السياسة الضبابية للإدارة الأميركية تربك القاهرة

السبت 2015/04/11
أوباما يحتاج إلى دعم مصر

اتخذت الإدارة الأميركية قرارها بإلغاء تمويل نظام التسليح الذي يعمل منذ زمن كعلامة وحيدة على العلاقة المميزة التي تجمع القاهرة بواشنطن، وبهذه الخطوة يكون الرئيس الأميركي باراك أوباما قد أوصد الباب أمام أي فرصة من شأنها توثيق العلاقة بين البلدين خلال فترة ولايته.

تتسّم السياسة التي انتهجتها الإدارة الأميركية تجاه مصر، طوال الفترة الماضية، بالارتباك، ولم يتّضح، منذ الخلاف الذي اندلع مع اندلاع ثورة 30 يونيو 2013، موقف واشنطن النهائي من بعض القضايا الحيوية، وازداد الأمر سوءا عقب تعليق المساعدات العسكرية لمصر، في وقت كانت فيه البلاد تخوض حربا شرسة ضد الإرهاب.

ولم يغيّر إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما استئناف المساعدات العسكرية لمصر، وتقديم أنواع متطورة من الطائرات الأميركية، موقف الكثير من الدوائر السياسية في مصر تجاه نوايا واشنطن.

واعتبر مسؤولون مصريون أن الإفراج عن طائرات الـ “أف - 16” ومعدات عسكرية أخرى كان قد تم الاتفاق عليها مسبقا، لكن علّقتها واشنطن كمحاولة لمعاقبة المصريين على موقفهم السلبي من الإخوان، ناجم عن التطورات التي حدثت في اليمن ونصائح بعض الدول الصديقة، ودور جماعات الضغط في الولايات المتحدة.

لكن، رغم هذا الموقف، لا يتوقع مراقبون حدوث نقلة حقيقية في نسيج العلاقات المشتركة بين مصر والولايات المتّحدة. واعتبروا أن خطوة أوباما الأخيرة محدودة، مقارنة بالفجوة الواسعة بين القاهرة وواشنطن، والتي تتطلب تحرّكات أكبر حتى يثبت أن هناك تحوّلا في السياسة الأميركية تجاه القاهرة.

وقد أكّد خبراء لـ”العرب” أن نفوذ واشنطن في القاهرة تراجع بصورة كبيرة في الفترة الأخيرة، بعد أن أصبح واضحا للعيان أن سياسة أوباما تضرّ بالعلاقات بين البلدين، ودللوا على ذلك بسلسلة من المواقف المصرية، منها تجاهل القاهرة انتقادات واشنطن للضربات التي وجهها سلاح الجو المصري ضد مراكز تابعة لتنظيم داعش في ليبيا.

نهى بكر: صعب على واشنطن تجاهل الدور المصري العسكري والسياسي في المنطقة

كما رفضت القاهرة عرضا أميركيا لتدريب مشترك على مكافحة الإرهاب. وأصرت على شراء صواريخ أرض-جو من طراز “S-300” من روسيا، وهو نظام من شأنه أن يزيد القدرة العسكرية لمصر.

توتر مستمر بين القاهرة وواشنطن

في خضم المشاركة المصرية في “عاصفة الحزم”، تلقّى الرئيس المصري عبدالفتّاح السيسي مكالمة هاتفية من نظيره الأميركي، باراك أوباما، أبلغه من خلالها عن استئناف المساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن للقاهرة، وذلك بعد توتر استمر نحو 20 شهرا بعد عزل الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو 2013.

بعض المصادر الدبلوماسية قالت لـ”العرب” إن المكالمة الهاتفية، لن تغيّر كثيرا في طبيعة التوتّر السائد بين واشنطن والقاهرة. وأكّدوا أن إعلان رفع الحظر المفروض على إرسال الأسلحة، خطوة جيدة لكن لا تعني تغيرا جوهريا قريبا في العلاقات بين البلدين.

ومردّ ذلك، وفق الخبراء، قيام الرئيس أوباما، في الوقت نفسه، بإلغاء خطة التمويل لشراء السلاح الأميركي بالتقسيط، والتي كانت تتمتع بها مصر وإسرائيل فقط، الأمر الذي فسّره مراقبون أنه إشارة قوية لإنهاء العلاقة الخاصة بين القاهرة وواشنطن؛ وربما يكون الخطوة الأخيرة التي اتخذها الرئيس الأميركي لينهي أي فرصة لتوثيق العلاقات بين البلدين، إلى أن يتم انتخاب رئيس جديد، قد يقوم بتبني نظرة مغايرة.

وعلى غرار ملفّات عديدة مرتبطة بالسياسة الخارجية الأميركية، تلاقي سياسة إدارة أوباما الخارجية مع مصر انتقادات مسؤولين أميركيين. وقد دفعت حالة الشد والجذب بين القاهرة وواشنطن عدد من أعضاء الكونغرس، من الحزب الجمهوري، إلى محاولة تبني سياسة مختلفة عن الديمقراطيين، وتوظيف التوتّر مع مصر لصالح حزبهم، وتأكيد حجم الأخطاء التي ارتكبها أوباما في السياسة الخارجية.

وفي سيناريو شبيه بما حدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، دعا النائب الجمهوري رورا باكر، الرئيس المصري عبدالفتّاح السيسي إلى إلقاء خطاب أمام الكونغرس في شهر يونيو المقبل.

