السياسة في العراق خبل عقلي

الأربعاء 2015/04/01

الخبل يعني فساد العقل، ويقاس بأفعال الفرد، فإن كانت منطقية وعقلانية قيل عنه “عاقلا”، وإن كانت عكس ذلك قيل عنه “مخبولا”.

لنطبق هذا المنطق على أفعال العراقيين، ولنبدأها بـ14 يوليو 1958، ففي صباحه قطعوا أيادي عبدالإله وآخرين وطافوا بها يهزجون بهوس في شوارع بغداد. وبين 1959 و1962 جرت مذابح في كركوك والموصل وهتفت جموع “ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة” أي وضع الحبل بعنق المخالف وسحله في الشوارع! وفي 8 فبراير 1963 قتلوا عبدالكريم قاسم وأخفوا جثته، وشهد قصر النهاية نهايات بشعة لوطنيين ومفكرين. وكان عدد القتلى بين يومي 8 و10 فبراير 1963 خمسة آلاف بتقديرات الشيوعيين، فيما يذكر حنا بطاطو في كتابه “العراق” أن العدد المعلن رسميا بإعدام 149 من الشيوعيين ليس صحيحا. ويضيف ما يسميه “طرفة” رواها العقيد محمد عمران العضو السوري بالقيادة القومية للبعث أثناء المؤتمر القطري السوري عام 1964، قال “بعد المؤامرة الشيوعية طلب من أحد ضباط الجيش العراقي إعدام إثني عشر، ولكنه أعلن أمام عدد كبير من الحاضرين أنه لن يتحرك إلا لإعدام خمسمئة شيوعي، ولن يزعج نفسه من أجل اثني عشر فقط”! (ص 304 الكتاب الثالث).

وفي سبتمبر 1980 شن النظام السابق حربا على إيران، جرت فيها عسكرة الناس وتسليح أساتذة الجامعة بالكلاشنكوف. وما إن توقفت في 8 أغسطس 1988 حتى شن النظام حربا على الكويت، وهو خبل سياسي أن تخرج دولة من حرب كارثية لثماني سنوات وتدخل مباشرة في حرب كارثية أخرى انتهت بهزيمة قاسية قتل فيها آلاف، وسقوط مدن بأيدي متظاهرين قاموا بوضع إطارات السيارات في رقاب بعثيين وحرقوهم أحياء. وفي 1988 أبيد مئة وثمانون ألف كردي في عمليات الأنفال، فضلا عن مجزرة حلبجة. وفي 2003 اكتشفت مقابر جماعية ضمّت آلافا دفنوا أحياء. واستعملت السلطة في النظام السابق وسائل تعذيب بشعة بوضع الشخص وهو حي في الأحماض التي تذيب اللحم والعظم، والكي والحرق وتقطيع الأعضاء.

ومع أن العراق أحد أغنى البلدان، وميزانيته أكثر من ميزانيات ست دول عربية مجتمعة، فإن من هم تحت خط الفقر في زمنه الديمقراطي زاد على ستة ملايين، حسب تقارير رسمية حكومية نشرت في 24 أغسطس 2013، وآلاف “النبّاشة” يفتشون في الزبالة عن شيء يؤكل، يقابلهم برلمانيون وأعضاء حكومة جاؤوا لا يملكون ثمن تذكرة الطائرة وصاروا يكنزون المليارات، وكنزها خبل عقلي. وخاف من خبلهم خمسة ملايين عراقي هجروا وطنهم إلى بلدان الشتات، وآلاف يقتلون في الشهر الواحد، بينهم من قتل لأن اسمه حيدر أو عمر أو سيروان. فأي بلد مخبول هذا، والأكثر خبلا أنه لا يتوقف عن خبله الذي يعيشه من خمسين عاما، آخره دعوة رجل الدين، مرتضى القزويني، إلى قتل الشيوعيين في العراق.

لهذا الخبل العقلي ثلاثة أسباب، الأول يتعلق بالسلطة، واثنان يعودان إلى أن العراقيين ورثوا من ماضيهم “سيكولوجيا الخلاف مع الآخر”، وتشبعوا من حاضرهم بثقافة العنف.

