السياسة الدفاعية التونسية على محك النقد الذاتي

تكابد تونس منذ انتفاضة 2011، في سبيل إنهاء حالة عدم الاستقرار التي تهدد مسار الانتقال الديمقراطي الذي خيرت انتهاجه. مسار تعاظم حجم التهديدات الداخلية والخارجية المحيطة به، خاصة بعد تفاقم الأزمة الليبية وتنامي المد الإرهابي، مما أضحى يستوجب، وفق قيادات عسكرية تونسية، الوقوف على نقاط القصور في السياسة الدفاعية السابقة وتوخي توجه جديدة أنجع يكون كفيلا بالتصدي لهذه الأخطار.
السبت 2015/06/27
الجيش التونسي عازم على تأمين المسار الديمقراطي رغم النقائص المادية واللوجستية التي يعاني منها

تونس - وصفت قيادات عسكرية تونسية سابقة “ثورات الربيع العربي” بـ”موجات” من العنف والفوضى وبـ”نزاعات داخلية غذتها خاصة تدخلات أجنبية مباشرة، بالإضافة إلى تنامي نشاط الجماعات الجهادية، الأمر الذي عصف بعدد من أنظمة الحكم”. وباتت عدّة بلدان عربية مهدّدة بصفة مباشرة في حدودها الخارجية وفي كيانها بعد أن “أجّجت” ما كان يُعتقد أنها “ثورات”، فكرا “تكفيريا جهاديا” لا يؤمن بالدول القائمة ويسعى إلى “إرساء نظام الخلافة”.

وشددت القيادات على ضرورة “بلورة سياسة لبناء منظومة دفاعية تتمحور حول مؤسسة عسكرية تكون قادرة على مجابهة التهديدات والمخاطر الحالية التي تواجهها تونس داخليا أو خارجيا”.

جاء ذلك خلال ندوة انتظمت بمناسبة إحياء الذكرى 59 لتأسيس المؤسسة العسكرية التونسية في شهر يونيو 1956، هذه المؤسسة التي لاقت جهودها في التصدي للجماعات الإرهابية خلال السنوات الأربع الماضية، تقديرا كبيرا.

ومنذ انتفاضة يناير 2011 تسلّح الجيش التونسي بكثير من “الصبر والأداء المهني الناجع” لتأمين مسار الانتقال الديمقراطي وإنجاح المحطات الانتخابية ونأى بنفسه عن التجاذبات السياسية.

تفشي الفكر الجهادي

لدى تطرقه للأسباب التي أدت الى الفوضى الراهنة، اعتبر أمير اللواء في الجيش التونسي، محمد المؤدب أنّ “ما كان يعتقد أنها ثورات عربية، تبين أنها موجات من العنف والنزاعات الداخلية استهدفت بعض الدول العربية وغذتها خاصة التدخلات الأجنبية المباشرة والإرهاب، ممّا عصف بأنظمة الحكم في تلك البلدان التي أصبحت مهددة مباشرة في حدودها الخارجيّة وفي كياناتها شأن ما حصل في كلّ من ليبيا واليمن وسوريا”. وشدد المؤدب على أن “ما يعتقد أنها ثورات الربيع العربي” قادت إلى “تطور المجموعات الإرهابية التي تعتمد أساليب حرب العصابات والتخفي والقيام بهجمات إرهابية، في المنطقة العربية”.

ولم تتردّد القيادات العسكرية في ربط بروز تنظيم الدولة الإسلامية بما يسمى “الربيع العربي”، حيث أنّهم لفتوا إلى أنّ التنظيم استغلّ “الفوضى الأمنية وضعف الدول ليرص صفوفه ويستقطب الآلاف من الشباب تحت عنوان الجهاد”.

وقال المؤدب إنّه “لأوّل مرة في تاريخ المنطقة العربية، برز منذ منتصف العام 2014 كيان له كل مقوّمات الدولة، حيث يتحكم في أراض شاسعة، وفي ثروات بترولية لا يستهان بها، وله قدرات عسكرية تضاهي جيوش دول عريقة.

ظهور داعش مرتبط بالربيع العربي حيث استغل التنظيم حالة الفوضى الأمنية وضعف الدول لينتعش

بلورة سياسة دفاعية

علاقة الجيش بالشأن العام في تونس، كانت أيضا أحد المحاور التي تناولتها القيادات العسكرية بالنقاش، حيث اعتبر الفريق أول، محمد سعيد الكاتب، أنّ “من بين أبرز أخطاء العقود الماضية تلك النظرة التي كانت سائدة سياسيا ومجتمعيا للمؤسسة العسكرية، والتي بلغت حدّ التجاهل والتغاضي عن حاجيات هذه المؤسسة، وذلك تفاعلا مع الشعار الذي كان قد رفعه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في فترة ما: “مكان الجيش في ثكناته”.