وقال باكر، في تصريحات لـ”العرب”، إنه قدّم طلبا لرئيس مجلس النواب الأميركي جون بينر لتوجيه دعوة رسمية للرئيس المصري لإلقاء كلمة أمام أعضاء المجلس. وأوضح عضو مجلس النواب الأميركي، عن ولاية كاليفورنيا، أنه تلقى رد فعل جيد من قيادات الكونغرس على الطلب الذي قدّمه، معربا عن تفاؤله الكبير لأن يتحدث الرئيس السيسي أمام الكونغرس عن العلاقات المصرية الأميركية وقضايا أخرى تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط.

ضغوط على البيت الأبيض

في معرض تعليقه على التوتر الأميركي المصري، قال نبيل فهمي، وزير الخارجية المصري السابق لـ”العرب”، مايزال هناك طريق طويل لتسترد العلاقات المشتركة عافيتها. ورأى أن الإفراج عن المساعدات يعكس نية إدارة أوباما التعامل مع القاهرة من منطلق المصالح، بعد فترة من التردد.

وأوضح وزير الخارجية المصري السابق، أن القرار الأميركي بالإفراج عن الأسلحة، جاء متأثّرا بالتطورات السياسية في المنطقة، ومدفوعا باعتبارات داخلية في الولايات المتحدة، وخرج من رحم انتقادات شديدة وجهتها بعض الدوائر الأميركية لإدارة أوباما، واتهامها المتكرر بعدم وجود رؤية واضحة لسياستها في الشرق الأوسط. ونوه نبيل فهمي إلى أن التحرك العربي الجماعي دفع بعض القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى عدم التهاون بالعزيمة العربية، وعدم استبعاد أن تكون مؤثرة في التوازنات الإقليمية.

ولم تمنع التقديرات الحذرة تجاه مستقبل العلاقات بين البلدين في عهد أوباما، بعض الخبراء من أن يتفاءلوا بإمكانية حدوث تغيير لافت في الأيام المقبلة.

في هذا السياق، قال طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، لـ”العرب” إن العلاقات تجاوزت أصعب المراحل وليس من المستبعد أن تعود للتطبيع، بفضل نجاح الدبلوماسية المصرية في تغيير قناعات عديدة في دوائر صنع القرار الأميركي، وهو ما أسهم في التحوّل النسبي في مواقف قطاعات كبيرة، كانت مصممة على التعامل مع ما حدث في 30 يونيو 2013 بمصر على أنه “انقلاب عسكري”.

وأوضح فهمي أن الولايات المتحدة لا تريد خلق عداوات جديدة مع مصر، وأن العلاقات بين القاهرة وواشنطن من الممكن أن تستعيد جزءا من ملامح عافيتها السابقة، مشيرا إلى أن الاتصال الهاتفي بين أوباما والسيسي أكد رغبة الأول في خلق توازن في العلاقة مع مصر.

ومردّ هذا الموقف، وفق نهى بكر، رئيسة قسم العلاقات الدولية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، إدراك الولايات المتحدة لأهمية دور مصر على المستوى الإقليمي وتأثيرها في البيئة الراهنة، ووجد البيت الأبيض أن استمرار وقف برنامج المساعدات سوف يكون له مردود سيئ على مصالح واشنطن في مصر.

إعلان رفع الحظر المفروض على إرسال الأسلحة خطوة جيدة لكن لا تعني تغيرا جوهريا في العلاقات بين البلدين

وأوضحت بكر، في تصريحات لـ”العرب”، أن الإدارة الأميركية أدركت أن لمصر أذرعا في المنطقة على المستوى العسكري والسياسي، وصاحبة دور مؤثر في عدد من الملفات الرئيسية مثل ليبيا واليمن، فكان من الصعوبة أن تتجاهل كل ذلك.

وكشف خبراء في الشؤون الأميركية، لـ”العرب” أن رفع الولايات المتحدة الحظر عن المساعدات العسكرية لمصر، قد يكون بعيدا عن مسألة التغير في الموقف الأميركي التام من القاهرة، فأوباما لا يزال حريصا على البقاء في المنطقة الرمادية، والخطوة الأخيرة تجاه مصر جاءت كرسالة لطمأنة دول الخليج، على خلفية توقيع اتفاق الإطار مع إيران، الذي أدى إلى تداعيات سلبية على مصداقية واشنطن كحليف إستراتيجي لدول الخليج العربي.

من خلال دعم المشاركة المصرية ضد الحوثيين المدعومين من إيران، أصبح بإمكان الإدارة الأميركية أن تعزز طمأنة حلفائها العرب، والتأكيد أنها لن تتخلى عنهم، وتبدو هذه هي الرسالة الأهم التي أرادت واشنطن توصيلها عبر مكالمة أوباما للسيسي.

لا يشكّك أحد في أن الولايات المتحدة تعتبر علاقتها مع مصر علاقة استراتيجية مهمة. ويعبر عن ذلك القول الشهير للرئيس الأميركي الأسبق، دوايت أيزنهاور “الشرق الأوسط مثل الزرافة، ومصر هي رقبة الزرافة، والذي يريد أن يمسك بالزرافة عليه أن يمسك برقبتها”.

وهذا الحرص الأميركي على العلاقات مع مصر تأكد بإبلاغ أوباما للسيسي بأن واشنطن قررت رفع حظر تسليم القاهرة طائرات “أف - 16”. وهو قرار لم يفاجئ المتتبع بعناية للمشهد الأميركي المصري. لكن، يبقى المهم هم توقيت الإعلان عن القرار الأميركي برفع الحظر، والذي لا يمكن نزعه من السياق الإقليمي، وما يشهده اليمن، منذ أن أعلنت السعودية من سفارتها بواشنطن عن انطلاق عملية “عاصفة الحزم”.

7