السياسة بالمغرب.. قطوفها دانية

السبت 2017/08/12

السياسة كالفلاحة جملة تستحق الالتفات إليها كحكمة والعناية بها كحمولة استشرافية. فكما للفصول تأثير على المحصول، إنْ إيجابا أو سلبا، فكذلك السياسة تتحقق أهدافها إذا تم الاهتمام بتوقيت الزرع وعدم قطف الفاكهة قبل أن تنضج.

ولأن التوقيت في السياسة مهمّ، فيمكننا التأكيد على أن خطاب العاهل المغربي بمناسبة عيد العرش جاء متناغما مع اللحظة السياسية التي تمرّ بها البلاد، جعل العاهل المغربي يتساءل أنه إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، فماذا بقي للشعب؟

إذن ما معنى خروج رئيس الحكومة السابق عبدالإله بن كيران والأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية أمام شبيبة حزبه الأحد 6 أغسطس، والقول بعد صمت طويل بأنه اقتضى الحال تعديل الدستور، في الوقت الذي ألحّ فيه العاهل المغربي في خطاب العرش، على ضرورة التفعيل الكامل والسليم للدستور، مؤكدا أن الأمر يتعلق بمسؤولية جماعية تهمّ كل الفاعلين، كلّ في مجال اختصاصه.

هل نحن أمام مناورة لاسترجاع بن كيران موقعه داخل الحقل السياسي بعدما أقيل من مهمة تشكيل الحكومة التي يترأسها زميله في الحزب سعدالدين العثماني، أم هو هروب للأمام بعدم تحمله لمسؤوليته في القرارات التي اتخذتها حكومته منذ عام 2012؟

أسئلة تحيل إلى أننا إزاء مقاربتين؛ الأولى للأمين العام للعدالة والتنمية وتريد العودة بنا إلى أجواء 2011 وما قبله، ومقاربة ملكية تتفاعل مع الحاضر ومتطلباته بطلب واضح لتفعيل فصول الدستور.

استقالة إلياس العماري من الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة المعارض، يمكن فهمها في ظل مناورة السياسي المغربي عندما يتيقن أن هناك توجها استراتيجيا للدولة نحو طيّ مرحلة وبدء مرحلة جديدة لن يكون فيها أشخاص لعبوا أدوارهم وسيتمّ طرحهم للجانب، مع ما يُستحضر من أساسيات منطق الجراحة وتقطيب الجروح وبتر الأعضاء.

تواجد بن كيران والعماري على خط تماس مع إعادة هيكلة الحقل السياسي المغربي بعدما كانا معا تحت أضواء اللعبة السياسية بالمغرب لسنوات وتعارضهما مرجعيا وسياسيا، يجعلهما كسياسيين أمام واقع يحاولان معه إعادة تحديد مناطق النفوذ والتأثير في مجريات الأمور.

الواقع أن المغرب نجح في ترتيب أولوياته التي تتحدد في تأمين الوحدة الترابية والاستقرار واستكمال الورشات الإصلاحية، وهذا يتطلب إرادة سياسية واستشرافا للمستقبل بناء على ما تمت مراكمته من أدوات تعميق الديمقراطية وبناء دولة الحق والقانون عبر عقود.

وهنا يتعهد العاهل المغربي “لن نقبل بأي تراجع عن المكاسب الديمقراطية. ولن نسمح بأي عرقلة لعمل المؤسسات. فالدستور والقانون واضحان، والاختصاصات لا تحتاج إلى تأويل”.

إن أي تنظيم سياسي مهما كان حجم تأثيره ومستوى تجذره داخل المجتمع قد ولد ليحكم، وهي القاعدة الأولى في العلوم السياسية. لكن الذي ينطلق من فرضية خاطئة تقدم السياسيين والأحزاب بالمغرب باعتبارهم زاهدين في ممارسة السلطة، وأن متزعميها يتمتعون بطهرانية لن تجدها في غيرهم. فهؤلاء إما حالمون وإما يتمتعون بقدر كبير من الخبث للتدليس على المجتمع.

الواقع العملي يدحض هذه الفرضية مع وجود نماذج ووقائع تنبئنا بالعكس. لا يوجد هناك من السياسيين من يقول: آخذ فرصتي وأعطي وآخذ بمنطق الحق والواجب، ثم أنسحب لأترك الفرصة للآخرين.

هناك من كان يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام وعندما تنحّى لأسباب موضوعية أو شخصية يتنصل من كل السلبيات التي تمت في عهده وكأنه لم يكن له رأي أو موقف فيها. وعليه هل ننفي المسؤولية السياسية المشتركة لحكومة بن كيران مع حزب الأصالة والمعاصرة الذي يرأس مجلس جهة طنجة- تطوان -الحُسيمة، في تدبير مشاريع الحسيمة المتعثرة مثلا؟

لا يمكن الاعتماد على حسن النية في الحكم على السياسيين، فالمسؤولية هي المجال الوحيد الذي يظهر فيه خصالهم وتمتحن فيه كفاءتهم وتوازنهم النفسي والفكري.

يتبين أن مشكلتنا الأساسية هي مع تحديد مسؤوليات السياسيين بكل حزم، وتفعيل مبدأ المحاسبة على كافة الأصعدة ودون تراخ.

إن توسيع مروحة الامتيازات والإثراء بالريع وتصدر الانتهازيين يعرض كافة الأحزاب السياسية إلى انتقادات وتقريع مستمرين، بعدما تعطلت مهامها في التأطير وتنشيط الحياة السياسية وتفعيل الوساطة بين الدولة والمواطنين.

كاتب مغربي

9