وأضاف أنّ بعض المسؤولين حافظوا، خلال العقود الماضية، على واقع “تهميش المؤسسة العسكرية “، واعتبروا أنه لا علاقة للجيش لا من قريب ولا من بعيد بالشأن العام على الرغم من الدور المحوري الذي قامت به المؤسسة العسكرية في حماية البلاد منذ انتفاضة يناير 2011. وشدّد على أن “الحكومات المتعاقبة بعد الثورة تلتقي مع سابقاتها حول غياب الرؤية والإستراتيجية الواضحة في التعامل مع المؤسسة العسكرية”. وقال إنّ ملف السياسة الدفاعية برمّته بقي ملفا “مسكوتا عنه”، مضيفا أنّ “الأمر بلغ حدّ جهل بعض المسؤولين الذين يتحكمون في مصير البلاد بأسس تسيير المؤسسة العسكرية ودورها الوطني”.

وفي الندوة وقعت الدعوة إلى “حوار وطني معمق مع الخبراء حول مفهوم السياسة الدفاعية وأولويات المؤسسة العسكرية خلال هذه المرحلة التي تتميز بهشاشة الوضع الأمني، والمرتبطة بعوامل داخلية وأخرى إقليمية ودولية، وخاصة تطور الأوضاع في ليبيا والتي قد تستمر إلى ما بين 20 و30 عاما”.

تهديدات متنوعة

في ما يتعلق بالانعكاسات العسكرية والأمنية لتطورات الأوضاع في ليبيا على تونس، حذّر محمد المؤدب من “تهديدات خارجية كثيرة تواجهها البلاد، أبرزها تفاقم وتردي الوضع العام بليبيا التي تشهد منذ العام 2011 أزمة سياسية خانقة، وانهيارا كليا لمؤسسات الدولة، ونزاعات داخلية مسلحة بين جهات لا تحصى وذات مرجعيات متنافرة”.

على كل التونسيين، سواء السياسيين أو النخب أو المواطنين الانخراط في مهمة تأمين تونس وعدم إحالة كل المهمات إلى الجيش الوطني، الذي تضخّمت المهام المسندة إليه منذ يناير 2011

وشدد الكاتب بدوره على أن “تمركز نواة موالية لتنظيم الدولة المتشدد في سرت وسيطرة قوات فجر ليبيا على العاصمة طرابلس وعلى جل المناطق الليبية الغربية المجاورة لتونس ضاعف من فرص التدخلات العسكرية الأجنبية المباشرة على الأراضي الليبية وفي مجالها البحري”، لافتا إلى “أنّ الاستعدادات لعمليات عسكرية أجنبية قادمة تتأكد يوما بعد يوم، خاصة في ظل المخاوف الأوروبية المتنامية”.

واستأثرت عملية اختطاف الدبلوماسيين التونسيين في طرابلس من طرف “قوات فجر ليبيا”، خلال الأيام الماضية، بحيّز هام من اهتمام القيادات العسكرية، حيث اعتبر المؤدب، “أنّ فجر ليبيا، التي تسيطر على المناطق الغربية للبلاد المحاذية للحدود التونسية لها خلفياتها وتوجهاتها الفكرية التي لا تجعل منها جارا أمينا وسندا قويا لتونس ومتعاونا للمصلحة المشتركة للشعبين”.

ولم تخف القيادات العسكرية مخاوفها من خطورة الجماعات التكفيرية الجهادية على أمن تونس إذا لم تبادر البلاد بوضع منظومة دفاعية ترفع من أداء الجيش، وإذا لم يتم تعزيز تلك المنظومة من خلال تعيين قائد عام للقوات المسلّحة. حيث أنه “ما لم يتم مراجعة السياسة الدفاعية فإن الإرهابيين سيحتلون مدينة القصرين (على الحدود مع الجزائر) ويرفعون الراية السوداء فوق سلسلة جبال الشعانبي التي يتحصنون بها”، وفق تعبيرها.

وأمام خطورة الوضع في المنطقة وداخل البلاد وجدية التهديدات، شدد المؤدب على أنه “من الضروري على كل التونسيين، سواء السياسيين الذين يمسكون بمقاليد الدولة أو نواب الشعب في البرلمان أو الأحزاب السياسية أو النخب أو المواطنين العاديين، الانخراط في مهمة تأمين تونس وعدم إحالة كل المهمات إلى الجيش الوطني، الذي تضخّمت المهام المسندة إليه منذ يناير 2011، وأصبحت تشمل الدفاع عن حرمة التراب الوطني وحماية الشعب من كلّ تهديد، ومحاربة الإرهاب، إضافة إلى المساهمة في حفظ النظام داخل البلاد”.

ودعت القيادات العسكرية إلى “ضرورة توفّر إرادة سياسية جدية تعمل على إيجاد صيغ حديثة للسياسة الدفاعية وإلى إعادة النظر في الموارد البشرية للمؤسسة العسكرية وإحداث وكالة للأمن القومي بين مختلف الأسلاك الأمنية والعسكرية، تكون لها القدرة على جمع المعلومة وتحليلها بالسرعة المطلوبة لضمان التدخل الناجع”.

6