في ما يخص السلطة فإن العراق حكمته أربعة أنظمة (الأموي والعباسي والعثماني والبعث) تجمعها صفة مشتركة هي أن معظم حكامها دكتاتوريون. ويخطئ من يظن أن التفنن في التعذيب كان من مبتكرات النظام الدكتاتوري، بل هو في الأصل إرث سيكولوجي منذ أن صارت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية لألف عام، إليكم واحدا من مشاهدها:

في 291هـ جيء بالقرمطي وبفمه خشبة مخروطية شدّت إلى قفاه كهيئة اللجام. وأمر الخليفة، المكتفي، ببناء دكة في المصلّى، وجيء بالأسرى يتقدمهم القرمطي فصعدوا به إلى الدكة، وعرض أمامه أتباعه وقد قطعت أيديهم وأرجلهم وجرى ضرب أعناقهم واحدا واحدا. وتقدم الجلاد فضرب القرمطي مئتي سوط، وقطع يديه ورجليه ثم أحرق وعلّق بدنه في طرف الجسر الأعلى الواقع في بغداد.

وفي ما يخص “سيكولوجيا الخلاف مع الآخر” فإن العراقيين ورثوها من أسلافهم، فجدّنا السومري هو الوحيد في زمانه الذي يعدّ نفسه ابنا لإلهه الشخصي وليس عبدا له، عكس باقي الأسلاف زمنئذ حيث كان الفرد فيها عبدا لإلهه، يتوسل لديه أن يحميه فيما كانت علاقة السومري بإلهه علاقة الابن بالأب، عليه هو أن يحميه قبل أن يسأله. ومنها ورثت شخصية العراقي الأنفة وتضخم الذات اللتين تعدّان من أهم أسباب الخلاف. ولك أن تستشهد كيف أن العراقيين لم يتفقوا عام 1921 على اختيار رئيس دولة من بينهم، فاستوردت لهم بريطانيا ملكا من الخارج. وكيف أن حكومات الشراكة في الزمن الديمقراطي هي الأفسد والأفشل في تاريخ العراق، وبين قادتها من هو مصاب بالشك المرضي في شريكه، والبارانويا خبل عقلي.

والأخطر أن 65 بالمئة من الشعب العراقي هم من جيل شباب ولد ونشأ في حربين ويعيش الآن أكثر من حرب، وأنه متشبع بثقافة عنف أقبح ما فيها أنها أطاحت بقدسية “قيمة الحياة” واستسهلت موت الآخر، ما يعني بتشخيصنا النفسي أن من يفعل ذلك هو شخص بسيكوباثي، يعني مخبولا عقليا. ولكم أن تقدروا عدد المخبولين من هذا الجيل، الذي سيكون مصير العراق بيده، وكيف سيكون البلد بعد أن تغادره بقية الكبار الذين يقّدسون قيمة الحياة.

نعم إن العراق منتج لمبدعين ومفكرين وشعراء ورجال دين وشيوخ عشائر من طراز رفيع، ولكن زمنهم أشرف على نهايته، إذ تفرّق هذا الجمع الراقي بين من هجره وصار له حضور مميز في بلاد العقلاء، وبين من أسكته كاتم صوت، وبين من يضع الآن كفنه على راحتي يديه في بلد مخبول سيمضي في خبله لسببين، الأول أن السياسيين الذين يحكمون العراق الآن هم خلاصة هذا الخبل الذي يدفعهم هوسه إلى أن يعظّوا بأسنانهم على السلطة (وما ينطوها). والثاني وجود جماهير مخبولة تعيد انتخاب من يسرقها ويفجعها ولن تنتخب عاقلا حتى لو كان بروفيسورا في الاقتصاد السياسي.

شيء واحد سيكون الرهان عليه، أن بين جيل الشباب قوة بدأت تنفتح على العالم العقلاني المتحضر بثقافة تحب الحياة، وتتحدى بسلاسة ثقافة العنف والقبح، تسندها عقول عراقية في دول الشتات تتولى إصدار صحف ومواقع إلكترونية تكشف لها كم هو قبيح خبل السياسة في العراق.

رئيس الجمعية النفسية العراقية

9