموقف حيث يرى أن الولايات المتحدة عانت في السنوات الأخيرة (أي أنها أزيحت من عدة مواقع من قبل خصومها الأكثر عدائية) بسبب تردي قدراتنا العسكرية، وردة الفعل الأنسب هي بناء قوتنا بأسرع وقت ممكن. صرح ترامب في سبتمبر قائلا “أشرف كل من الرئيس أوباما وهيلاري كلينتون على تخفيضات كبيرة في جيشنا، مما لا يؤدي إلا إلى استدعاء المزيد من العداء من خصومنا”. ويضيف “يبين التاريخ أن أميركا عندما لا تكون متأهبة يكون الخطر في أشده. نحن نريد أن نردع الصراعات ونتفاداها ونحول دونها عبر قوتنا العسكرية التي لا جدال فيها”.

ولايمكن تكهن كيف سيجري كل هذا في ظل حكم ترامب، لكن الكثير منه مستتبع من روح نظرته في السياسة الخارجية التي تتلخص في أن الولايات المتحدة هي وحدها المهمة في تعاملاتنا مع بقية العالم، وكل التزاماتنا ‘المدرعة’ سابقا تجاه الحلفاء المخلصين والمبادئ التي كانت في السابق مفخمة مثل التجارة الحرة وحقوق الإنسان أصبحت الآن من الماضي. بالطبع الحكم أصعب بكثير من خوض الحملة الانتخابية، وسيجد ترامب عوائق كثيرة أمام نواياه الأكثر استباقية. الكونغرس مثلا، حتى وهو تحت سيطرة الجمهوريين، قد يتردد أمام توسيع عسكري باهظ التكلفة خاصة في ظل وجود أولويات أخرى وعد بها ترامب مثل إصلاح البنية التحتية وتوسيعها. كذلك قد تعارض المؤسسة العسكرية الأعمال التي تؤدي إلى تورط عسكري آخر في الخارج مثل توجيه ضربات جوية إلى إيران.

أستاذ في كلية هامبشير

6