السياسة والأدب والصمت

الأربعاء 2014/03/12

ثلاثة أرباع السياسة كلام، لهذا كانت للبلاغة دوما مكانة في صلب السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال مدهشة، سرت مسرى الأمثال، فحفظها الناس كنماذج للحكمة الإنسانية، من “علي بن أبي طالب” إلى “لينين”، ومن “كسرى أنو شروان” إلى “شارل ديغول”…، لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدّة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها “لسان الدين بن الخطيب” إلى جوار “ابن خلدون” و”المعتمد بن عباد”، و”ليوبولد سيدارسانغور” و”أندري مالرو” و”فاكلاف هافيل” و”دومينيك دوفيلبان” وآخرون وآخرون. شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكا ورؤساء ووزراء وسفراء…، وكانت السياسة لديهم أدبا حقيقيا تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنبا إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، مادامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها -في أحيان كثيرة- متصلا بالعيّ، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك من المستحب في عوالم السياسة أن لا يتكلم الإنسان كثيرا، إن لم يكن قوله جذابا، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه.

الصمت في السياسة حكمة ودهاء أحيانا، لكنه نكسة وخذلان، في أحايين كثيرة. أذكر جملة كتبت على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، تقول: “قلل الكلام تخرج بسلام”.. فالكلام الزائد في السياسة قاتل، ومورث للنكبات،.. لكن ما محل هذا الكلام القاتل من الأدب ومن السياسة؟، قد يكون هو جوهرهما الإنساني معا، إذا كان نقيضه هو التواؤم مع الخنوع؛ فطالما قطعت ألسنة في التاريخ الإنساني فقط لأنها تلفظت بما لم يحتمله السياق، في وقت كان فيه “الصمت فضيحة”،.. الصمت في السياسة، قد يكون “أدبا”، لكنه مجرّد من الأخلاق.

أسوق كل هذا الكلام عن الأدب والسياسة والصمت، عزيزي القارئ، لأجيب عن سؤال إنكاري، طالما طرح في الآونة الأخيرة، عن “صمت المثقفين العرب”، بصدد هذه المأساة أو تلك من المحن والكوارث الإنسانية التي أعقبت ما سمي بالربيع العربي، حيث أجد أنه صمت ذو كنه سياسي (وهو صمت نسبي طبعا)، في شتى الأحوال، صمت للبقاء خارج السياسة، والبقاء في نطاق الأدب، والنتيجة أنه بات خارجهما معا، وخارج الأخلاق أيضا.


كاتب من المغرب

15